كتاب وآراء

ثورة 14 أكتوبر المجيدة .. ذكرى تقاوم السقوط !

الوقت قبل شهر

تطل علينا الذكرى الـ 54 لثورة 14 أكتوبر المجيدة والوطن من أقصاه إلى أقصاه يشهد حالاً من الانقسام حكومة وشعباً وحراكاً يهدد امن الوطن واستقراره ووحدته الوطنية. ولم يشهد التاريخ مثل هذا الذي يجري اليوم قبل ثورة اكتوبر وبعدها حيث أصبح هناك أكثر من رئيس وأكثر من حكومة وأكثر من جيش وأكثر من قائد وأكثر من حراك. ولا أريد الدخول في تفاصيل اكثر للحديث عن التطورات الخطيرة التي يشهدها اليمن شمالاً وجنوباً لأنني تناولت كثيراً من الأمور الهامة في مقابلتي الاخيرة مع صحيفة الاهرام العربي المصرية وكنت اتمنى ان تشارك القيادة في مثل هذه المناسبة العظيمة في داخل الوطن مع جماهير الشعب التواقة إلى الامن والاستقرار بدلاً من الاحتفال بها من خارج الوطن عبر القنوات الفضائية وهذا مسيء لها ولحلفائها اللذين وعدوا انهم سيعودون الى صنعاء بعد 45 يوم من انطلاق عاصفة الحزم.

كما هو معروف بان الثورة قامت لتحرير الجنوب من الاحتلال البريطاني الذي تحقق في 30 نوفمبر 1967م بقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية وتوحيد الجنوب في دولة واحدة قوية ومهابة ليس فيها مكان للثأر والكراهية والطائفية. ومن أجل ذلك قامت الثورة وقدم ابناء شعبنا قوافل من الشهداء قبل قيامها وبعد قيامها. وقبل هذه الثورة شهد الجنوب منذ الاحتلال البريطاني عام 1839 وحتى قيامها عام 1963 مقاومة وانتفاضات شعبية ضد قوات الاحتلال البريطاني وقال حينها الامير احمد بن محسن العبدلي للكابتن هنس :
"فإذا جئت إلى باب عدن لمقابلة السلطان فتحنا لك الباب وقطعنا رأسك بالسيف"

وهذه المقولة تعبر عن البطولة والكبرياء والإباء في تلك الفترة الصعبة حيث كانوا لايملكون سلاحا متطورا لمواجهة قوات الاحتلال ولكنهم كانوا يملكون سلاح الايمان والدفاع عن سيادة الارض, ولم يستسلم أبناء هذه السلطنة للاحتلال بل استمرت المقاومة في لحج والصبيحة شعبا وأميرا وفي مقدمتهم السلطان الثائر علي عبد الكريم الذي عزله البريطانيون في الخمسينيات ونفي من السلطنة كما نفي رفاقه في النضال محمد علي الجفري وشيخان الحبشي وعبدالله علي الجفري ومحمد شاهر وعثمان مصفري خارج السلطة والسلطنة واستمرت المقاومة الشعبية في المحميات الشرقية والغربية وكان ابرز تلك الانتفاضات:

انتفاضة الربيزي بقيادة علي معور الربيزي واخوانه وقبيلته التي واجهت الاحتلال البريطاني وقد حاول الاستعانة بالامام لدعمه في مواجهة قصف الطيران الذي دمر القرى واحرق الارض والنسل ولم يقدم له الامام شيئا واكتفى بالدعوة له "ان الله ورسوله معه" وكان له رداً ساخراً لا أريد الحديث عنه في هذه العجالة.
كما شهدت مشيخة العوالق العليا انتفاضة قادها الشيخ محمد بن ابو بكر بن فريد مدعوما بحزب رابطة ابناء الجنوب وشهدت سلطنة الواحدي انتفاضات شعبية ومنها آل رشيد 1937 – 1940م وانتفاضة قبائل لحموم ونوح والعكابر وبن عبدات وقبائل المهرة وسلطنة العوالق السفلى عام 1946م وآل دمان في العواذل 1946-1947م وانتفاضات قبيلة بلحارث والمصعبين وآل عريف وآل رقاب في بيحان 1943-1957م وحالمين والشعيب وابن عواس والشيخ محمد عسكر في الضالع 1947-1957م والحواشب عام 1950م و السلطان صالح بن عبد الله الفضلي الذي نفي الى جزر سيشل ويافع بقيادة السلطان محمد بن عيدروس والسلطان بن هرهرة وغيرهم عام 1957م و شهدت دثينة انتفاضة العاقل الحسني حسين عبد الله (المجعلي) وآل المجعلي ومحمد عوض شقفة واحمد عوض شقفة ومحمد ناصر الجعري والسيد ناصر علوي السقاف ومحمد علي فضل الصالحي و فضل قنان وغيرهم.
وفي بداية القرن العشرين شهدت ردفان عام 1905م انتفاضة البطل الوطني "المجنون" (كما يطلقون عليه)، وشهدت السنوات 1918 و1938 و 1940 و1948م تمردات قبلية على سلطات الاستعمار والسلاطين الموالين لها وفي مقدمتهم الشيخ سيف حسن القطيبي.
وتوجت هذه الانتفاضات في ردفان وغيرها بانطلاق الثورة من جبال ردفان الشماء بقيادة راجح بن غالب لبوزة يوم 14 أكتوبر 1963م وبدأت المعركة بين القوات البريطانية وراجح بن غالب لبوزة ومن معه في منطقة البيضاء التي تحولت إلى ساحة حمراء في معركة غير متكافئة حيث استخدمت كل أنواع الأسلحة بما فيها المدفعية الثقيلة التي أصابت احدى شظاياها المناضل راجح بن غالب لبوزة واستشهد على اثرها وكانت هذه الطلقة الأولى والشرارة الأولى التي ألهبت الثورة في كل مكان في ردفان وبقية المحميات وبعدها انتقلت المعركة الى قلب عدن بعد القرار الذي اتخذ في منزل المناضل الكبير نور الدين قاسم.

أتذكر تماماً في بداية عام 1964م كنا شبابا من مختلف ابناء المحميات في الجنوب المحتل ومستعمرة عدن حين تداعينا والتقينا لقاء سريا في بيت المناضل الكبير نور الدين قاسم في حي المنصورة بعدن حضره سيف الضالعي وعبد الفتاح اسماعيل وسالم ربيع علي ومحمد علي هيثم وحسين الجابري وعلي عبد العليم وعلي السلامي وآخرون لا أتذكر أسماءهم، وترأسه فيصل عبد اللطيف احد قادة الثورة التاريخيين البارزين في مرحلة الكفاح المسلح، الذي قدم عرضاً حياً وعميقاً لاتجاه الأحداث في عدن والمنطقة والدعوة الى اتخاذ القرار بنقل المعركة الى مستعمرة عدن وبقية المحميات ويعتبر هذا القرار من أهم وأخطر القرارات التي اتخذت في تاريخ الثورة والكفاح ضد الاستعمار البريطاني بعد انطلاق الثورة من ردفان عام 1963م.
وعندما أبدى البعض ملاحظات حول نقل الثورة المسلحة الى مستعمرة عدن وخشيته من فشلها وان الوضع في عدن والتحصينات والبوابات والاسوار والاسلاك قد تمنع دخول الاسلحة الى المستعمرة التي لا تزيد مساحتها عن 600 كم وقد لايكون الريف مهيأ للثورة، واتذكر مقولة المناضل فيصل عبد اللطيف: اننا اذا انهزمنا في هذه المعركة فسيسجل التاريخ أننا قد حاولنا، واذا انتصرنا فهو نصر لشعبنا وللأجيال القادمة. وحديث المناضل فيصل عبد اللطيف حول النجاح والفشل للثورة المسلحة في الجنوب عام 1963 يذكرنا بخطاب جمال عبد الناصر يوم 22 يوليو 1962 بمرور عشر سنوات على الثورة عندما حاول البعض اثنائهم عن تنفيذ الخطة بسبب اكتشافها في اللحظة الاخيرة من قبل الملك وتحرك قادة الجيش لاعتقال الضباط الأحرار ولكن عبد الناصر رفض التراجع عن تنفيذ هذه الخطة وان العجلة قد دارت ولن يستطيع احد ايقافها واذا لم يكتب لها النجاح في القضاء على النظام الملكي فليس أقل من ان نضحي ونثبت للأجيال القادمة ان الجيل الذي عاش عام 1952 لم يستكين لهذا الظلم والاستبداد بل قام وقاتل واستشهد من أجل الثورة والتغيير في مصر لتواصل الأجيال القادمة ماعجزنا عنه. كان انتصار ثورة 23 يولو 1952 في مصر هو انتصار لحركات التحرر العربية ومنها اليمن وقد وقفت الى جانب ثورة 26 سبتمبر في صنعاء والى جانب ثورة 14 من اكتوبر وغيرها من الثورات في المنطقة العربية والعالم.
عند زيارة الرئيس جمال عبد الناصر لمدينة تعز عام 1964 أعلن وقوفه الى جانب الثورة المسلحة في الجنوب وتقديم كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي والإعلامي لهذه الثورة وأعلن يومها ان على الاستعمار البريطاني ان يحمل عصاه ويرحل من عدن وبعد هذه الدعوة للكفاح المسلح وقف الشعب في الجنوب بكافة قواه السياسية الى جانب الثورة المسلحة وجرى تدريب المئات والآلاف في مدينة تعز والقاهرة والداخل بإشراف ماسمي حينها "بعملية صلاح الدين" التي كان يشرف عليها بعض المسؤولين في مصر وقدمت كافة أشكال الدعم للفدائيين في عدن وجبهات القتال في الجنوب. وكانت جبهة عدن هي قلب وروح الثورة في المعركة مع الاستعمار والانتصار. ومما له دلالته أن الثوار استطاعوا أن يخوضوا حرب عصابات منظمة وناجحة في مدينة صغيرة محاصرة بين الجبال والبحر، وقليلة المنافذ، ومحاطة بالأسلاك الشائكة وبمعسكرات القوات البريطانية والجواسيس، وقيامهم بالكفاح المسلح في المدن والريف وعمت الثورة الى جانب جبهة ردفان كافة جبهات القتال في يافع والضالع والشعيب وحالمين ودثينة والعواذل والفضلي ولحج والصبيحة والحواشب والمفلحي والعلوي والواحدي وبيحان والعوالق السفلى والعليا وحضرموت والمهرة والعقارب حتى تحقق النصر في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م بقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية برئاسة قحطان محمد الشعبي.

إننا وفي ظل الذكرى الـ 54 لثورة 14 أكتوبر المجيدة وذكرى الاستقلال 30 نوفمبر ، وأمام هذا المشهد ندعو شعبنا الصامد الذي لايزال يمثل المرجعية الحقيقية للثورة والحراك في الجنوب لتنظيم فعالية واحدة جامعة في ساحة العروض بخورمكسر ودون رفع صور القيادات من داخل الوطن أوخارجه واستبدالها بصور شهداء أكتوبر والانتفاضات التي سبقتها، والخروج ببيان يحمل رؤية واضحة تنتصر مجدداً لأهداف ثورة أكتوبرالكبرى وتضحيات شعبنا العظيم وتؤكد على التمسك بمبدأ التصالح والتسامح كمبدأ جامع لايزال يمثل القاسم المشترك الذي يقاوم التهاوي والسقوط متكئاً على تاريخ من النبل والحضارة والأصالة .
المجد والخلود للشهداء .. والنصر لشعبنا العظيم .. والشفاء للمناضلين علي سالم البيض علي صالح عباد (مقبل) ومحمد سالم عكوش وغيرهم من المناضلين الشرفاء وتمنياتنا لهم بالعمر المديد
وكل عام وشعبنا في أمن واستقرار

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة