أدب وثقافة

بعد "أزمة الأذان"..

أين يصلّي شيعة مصر؟

الوقت الخميس 12 يوليو 2018 6:00 م
أين يصلّي شيعة مصر؟

اليوم الثامن مسجد الحسين بالقاهرة

اليوم الثامن وكالات

عاصفةٌ من الجدل تسبّب بها الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، بعدما اتهم مؤذن مسجد الحسين بالقاهرة، برفع الأذان الشيعي خلال صلاة الجمعة، ما دفعه لتقديم بيان عاجل في البرلمان لبحث الحدث الذي وصفه بـ"الاختراق الإيراني" للبلاد، الأمر الذي أثار ردود أفعال واسعة، أبرزها من الحكومة المصرية التي نفت رسمياً هذه الواقعة.

النفي الصادر عن الحكومة أكد أن "جميع مساجد مصر تدين بمذهب أهل السنّة والجماعة" ما فتح الباب على مصراعيه للتساؤل حول حقّ الشيعة في أداء الصلاة داخل المساجد بمصر، وحول هامش الحرية الممنوح لهم في التعبّد على طريقتهم التي تخالف في بعض طقوسها مذهب الأغلبية، فطالما أن المساجد سنيّة، أين يصلّي الشيعة؟

أكد الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني والمتحدث بِاسم وزارة الأوقاف استحالة وجود مساجد شيعية في مصر، مشدداً على أنه غير مسموح لهم بعمل طقوسهم أو شعائرهم داخل أي مسجد.

فيما عزا عبد الله رشدي، الإمام السابق لمسجد السيدة نفيسة التابع لوزارة الأوقاف، سبب عدم السماح للشيعة بإقامة مساجدَ للصلاة في مصر إلى أن مذهبهم "بِدْعي" ودخيل على المصريين، وينتشر حالياً بقوة المال، مضيفاً أنه لا يمكن السماح بنشر مذهبٍ يقوم على سبِّ الصحابة والعلماء.

وتؤكد كتب التاريخ السنيَّة أن الشيعة يختلفون عن أهل السنّة في اعتقادهم أن علي ابن عم الرسول كان الأحقَّ بخلافته في إمامة المسلمين بعد وفاته، بدلاً من أبو بكر وعمر اللذين توليا الحُكم من بعده، ومن هنا اتسع الشقاق بينهما ليشمل نواحي فقهية وشرعية متعددة، جعل الشيعة يمثلون صوتاً معارضاً دائماً للأغلبية السنيَّة منذ عهدي الدولتين الأموية والعباسية حتى الآن.

فيما يرى مرجعٌ شيعيٌّ بارز، هو الإمام السيد محمد باقر الصدر في أطروحته عن "نشأة التشيع" أنه الامتداد الطبيعي لرسالة النبي محمد، وأن الضرورة الطبيعية اقتضتْ أن تُسلم الراية من القائد الأول للثاني كي يتواصل النموُّ الثوري للإسلام، وهو ما لم يحدث.

يقول الباحث صالح الورداني في كتابه "الشيعة في مصر" إنه بعد دخول الفاطميين مصر 969م، ظهر مذهب التشيّع فيها، وأُذن في المساجد (حيّ على خير العمل)، وبدتِ الشعارات الشيعية.

فبدؤوا ينشرون مذهبهم بوسائل ذكية، عبر ربطها باحتفالات مبهجة مثل المولد النبوي الشريف وليلة النصف من شعبان وعاشوراء واحتفالات شهر رمضان، واختراع أكلات لا تزال موجودة حتى الآن مثل الكنافة في رمضان، والعاشوراء في مولد عاشوراء.

كما بدأت الجماهير تزحف طواعية إلى مذهب الحُكام الجُدد حتى تحول أنصار مذهب السنّة إلى أقليّةٍ، الأمر الذي تغير بعدما سقطت دولتهم 1171م.

أذان الصلاة يعكس الاختلاف المذهبي، فظهرت منه نسخةٌ شيعيةٌ تضمنت زياداتٍ على أذان أهل السنّة، بإضافة عبارات مثل (أشهد أن علياً ولي الله) و(حيِّ على خير العمل)، علاوة على نطق عبارة (الله أكبر) الافتتاحية 4 مرات بدلاً من اثنتين كما يفعل الآخرون. يزعم الشيعة أن هذه النسخة هي الأصل التي أهملها عمر بن الخطاب عمداً، وأمر المسلمين بعدم اتباعها.

يرفض الدكتور أحمد راسم النفيس، المُفكر الشيعي المصري، تصنيف الأذان وفقاً للمذهب الشيعي أو غيره، معتبراً أن الفروق بينهما ليست كبيرة "الأمر نفسه ينطبق على كيفية أداء الصلاة عندهما، فالاختلافات كامنةٌ في التفاصيل دون الأصول".

مصر هي سبب تشيُّع إيران تاريخياً، حينما كانت دولةً فاطمية، أرسلت الدعاة إلى أنحاء العالم ومنها إيران

وأعرب النفيس عن أمله بوجود مساجدَ شيعية في مصر، مثلما هو حادث بالإمارات "شيعة مصر بيخافوا يروحوا يصلوا في مسجد قلقاً من التضييق عليهم أو تتبعهم"، مؤكداً أنهم يضطرون لإخفاء معتقداتهم والصلاة خلف إمام سنّيّ رغمَ أن بعضهم لا يجيزون ذلك.

وأشار المفكر الشيعي إلى أن سبب تشيُّع إيران تاريخياً هو مصر، حينما كانت دولةً فاطمية، أرسلت الدعاة إلى أنحاء العالم ومنها إيران، مطالباً بضرورة نبذ التعصب والتحريض والتكفير ضدهم، فليس بالضرورة أن يُذهَبَ بفردٍ إلى السجن لمجرد تصريحهِ بأنه شيعي، وتساءلَ عن سبب إغلاق مسجد الحسين كلَّما حلَّت ذكرى عاشوراء خلال الأعوام الـ3 الماضية.

تنسيق أمنيِّ بين السلفيين والأمن للإبلاغ عن الشيعة

وكشف القيادي السابق في حزب النور سامح عبد الحميد، أن السلفيين يرصدون أي فعاليات شيعية ويبلغون الأمن بها، ويتواصلون مع وزارة الأوقاف لمنع أي "غزو فكريٍّ" من الشيعة.

وقال عبد الحميد إن الحكومة والشعب يرفضان الشيعة، مشيراً إلى وجود أفرادٍ معدودين متشيِّعين ويعيشون في عزلة عن المجتمع، ولا يكثرون الظهور بين الناس بسبب ردّ فعل الأهالي عليهم. ويؤكد أنهم "لا يستطيعون الجهر بالصلاة الشيعية، ولا يستخدمون الشقفة أو الحجر الذي يضعه الشيعة عادة تحت جبهتهم خلال الصلاة".

وكشف عبد الحميد عن وجود تنسيق أمنيِّ بين السلفيين والأمن للإبلاغ عن الشيعة، خاصة الذين يقصدون المساجد "يتم الإبلاغ عن الشيعة بطرق كثيرة، منها تحرير محضر في قسم الشرطة، أو الاتصال بالأمن الوطني أو إبلاغ مسؤولي الأوقاف" مؤكداً أن الأمن يتعامل معهم بحزم لكشفِ توجهِهم، واتصالاتهم في الداخل والخارج لمعرفة حقيقة نشاطهم.

في غياب الأرقام الرسمية تتفاوت نسبة الشيعة في مصر، عام 2012 زعم القيادي الشيعي بهاء أنور، أن عددهم بلغ 3 ملايين شخصٍ، يتدنى الرقم بتقرير "الحرية الدينية في العالم" الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2006، معتبراً أن عددهم 1 % من إجمالى عدد السكان، كان يبلغ حينها 74 مليون نسمة، أي 740 ألفاً. 

فيما صرح الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في حوار تليفزيوني عام 2013 أن عددهم يتراوح بين 18 ألفاً و35 ألف شخص.

"فوبيا" الشيعة وسلسلة التمييز ضد الآخر

يقول الشيخ أحمد عبد المنعم، مدير إدارة الأوقاف بمنطقة السيدة زينب، محاولة الشيعةِ رفعَ أذانهم في مسجد أحمد بن طولون من 3 أشهر "بعد الانتهاء من صلاة الظهر، فوجئ العاملون بشخص يقيم الأذان على مذهب الشيعة بألفاظه المعروفة، لكن الشرطة تدخلت وقبضت عليه". ولفتَ إلى وجوبِ قول الأذان كما نزل على النبي، لأن ألفاظه مقيدةٌ بضوابط الوحي، ليس فيها مجال للاجتهاد، لكن الشيعة أدخلوا فيه بعض التحريفات، وهو أمرٌ يعتبرهُ غير مقبولٍ.

وبشأن السماح للشيعة بالتعبُّد في مساجد أهل السنة في مصر بشكل علنيِّ من عدمه، قال مدير إدارة الأوقاف بمنطقة السيدة زينب "المسجد مفتوح لأيّ حد في مصر، أيّ حد بيتجاوز وبيصلي صلاة مختلفة، الناس يمنعوه، الشعب قبل المسؤولين" لذا فإن الشيعة لا يظهرون مذهبهم علانية، حرصاً على حياتهم وعدم تعرضهم للأذى، أما عن طقوسهم فيُفضل ممارستها في بيوتهم بعيداً عن المساجد، بحسب عبد المنعم.

وأشار عبد المنعم إلى أنه فورَ ضبطِ شيعةٍ يصلون في المساجد بطريقةٍ تخالفُ أهل السنة، يُتَخَذ ضدّهم إجراءٌ ويتم القبضُ عليهم، وتحرير محضر شرطة.

وعن سبب عدم تخصيص مساجدَ للشيعة بمصر، أكد عبد المنعم أن الدولة لا تعترف بمذهبهم "وممارسة طقوسهم أمام الناس فتنةٌ تمسُّ نواحي الأمن القومي، ومنعهم لا يُعتبر تضييقاً على الحريات، وإنما وسيلة للحفاظ على كيان الدولة".

من جانبٍ آخرَ، أوضح سالم الصباغ، قياديٌّ شيعيٌّ بارز، أنهم مسالمون، وليس لهم أيّةُ أفكارٍ متطرفة، ومنهم من يشغل مناصب قيادية في الدولة، مطالباً إيَّاها بألَّا تعاملهم بعقلية السلفيين المصابين بفوبيا الشيعة، على حد قوله.

وأكد استنكاره الاتهاماتِ المتتاليةَ لأبناء مذهبه في مصر أن أفراده عملاء وإرهابيون "وفي حال وجود عملاء أو ما شابه فالدولة والأمن والقضاء يعلنون ذلك". ونفى القيادي القبض على إرهابي شيعي واحد في العالم "لكن السجون المصرية مملوءة بالإرهابين من التيار السلفي، فداعش والقاعدة والسلفية الجهادية وأمثالها كلها خرجت من عباءته".

ما يحزن أبناء الشيعة في مصر أن هناك منابر إعلامية تبثُّ سموم الكراهية ضدهم، وبعض المذيعين يثيرون العداء نحوهم عبر الفضائيات

وأمِلَ عودة العلاقات الطبيعية بين مصر وإيران، مشيراً إلى أن الشيعة في مصر ممنوعون من زيارة مراقد أهل البيت في العراق وإيران، رغم وجود خطوط ملاحية بين مصر وإيران، وأن هناك ضوابط صارمة على السفر إلى العراق. واختتم الصباغ بالقول:

"ما يحزن أبناء الشيعة في مصر أن هناك منابر إعلامية تبثُّ سموم الكراهية ضدهم، وبعض المذيعين يثيرون العداء نحوهم عبر الفضائيات، لأن الذي يعادي الشيعة يعادي أيضاً المسيحيين، وبهذا يشن حرباً على كل مخالف له في المذهب".

من جانبه حمّل الباحث الديني أحمد عيد، الدولة الجزء الأكبر من سبب هذه الأزمة، لأنَّ مؤسساتِها تتبنّى الفكر الديني المحافظ لحدٍّ كبير "وتعتبر نفسها وصيةً على معتقد الأغلبية، فتنحاز في لحظات الاختلاف لأناسٍ تنتمي أفكارهم إلى (التعصبّ والإقصاء)، بما يتعارض مع مواد الدستور التي تكفل حرية العقيدة للمصريين بكل وضوح".

وأضاف أنَّ هذه المشكلة تنضمُّ لسلسلة التمييز الذي تمارسه الدولة بحق الآخر، سواء كان قبطياً أو شيعياً أو حتى مسلماً مفطراً في رمضان "لو رغب النظامُ في الترويج للتسامح الديني، فهو قادرٌ على ذلك، عبر مؤسسات الدولة المختلفة، الإعلام أو التعليم أو غيرهما، لكنه لم ولن يفعله، في ظل فكرها الرجعي المحافظ".

 

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات


 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة