أدب وثقافة

للشخصيات الفاسدة..

حيتان تتناسل على اليابسة وتفسد كل شيء

الوقت الثلاثاء 15 مايو 2018 12:44 م
حيتان تتناسل على اليابسة وتفسد كل شيء

اليوم الثامن تسليط الضوء على الفساد

اليوم الثامن العرب (لندن)

 يفاجأ القارئ وهو يقرأ رواية الكاتب العماني محمد سيف الرحبي “حيتان شريفة” بمدى تقارب الأحوال الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلدان العربية كافة. حيث تتحدث الرواية عن الفساد ومن يمثلونه، وظروف وآليات نشأته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تدور أحداث الرواية، الصادرة مؤخرا عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، على ضفاف وادي سمائل في عُمان، الذي يلجأ إليه شخص مجهول اسمه “ماهل بن جمعة الحوت” وعشيقته “شريفة”، مخفيين خلفهما قصة تبقى غامضة.

يبدأ الاثنان حياتهما من الصفر، “ماهل” يقوم بكل الخدمات المطلوبة لأهالي الوادي من الاعتناء بنخيلهم، حتى يصبح أكثرهم ثراء، ويتمكن من شراء الكثير من المزارع والأملاك، ولم يعد ذلك الشخص الذي يخدم الآخرين.

يكبر أبناؤه الثلاثة، ويصل كبيرهم إلى مرتبة وزير، وعندما يخرج من السلطة، ويفقد لذة الجلوس على الكرسي، يحاول من خلال أحد الكتاب أن يتحول إلى معارض ليقدم نفسه على أنه كان من أهم بناة الوطن، وأن من جاء بعده فرّط بالإنجازات التي حققها، والثاني يصبح رجل أعمال كبير، يتشارك مع أخيه الوزير في نهب المال العام، وتسخير السلطة لصالح بناء ثروة طائلة، يتنازع عليها لاحقا مع أخيه، والثالث يدخل دوامة البورصات الوهمية، ليسقط من ارتفاع ساحق ويتعرض للإفلاس والسجن، لكنه يحترف النصب والاحتيال في كل شيء حتى السياسة، فهو يتحول إلى معارض يقود المظاهرات ضد الحكومة وضد الفساد، ثم يترشّح لمنصب وكيل وزارة، كخطوة أولية ليرتقي بعدها، فهو في نهاية المطاف من سلالة الحيتان، التي لا يجوز أن تختفي، وتحرك الحيتان جميعا شخصية “الصاحب” التي تقبع في الظل.

علاقة ملتبسة

الرواية تتعرض بالتفصيل لصعود الإخوة الثلاثة (حيتان شريفة)، ولاختيار العنوان دلالات ذكية من المؤلف، فقد اختار اسم الحوت للشخصية الرئيسية ليحمل دلالة الشراهة والفساد كما رسخ في ثقافة الناس، وشريفة لتعطي عكس مدلولها، فأبناء الحوت الثلاثة يدّعون الشرف، والأم التي حملت أيضا هذا الاسم.

الكاتب هنا لا يقدم للقارئ شخصيات استثنائية، بل هي نماذج للشخصيات الفاسدة، وهي حالة تكاد تكون واحدة في البلدان العربية، فساد رجل السلطة الذي يسخر سلطته للإثراء، وفساد رجال الأعمال بتزاوجه مع السلطة، وفساد النظام الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام، فظواهر مثل البورصات الوهمية والفقاعات العقارية وغيرها، وانحدار القيم الاجتماعية، إذ ترفع من قيمة صاحب السلطة والثروة والمال، وتدفع عامة الناس للتملق للسلطة ولأصحاب المال.

ورغم تركيز الكاتب على تتبع سيرة شخصيات الحيتان “غير الشريفة”، فإن الرواية أبرزت في الخلفية شخصيات أخرى، كانت الصورة الإيجابية المعاكسة لصورة الحيتان، مثل المثقف، اليساري الذي يكتب عن الفساد، المعلم، والشيخ خالد بن ناصر، وكذلك بعض الشخصيات النسائية، مثل “شريفة” زوجة “ماهل جمعة الحوت”، والدة الحيتان الثلاثة، ورغم أنها تزوجت “ماهل الحوت”، غير معروف الأصل، ورغم أن الكاتب لم يجزم بحكايتها ومقدمها إلى وادي سمائل، وارتباطها بماهل الحوت، فإنه يكشف بعض أسرارها، فهي ابنة عالم، ذكية، حكيمة، ماكرة، قوية الشكيمة، لكنها لم تكن على قدر من الجمال، وربما هو العمل الذي جعلها ترتبط بعلاقة غامضة مع “ماهل الحوت”، وتتزوجه وتساهم معه في بناء ثروته وتنجب له حيتانه الصغار.

ثمة أيضا شخصية “شمس”، زوجة الابن الثاني لـ”ماهل الحوت”، المرأة الصابرة الصامتة، ابنة الشايب حمّاد، والتي تتزوج “صالح الحوت” مضطرة، وتصمت، وتصبر على خيانة زوجها وأخوه وزوجة أخيه الوزير “مسعود”.

هذه هي العلاقة الملتبسة بين الفاسدين والشرفاء، وهي صورة مصغرة للمجتمع، إذ تتداخل مصائر هاتين الفئتين، “شريفة” تتزوج “ماهل الحوت” الساعي إلى الثروة والسلطة، لتنجب نماذج متنوعة من الفاسدين، و”شمس” تتزوج “صالح” لتنجب أبناء يتجهون للتعليم، والكاتب الذي لا يستغني عن علاقته بالوزير حتى يتمكن من تأمين لقمة عيشه، والشيخ “خالد بن ناصر” الذي  يحفظ سر الحوت ويزوجه “شريفة”.

علاقات الفساد تبدو وكأنها غثاء، فقاعات، لا تغني صاحبها، وتبقى عقدة الانتماء عقدة العقد بالنسبة إلى الفاسد، فها هو “مسعود” ابن ماهل الحوت “لم يشقه شيء كخلو اسمه من قبيلة يتفاخر أبناء سمائل بلصقها شرفا في خاتمة أسمائهم حين ينطقونها لسائل مقيم، أو عابر درب”.

ونُذكر أن محمد بن سيف الرحبي أصدر أكثر من أحد عشر كتابا تنوعت ما بين الرواية والقصة وغير ذلك منها مجموعات قصصية كـ”بوابات المدينة” و”ما قالته الريح” و”أغشية الرمل”، ومنها ما يمكن اعتباره سرد مكان كـ”حكايا المدن”، كما كتب في أجناس أدبية أخرى مثل كتبه “مرثية وحش” (مسرحية)، “شذى الأمكنة” (أدب رحلات)، “بوح الأربعين” (ما يشبه السيرة)، وثلاث روايات هي “الخشت”، “السيد مرَّ مِن هنا”، و”رحلة أبو زيد العماني”. وقد فازت الأخيرة بجائزة الشارقة للإبداع العربي في الرواية.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات


 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة