أدب وثقافة

اعتمدها الفاطميون والمماليك والعثمانيون..

قصص عن عقوبة التجريس أو التشهير

الوقت قبل 3 أسابيع
قصص عن عقوبة التجريس أو التشهير

اليوم الثامن ارشيفية

اليوم الثامن وكالات

بعد سنوات من خروجه على السلطة الفاطمية، وقع مخلد الخارجي في أسر إسماعيل بن محمد بن عبيد الله الملقب بالمنصور الفاطمي (943 – 952). وبعد أيام من أسره مات متأثراً بجراحه، فأمر المنصور بإدخاله في قفص وجعل معه قردين يلعبان على جثته ويعبثان بلحيته.

"سبق ذلك سلخه وحشوه تبناً وقيل قطناً، وإلباسه قميصاً مشهراً وقلنسوة، وأركب جملاً وأردف خلفه مَن يمسكه، فطيف به في صبرة (غرب الجزائر) والقيروان (مدينة تونسية)، واستمر التشهير به ثلاثة أيام". بحسب ما ذكر الدكتور حيدر لفتة سعيد والدكتور وسيم عبود الحدرواي في دراستهما "التشهير في العصر الفاطمي".

وروى الباحثان: "حُمل بعدها إلى المهدية وصُلب على أحد أسوارها حتى نسفته الرياح. أما رؤوس أتباعه فطيف بها في القيروان، وسبق ذلك قراءة خبرهم على منابرها".

بحسب الباحثين، كان التشهير عقوبة اعتمدتها الدولة الفاطمية لضرب المعارضين والمخالفين لسلطتها في الداخل والخارج ممّن قاموا بأعمال تهدد أمنها وكيانها وتزعزع ثقة العامة بها.

وسميت العقوبة أيضاً بالتجريس، لأن "مَن يشهر بهم يصحبهم شخص يحمل جرساً يدق لتنبيه الناس إليه وإلى المشهر به ليكون ذلك أبلغ في إهانة الأخير".

هذا الشخص الذي يحمل الجرس كان يقوم بتهيئة الشخص المراد التشهير به بإلباسه لباس الشهرة، وتعليق الخرق الملونة عليه ووضع طرطور على رأسه.

الابن يذوق من الكأس نفسها

العقاب الذي طُبّق على مخلد ذاقه ولده الفضل. خرج على السلطة انتقاماً لأبيه ومعه أتباعه سنة 947، ولدى وقوعه في الأسر تم التشهير به قبل قتله.

وتلا ذلك إرسال رأسه ورؤوس أتباعه إلى القيروان ثم المهدية، ومع كل رأس رقعة فيها اسم صاحبها، وطيف بالرؤوس في المدينتين، حسبما روى الباحثان.

تجريس المعارضين في مصر

بعد سيطرة الفاطميين على مصر، سنة 968 واتخاذهم القاهرة حاضرة لهم واجهوا العديد من المعارضين في الداخل والخارج خاصة من بقايا الإخشيديين والكافوريين الذين كانوا يحكمون مصر وشكلوا مجاميع مسلحة لمجابهة الوجود الفاطمي على جبهتي مصر والشام، فما كان من رجال الدولة الفاطمية إلا القيام بعمليات تجريس واسعة ضدهم.

روى الباحثان أن القائد العسكري الفاطمي جوهر الصقلي أمر سنة 968 بقطع رؤوس جماعة من الأخشيدية والكافورية، وإرسالها إلى الخليفة المعز لدين الله مع خمسة آلاف من أسراهم مقيدين على محامل.

وفي سنة 971 تم تجريس عبد العزيز الكلابي وأتباعه بسبب موالاته للعباسيين: أدخل في قفص وهو مغلول اليدين وطيف به وبمَن معه في القاهرة عقاباً لهم على الخروج على السلطة في الصعيد.

رجال السلطة

ولم يكن رجال السلطة الفاطمية أنفسهم بعيدين عن التجريس، إذ عوقب به أمير دمشق منير الخادم عام 992 بعد وصول أخبار تفيد بغدره ومسايرته للخليفة العباسي ببغداد: أُركب على جمل ومعه قرد يصفعه، وشُهر معه نحو مئة من أصحابه أركبوا على الجمال ووضعت على رؤوسهم الطراطير، وطيف بهم في دمشق ثم أرسلوا إلى بعلبك.

وصحبهم منادٍ كان ينادي على الخادم وهو بوضع التجريس قائلاً: "هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا جزاء من نافق الله عز وجل وعلى مولانا العزيز بالله".

وعند وصوله إلى مصر، تم تجريسه على جمل بطرطور طويل فخرج الناس للنظر إليه، ومعه سبعمئة رأس من رؤوس أتباعه مرفوعة على رماح فطيف بهم، ثم عفا العزيز عنه.

أقوال جاهزة

شاركغردللتشهير بشخص، كان يصحبه رجل يحمل جرساً لتنبيه الناس إليه وهو يمشي مهاناً... عقوبة التجريس

شاركغردالتجريس أو التشهير... العقوبة القاسية التي طبقها الفاطميون والمماليك والعثمانيون على معارضيهم

تجريس لأسباب مذهبية

وقفت وراء التجريس دوافع عقائدية أيضاً. شهد عهد العزيز بالله الفاطمي تجريس أحد المخالفين للمذهب الإسماعيلي في مصر بعد أن وُجد عنده كتاب الموطأ لمالك بن أنس.

وتكرر العقاب مع شخص آخر ادعى أنه السفياني المنتظر (وهي أسطورة روّج لها خالد بن يزيد بن معاوية بعد أن انتزع مروان بن الحكم الخلافة من البيت السفياني وهو الشخص الذي، بموجب الأسطورة، سيعيد الخلافة للبيت السفياني).

ألقى القبض عليه في الشام حسان بن مفرج بن الجراح، حليف الفاطميين هناك، وبعث به إلى مصر فجُرس على جمل، وأوكل إلى رجل صفعه أثناء التجريس.

وفي عهد الخليفة الحاكم بأمر الله وتحديداً في عام 1003 أمر بالقبض على 13 رجلاً والتشهير بهم دون قتلهم لإقامتهم صلاة الضحى التي اعتبرها الفاطميون من مبتدعات معاوية بن أبي سفيان، أول حكام دولة بني أمية.

فقهاء مجرّسون

امتد التجريس لأسباب مذهبية إلى العهد الأيوبي. روى عبد الرؤوف جير القططي في دراسته "السجون في مصر وبلاد الشام في الدولتين الأيوبية والمملوكية" أن أحد الشعراء، وكان يُدعى ابن العود قدم إلى حلب "وكان شيعياً، وتردد إلى عز الدين مرتضى نقيب الأشراف فاسترسل معه يوماً ونال من أصحاب الرسول فعاقبه النقيب، وأمر بجره من بين يديه وأُركب على حمار مقلوباً وصُفع في الأسواق ونزل إلى مزبلة واغترف غائطاً ولطخ به ابن العود".

ونال العصر المملوكي نصيباً لا يستهان به من تجريس الفقهاء لنفس الأسباب. ذكر خالد كبير علال في كتابه "التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي" أن الفقيه أحمد بن مري البعلي الحنبلي خطب يوماً في سنة 1324 بأحد مساجد القاهرة وهاجم الصوفية وانتصر لمنهج شيخه ابن تيمية، فرفع أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي، فأمر بضربه حتى سال منه الدم.

ثم شُهّر به على حمار أركب عليه بطريقة عكسية ونُودي عليه، فكادت العامة أن تقتله، ثم أُعيد إلى السجن. وبعد فترة شُفع له، فأُخرج وسُفّر من القاهرة إلى مدينة الخليل بفلسطين ومعه أهله.

قبل ذلك، اعتُقل الفقيه ابن زهرة المغربي سنة 1312 بعد شهادة بعض القضاة عليه بأنه استهان بالمصحف واحتقر أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل بدمشق وطيف به في وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، ومنادٍ ينادي: "هذا جزاء مَن يتكلم في العلم بغير معرفة"، ثم حبس.

التشهير باليهود والمسيحيين

لم يكن اليهود والمسيحيون بمنأى عن التشهير، إذ فرض الحاكم بأمر الله عليهم ارتداء زي يميزهم عن المسلمين، وأصدر أمراً سنة 1004 ألزمهم بلبس الغيار وشد الزنار (حزام) حول أوساطهم، ولبس العمائم السوداء فوق رؤوسهم.

ليس هذا فحسب، بل فرض على الأقباط أن يحملوا صلباناً وشدد على اليهود بحمل الخشب (كناية عن رأس عجل السامري) ومنعهم من ركوب الخيل سوى الحمير والبغال ولكن بسرج من الخشب عليه سيور خالية من أيّة زينة، وهذه المظاهر كانت تشير إلى التشهير ضمناً.

ولم ينجُ المسيحيون واليهود من التجريس في العهد المملوكي. ذكر الدكتور علاء طه رزق أستاذ التاريخ المعاصر لرصيف22 أن المذنب منهم كان يوضع على الحمار بطريقة عكسية إمعاناً في فضحه والتشهير به.

وفي بعض الفترات، حاول بعض الحكام التغطية على تجاوزاتهم أو فشلهم في مواجهة المجاعات برمي الأسباب على المسيحيين واليهود لأنهم يشربون الخمر وبالتالي كانوا يلزمونهم بارتداء زي معين، فالنصارى كانوا يرتدون عمامة زرقاء بينما اليهود صفراء، روى رزق.

وارتبط التجريس في العصر المملوكي بالبناء الطبقي. شرح رزق أن هذه العقوبة طُبقت فقط على المصريين، بينما كان للمماليك محاكماتهم وعقوباتهم الخاصة، إلا إذا ارتبط الأمر بجرائم تمرد أو تآمر على السلطة، ومن ثم لم تُطبق السلطة التشهير على مملوكي لارتكابه عقوبة اجتماعية مثل السُكر أو السرقة.

عقوبة مصاحبة

قد يكون التجريس مصاحباً لعقوبة أخرى مثل التسمير (نوع من الصلب وبموجبه تُدق أطراف المحكوم عليه بالمسامير إلى الخشب، فيبقى المسمر ساعات أو أياماً حتى يموت).

في سنة 1294 توفّى سبعة من الأمراء بعدما اتهموا بقتل بدر الدين بيدرا نائب السلطان الأشرف خليل بن قلاوون. "أخرجوا من السجن وقطعت أيديهم بساطور، وعلقت على صدورهم، ثم سمروا وطيف بهم القاهرة، وحدث أن زوجة أحد المسمرين لما رأته ألقت بنفسها من فوق بيتها عليه، فشفع به بعض الأمراء وفك عنهم التسمير"، روى القططي.

ولما علم بذلك مماليك المقتول (أتباعه) ألحوا على السلطان ليعيدهم إلى التسمير حتى رضي، فأعادوهم إلى التمسير مرة أخرى وكان ذلك أشد من المرة الأولى، وبقوا على ذلك حتى ماتوا بعد يومين.

العثمانيون وتجريس المفطر

في العصر العثماني كان التجريس العقوبة المنتظرة لمَن يجرؤ على الأكل أو الشرب في مكان عام أثناء النهار في شهر رمضان، خاصة إذا كان المفطر شاباً قوياً صحيح الجسم.

وروت الدكتورة سميرة فهمي عمر أستاذة التاريخ الحديث بجامعة طنطا في دراستها "السجون والعقوبات في مصر العثمانية" أنهم كانوا يحلقون نصف لحية المذنب ونصف شاربه، ثم يضعونه على ظهر حمار، ووجهه متجه إلى ذيل الحمار، ويقبض بيده على ذنب الحمار ويعممون هذا الشخص بأحشاء ذبيحة ويضعون على كتفيه جلدها، ويطوفون به في الشوارع والطرقات، بينما رجال أشداء يصفعونه ويضربونه بالنعال.

ووقفت أسباب اقتصادية أيضاً وراء تجريس المخالفين من الصناع والتجار. بحسب عمر، إذا أنقص الخبازون الخبز أو صنعوا خبزاً رديئاً وضبطه المحتسب كان يصادر الخبز الموجود بالحانوت ويعطيه للفقراء، ويعلق المذنب على باب حانوته أحياناً من أذن واحدة وأحياناً من الأذنين لمدة 12 ساعة.

وإذا خالف الخباز تعليمات المحتسب مرة أخرى أنزلت عليه عقوبة الضرب بـ200 أو 300 جلدة على قدميه، وأحياناً على ظهره، مع وضع لوحة كبيرة عريضة مثقلة بالرصاص على كتفه، ثم يأمره المحتسب بالسير في معظم الشوارع الرئيسية في القاهرة إلى أن تُنهك قواه.

الجزار أيضاً كان عرضة للتجريس. روت فهمي أنه "إذا نقص الوزن أو باع لحماً فاسداً وكان يفعل ذلك للمرة الأولى يعطي المحتسب اللحم الباقي للفقراء ويأمر بربط الجزار في مكان تسطع عليه الشمس كل يوم ثم يعلقون قطعة من اللحم الفاسد في أنفه ويتركونه في هذا الوضع حتى تنتج قطعة اللحم المعلقة الديدان وتسقط على جسمه، وبجانب هذه العقوبة يلزم بدفع غرامة مالية".

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة