كتاب وآراء

عدلي صادق يكتب:

يومان في دبلن

الوقت الأحد 27 مايو 2018 10:33 ص

يقطع شقيقي باسم، جواً، رحلة سفر لثماني ساعات، وصولاً إلى العاصمة الأيرلندية دبلن، للمشاركة في مؤتمر علمي دُعي إليه. فهو أستاذ للكيمياء الدوائية في كلية الطب في جامعة الإمارات. وللأسف، لن تتاح للزائر إقامة لأكثر من يومي عمل.

فالمؤتمر يتزامن مع الامتحانات في الجامعة. ومن ذا الذي بمقدوره أن يفك واحدا من أسرار دبلن، في سويعات محدودات، وهي المدينة التي سطّر عنها الأيرلندي جيمس جويس، في العام 1918 أحد أعظم الكُتّاب المؤسسين للرواية الأوروبية الحديثة ملحمته الروائية الطويلة “يوليسيس” التي استعادت “أوديسة هوميروس” ووازنت أشخاصها بأشخاص سواهم وبفحوى آخر، وأجمع النقاد، على كونها واحدة من أفضل مئة رواية باللغة الإنكليزية في القرن العشرين.

 ومن المفارقات أن جيمس جويس، سخّر روايته كلها، لوصف حركة الناس في يوم دبلني واحد. فقد ظلت مدينته الأثيرة، مصدر وحيه وإلهامه، بل كان حضورها في”يوليسيس” أعظم وأغرب حضور لأي مدينة في أي رواية أوروبية على الإطلاق!

 التطير من التقاليد الكاثوليكية الصارمة التي تكثفت في أسرته، هو الذي اضطر جويس لأن يرحل إلى إيطاليا. لكنه في مهجره الطلياني، ظل شغوفا بوطنه الأم، يدافع عنه ويتأسى على بلاده الرازحة تحت النير الاستعماري.

يستذكر مناضلي أيرلندا وشهدائها، ويُحذر من مغبة الخيانة، ويُحدّث قراءه عن المناضل “بارنيل” الذي غدر به رفاقه على مذبح سقطات أخلاقية ضيقة وشائنة، ويُسهب في وصف آلام وطنه في ظل الهيمنة الإنكليزية.

قبلها كان الكاتب نفسه، قد نشر روايته البديعة “صورة الفنان في شبابه” التي تُرجمت إلى اللغة العربية، فجعل مدينته دبلن الشخصية الرئيسة في العمل الروائي، وتلك جاءت بعد مجموعته القصصية “أهالي دبلن” التي أقلع بها إلى حياته الأدبية!

حتى اليوم، تحافظ دبلن على ملامحها الأولى، إذ رفضت مبضع الجرّاح الذي يشق بطون المدن بالجسور والأنفاق، ويفتح الفجوات في بطونها لفتح الطرق لقطارات تحت الأرض، ويزج بمحطات الركاب في خواصر الشوارع العتيقة، ولو إن ثمن ذلك، كان الزحام وبطء حركة المرور.

اليوم تُختزل المدن بالزيارات القصيرة والانطباعات المقتضبة، لا سيما بعد أن فعلت العولمة فعلها، لكي تتشابه الحواضر بأنموذج “المولات” المتكررة ومراكز التسوّق.

لم يتبق من الملامح الأولى للمدن العتيقة التي اتسعت رقاعها، إلا آثار الغابرين وما كُتب عنها قديما. تضمحل علائم الذكرى وتتبدى الصور الجديدة، ويتبدد ما يستثير الحنين. تتفشى جدران الإسمنت المتلاصقة، التي تبدو من الجو كشواهد قبور مرصوصة!

العرب

التعليقات


 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة