الصحة والمجتمع

75 عاما من الهلوسة..

أل.أس.دي عقار شيطاني يطلق المكبوت

الوقت الأحد 22 أبريل 2018 3:00 م
أل.أس.دي عقار شيطاني يطلق المكبوت

اليوم الثامن هل هو أكسير السعادة أم عقار للهلوسة

اليوم الثامن وكالات (لندن)

كان العالم السويسري ألبرت هوفمان يحاول فقط أن يرتّب الأدوات في مختبره قبل القيام بعطلة نهاية الأسبوع، عندما وقع ذلك الاكتشاف المذهل.

وفي أثناء لحظة من السلوك العفوي حصل هوفمان على المادة التي كان يجري أبحاثا للتوصل إليها في بحثه عن دواء لعلاج مشكلات الدورة الدموية والجهاز التنفسي.

الاسم العلمي لهذه المادة هو “ثنائي إيثيل أميد حمض الليثريك” الذي اشتهر في ما بعد باسم العقار المختصر أل.أس.دي. ويصف هوفمان مفعوله بأنه “الشعرة الفاصلة بين الوعي واللاوعي، وهو الفرق بين الإنسان والحيوان”.

كان هوفمان من المقتنعين بأن الطبيعة ثرية بالمركبات الكيميائية التي لها تأثير قوي على جسم الإنسان ويمكن استخدامها في علاج الأمراض المستعصية، حتى وضعت الصدفة، وهو يبحث عن أدوية تساهم في تقوية الدورة الدموية لجسم الإنسان، بين يديه حمض الليثريك ثنائي والذي فتح له باب الشهرة العلمية.

مرّ 75 عاما منذ أن قام هذا الكيميائي السويسري بأول “رحلة” متخيّله له بعد تناوله جرعة من عقار أل.أس.دي، وهو المخدر الذي شهدت سمعته خلال الأعوام التالية تذبذبا من غذاء تقتات عليه عملية الإبداع الفني إلى عقار شيطاني مسؤول عن عمليات قتل وانتحار، إلى أكثر الأقوال حداثة وهو إمكانية أن يصبح علاجا محتملا لعدد من الأمراض الخطيرة.

في كتابه "أل.أس.دي: طفلي المشكلة" أعرب هوفمان عن حزنه العميق من أن عقاره العجيب تعرض لسوء السمعة بسبب سوء استخدامه. وقال بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده المئة إن العقار "منحني أعينا مفتوحة وحساسية داخلية إزاء معجزة الإبداع، ولهذا فأنا أشعر بالامتنان لحظي الرائع"

في ندوة نظمت بمدينة بازل السويسرية عام 2006، بمناسبة الذكرى المئة لمولد هوفمان، قال ذلك الكيميائي السويسري واصفا الأحداث التي تلت يوم 16 أبريل 1943 “كان عليّ أن أغادر المختبر، وكان لدي شعور بأن شيئا ما سيحدث لي، وعدت إلى منزلي راكبا دراجة، ورقدت على الفراش ومررت بتجربة رائعة، وكل ما تخيلته كان ساطعا أمامي ومبهجا بعمق، واستمر هذا الإحساس قرابة ثلاث أو أربع ساعات ثم تلاشى”.

عند عودته إلى العمل بعد عطلة نهاية الأسبوع بعد هذه التجربة، أراد هوفمان أن يجري اختبارا ليعرف ما الذي أنتج هذه التأثيرات، فتناول عمدا قدرا من عقار أل.أس.دي، الذي قام بتركيبه بطريقة اصطناعية أولا عام 1938 من فطر الإرجوت الذي يتكون على نبات الحنطة، وكانت الجرعة قوية جدا ولها تأثيرات مخيفة.

وتذكر هوفمان قائلا “كانت رحلة مرعبة، وفكرت قائلا لنفسي: إنك قمت الآن باكتشاف عظيم، والآن أنت على وشك الموت”، مضيفا أن إحساسه بالذات فارقه، وأنّ نفسه تغادر جسده بحيث يتمكّن من رؤية نفسه في الخارج، ضمن رؤية واسعة للعالم.

وأوضح هوفمان أنه تصور قطعا من الأثاث مألوفة له وهي تتخذ أشكالا غريبة، كما بدت سيدة جارة له على هيئة “ساحرة شريرة غادرة بسحنة ملونة”، وعندما انحسرت التأثيرات بعد عدة ساعات قال “كان لدي إحساس بأن حياة جديدة بدأت تزحف داخلي، ولا أستطيع أن أصف جمال هذا الإحساس”.

وأنتج المختبر الذي كان يعمل هوفمان لصالحه واسمه ساندوز دواء من عقار أل.أس.دي تم تصنيعه لعلاج الأمراض النفسية.

ويعمل العقار أل.أس.دي على “إطلاق” الذكريات المكبوتة لدى أصحاب الأمراض العقلية على سبيل المثال، مما يسمح بعلاجهم وفقا لما يقوله هوفمان. واستخدم الأطباء أل.أس.دي لعلاج مدمني الكحول والمصابين بالشيزوفرانيا، وكمحسن للحالة المزاجية وفي حالات التعرض للصدمات الحادة.

محفز الإبداع

في الستينات من القرن الماضي أصبح العقار “أسيد”، وهو اللقب الذي أطلق على أل.أس.دي مخدرا ترويحيا يلقى إقبالا داخل ثقافة الهيبيز المضادة للثقافة الشائعة وقتذاك. وروج المدافعون عن العقار إلى أنه يمثل طريقة “للتناغم والتواصل مع عالم افتراضي والانسحاب من الأنشطة الحياتية”، وذلك بهدف الهروب من أوضاع استنكرها كثيرون باعتبارها تمثل ابتذالا وإذعانا للنظام المستقر المعمول به.

لم يكن كل المدافعين عن العقار من المنسحبين من الحياة العامة، وربما كان الأبرز في هذا المضمار تيموثي ليري، وهو محاضر في الطب النفسي السريري بجامعة هارفارد، الذي دعا إلى استخدام العقاقير التي تغير العقل بما فيها أل.أس.دي. وتم فصله من الجامعة عام 1963 بعد أن كان معلما روحيا متوسط القيمة على ساحة ثقافة الهيبز.

كما كان لعقار أل.أس.دي تأثير كبير على الموسيقى والفن في تلك الفترة من الزمن، فعلى سبيل المثال كانت أغنية فريق البيتلز المسماة “لوسي إن ذي سكاي ويز دايموندز” التي صدرت عام 1967، واحدة من الأغاني التي يعتقد على نطاق واسع أنها تتحدث عن هذا المخدر، حيث أن الحروف الأولى من اسم الأغنية تشير إليه، ومن بين مشاهير نجوم أغاني البوب الذين اعترفوا بتناول العقار عازف الغيثار بفريق موسيقى الروك والموسيقار الأميركي جيمي هندريكس.


مناطق النشاط الدماغي قبل تعاطي عقار أل.أس.دي وبعده

ويقول الكاتب كين كيسي، أحد المشاركين في التجارب العقار أل.أس.دي، إنه فيما كان الأطباء يعتقدون أنهم كانوا يستخدمونه، منحوه في الواقع مفتاح الكون كلّه. فقد قرّر الانطلاق في رحلة في الحافلة في أرجاء الولايات المتحدة الأميركية. وألف كيسي عدة كتب من أشهرها كتاب طار فوق عش الوقواق، الذي حُوّل إلى فيلم ناجح.

ومن الأشخاص الذين اعترفوا باستخدام أل.أس.دي الراحل ستيف جوبز، مؤسس شركة أبل، الذي يقول في مذكراته، إن تجربته مع عقار أل.أس.دي منذ شبابه في الستينات هي واحدة من أفضل الأشياء التي قام بها في حياته.

ويقول جوبز “كانت تجربة أل.أس.دي اختبارا عميقا، وأحد أهمّ الأمور في حياتي. يُظهر لك أل.أس.دي أنّ ثمة جانبا آخر للعملة. لا يمكنك أن تتذكر ذلك حين يزول التأثير، لكنك ببساطة تعرف ذلك. قوّى هذا العقار لديّ التمييز بين الهامّ وغير الهامّ، إرادة إنجاز أمور كبيرة، القدرة على إنتاج تفكير خاصّ بي، والمعرفة أنني جزء من التيار والوعي الكبير للجنس البشريّ”.

مع انتشار العقار، أصيبت السلطات بالفزع بسبب تزايد عدد “الرحلات السيئة” لمتعاطي العقار، والتي يتم خلالها ارتكاب عمليات قتل وانتحار تحت تأثير المخدر. وفي أواخر الستينات من القرن الماضي أصبحت حيازة عقار أل.أس.دي غير قانونية في الولايات المتحدة، ثم تم حظره بجميع أنحاء العالم.

 

"يوم الدراجة": أطلق هوفمان، اسم يوم الدراجة، على اليوم الذي اكتشف فيه عقار أل.أس.دي، وكان متوجها إلى مختبره ممتطيا دراجة بعد تناوله جرعة من عقار لم يعرف مفعوله بعد. شعر في الطريق بتأثير غير عادي وبحالة انتشاء لا يمكن وصفها. وتحول ذلك اليوم (16 أبريل) إلى مناسبة سنوية لمتعاطي عقار أل.أس.دي المحظور

وباستخدام المسح الدماغي وتكنولوجيا أخرى تمكن باحثون في كلية الإمبريالية للعلوم والتكنولوجيا والطب بلندن، من مشاهدة ما يحصل للدماغ عند تناول الشخص لعقار أل.أس.دي.

ويقول الباحثون إنه “في الظروف المعتادة يتم تحليل المعلومات التي تجمعها أعيننا من خلال جزء من الدماغ يقع خلف رؤوسنا، يدعى القشرة البصرية”، لكن “عندما تناول المتطوعون مخدر أل.أس.دي تدخلت مناطق أخرى مع القشرة البصرية في تحليل المعلومات البصرية”.

وقال روبن كارهارت هاريس، من قسم الطب في الكلية والذي كان من بين الباحثين الذين أشرفوا على الدراسة، في  2016 إن “التجربة أظهرت التأثير لحالة انعدام الوعي التي يعيشها الأشخاص الذين يتعاطون مخدر أل.أس.دي”.

وأضاف أن التجربة أظهرت “مدى قرب وجهة نظر بعض الأشخاص الذين يصفون التجربة التي يعيشونها بانحلال للكبرياء، والتي تعني تفكك مفهوم الشخص الطبيعي لنفسه واستبداله بإحساس يعيد ربط الشخص بذاته وبغيره وبالعالم من حوله، وقد تظهر هذه الهلوسات على شكل تجربة روحية أو دينية، ويبدو أنها مرتبطة بتحسين حياة الشخص بعد انقطاع أثر المخدّر”.

ومرت عدة عقود قبل أن يتم إحياء الاهتمام العلمي بالإمكانات العلاجية لعقار أل.أس.دي، وحصل طبيب الأمراض النفسية السويسري بيتر جاسر، الذي التقى هوفمان عدة مرات قبيل وفاة الأخير عام 2008، على تصريح خاص عام 2007 لإجراء أبحاث حول إمكانية أن يساعد أل.أس.دي المرضى بالسرطان أو الذين يعانون من أمراض تهدد حياتهم.

ويرى بعض العلماء ضرورة تخفيف القيود المفروضة على هذا العقار (في أغراض البحث العلمي التطبيقي على الأقل)، بدلا من الحظر التام، ولكن الجدل حول هذا الموضوع كبير ومعقد لا سيما وأن التأثير النفسي للعقار يمكن أن يؤدي إلى انعكاسات سلبية قد تصل إلى الجنون والانهيار التام.

وفي كتابه “أل.أس.دي: طفلي المشكلة” أعرب هوفمان عن حزنه العميق من أن عقاره العجيب تعرض لسوء السمعة بسبب سوء استخدامه. وظل هوفمان مقتنعا حتى النهاية بأن تناول أل.أس.دي بجرعات مناسبة يمكن أن يوسّع بشكل مفيد وعي الشخص. وقال بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده المئوي إن العقار “منحني أعينا مفتوحة وحساسية داخلية إزاء معجزة الإبداع، ولهذا فأنا أشعر بالامتنان لحظي الرائع”.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات


 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة