حوارات وتحليلات

خطة إيران الجديدة..

تحليل: تأجيج الصراع المذهبي لمواجهة العقوبات الأمريكية

الوقت الأربعاء 17 أكتوبر 2018 4:48 م
تحليل: تأجيج الصراع المذهبي لمواجهة العقوبات الأمريكية

اليوم الثامن أطلقت إيران ستة صواريخ ضدّ مواقع وقواعد تنظيم داعش

شهدت التطورات المرتبطة بالشأن الإيراني ثلاث محطات بارزة، خلال الثلث الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي تمثلت في: العملية التي نفذت ضدّ عرض عسكري للحرس الثوري الإيراني، أقيم في إقليم الأحواز، ثمّ الإعلان عن إفشال محاولة اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، خلال إحدى جولاته بالعراق، في محافظة صلاح الدين (مدينة تكريت)، ذات الأغلبية السنّية.

أما المحطة الثالثة فهي الإعلان عن إطلاق ستة صواريخ إيرانية ضدّ مواقع وقواعدتنظيم داعش "السنّية"، في منطقة البوكمال شرق سوريا، على الحدود مع العراق، "ثأراً لعملية الأحواز"، وأنّ الصواريخ انطلقت من كرمنشاه الإيرانية، وعبرت مناطق تكريت العراقية، وهي في طريقها إلى أهدافها.

ردود الفعل الإيرانية على عملية الأحواز تشير إلى أنّ القيادة الإيرانية ليست بوارد الردّ عسكرياً على الولايات المتحدة

تبدو المحطات الثلاث متصلة ومنفصلة في آن معاً؛ فعملية إطلاق الصواريخ على أهداف لتنظيم داعش على صلة مباشرة بالردّ "الثأر" الإيرانيلعملية الأحواز، التي أسفرت عن مقتل حوالي ثلاثين ضابطاً وجندياً من الحرس الثوري الإيراني، فيما الإعلان عن إفشال محاولة اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، تبدو معزولة عن عملية الأحواز والردّ الصاروخي عليها.

أطلقت إيران ستة صواريخ ضدّ مواقع وقواعد تنظيم داعش "ثأراً لعملية الأحواز"
ومع ذلك؛ فإنّ المحطات الثلاث تخفي قاسماً مشتركاً بينها، في سياقات إعادة إنتاج وتحديد قواعد الصراع في المنطقة بالنسبة إلى إيران، على أسس مذهبية "شيعيّ سنيّ"؛ حيث العدو في هذه المحطات "سنّي"، سواء في عملية الأحواز، من قبل انفصاليين عرب سنّة مدعومين من السعودية والإمارات، على حد تصريحات إيرانية، أو في محاولة اغتيال قاسم سليماني في منطقة تكريت، مسقط رأس صدام حسين، التي أشار الإعلام الإيراني إلى مرور الصواريخ الإيرانية من أجوائها، قبل وصولها إلى قواعد داعش "السنّية" شرق سوريا.

المحطات الثلاث محطّ شكوك أمنية عميقة في أوساط كثير من المحللين؛ إذ إنّه -وفق مخرجات الإعلام والتهديدات الإيرانية للقيادتين العسكرية والسياسية- كان يفترض أن تكون ساحات الردّ الإيراني ضدّ المعارضة السنّية الإيرانية في إقليم الأحواز، وحتى مناطق شرق إيران "بلوشستان"، ومناطق الأكراد شمال غرب إيران (كلّها مناطق ذات أغلبية سنّية)، وأن توجه الصواريخ الإيرانية إلى أهداف في دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، باعتبارهما الدولتين المسؤولتين عن عملية "المنصة"، التي استهدفت الحرس الثوري الإيراني، وفق تصريحات إيرانية، خاصة أنّ القيادة الإيرانية تجاهلت إعلان تنظيم داعش، المعزَّز بـ "شريط فيديو" يؤكد مسؤوليته عن العملية، فيما جاء توقيت الإعلان عن إفشال محاولة اغتيال سليماني في منطقة سنّية داخل العراق (تكريت)، ومن قبل فصائل سنّية مدعومة من السعودية، والإعلان عن اعتبار ضباط الاستخبارات السعودية الذين يعملون في العراق أهدافاً مشروعة لإيران، تحديداً في غرب العراق (الأنبار)، إضافة إلى إعلان استهداف داعش عبر ضربة صاروخية، ليؤكد تلك الإستراتيجية الإيرانية.

إنّ ردود الفعل الإيرانية على عملية الأحواز، ومفردات القاموس الذي استخدمته في تهيئة الردّ على العملية، تشير إلى أنّ القيادة الإيرانية ليست بوارد الردّ عسكرياً على الولايات المتحدة وقواعدها المنتشرة في المنطقة، ولا حتى إمكانية شنّ أيّ هجوم على إسرائيل، رغم غاراتها المتكررة والمعلنة ضدّ القواعد والميليشيات الإيرانية في سوريا؛ لأنها تدرك حجم ونوعية ردّ الفعل الأمريكي على أيّة ضربة يمكن أن توجهها إيران لأية أهداف أمريكية أو إسرائيلية، بما في ذلك القواعد والجنود الأمريكيين في العراق.

إنّ القيادة الإيرانية تدرك أنّ الغرف "المغلقة" لصناعة القرار في الولايات المتحدة، رغم الإعلانات المتكررة عن أنّها لا تهدف من العقوبات على إيران، إلا تعديل سلوكها في المنطقة، فيما يتعلق ببرنامجها النووي والصاروخي، وتدخلاتها في دول المنطقة ومسؤوليتها ودورها في دعم الإرهاب، إلا أنها (أي الولايات المتحدة) تعمل وفق سيناريو إسقاط النظام الإيراني من الداخل، عبر انتفاضة شعبية مرتبطة باحتجاجات إيرانية لعدم قدرة الشعب الإيراني على تحمّل تداعيات العقوبات، سواء بانخفاض قيمة العملة الإيرانية (حيث وصل سعر الدولار الأمريكي إلى 170 ألف ريال إيراني)، إضافة إلى ارتفاع نسب التضخم والأسعار.

لقد تم التعبير عن رفض نهج القيادة الإيرانية، على الصعيدين؛ الداخلي والخارجي، بمظاهرات بدأت منذ أواخر العام 2017، وطرحت شعارات ضدّ تيارَي المتشددين والإصلاحيين في إيران: "الموت لخامنئي" و"الموت لروحاني"، وشعارات تطالب بالانسحاب من سوريا والعراق، ووقف تمويل ودعم حزب الله وحماس، وتجددت الاحتجاجات في غالبية المحافظات الإيرانية ومن قطاعات مختلفة "تجار ومهنيين وحرفيين".


لقد أظهرت الاحتجاجات في إيران، خاصة في المناطق المحسوبة تاريخياً على قيادة الثورة الإسلامية، من أتباع المذهب الشيعي في إيران، حجم الخطر الذي يواجهه النظام الإيراني، في كونه سلطة دينية لأتباع المذهب الشيعي، وازدادت مظاهر هذا الخطر بعد التحولات التي شهدها العراق، خلال الانتخابات العراقية، التي فشل الموالون لإيران في تحقيق الأغلبية فيها: "نوري المالكي، وهادي العامري، زعيم الحشد الشعبي العراقي"، وتعززت بانتقال شرارتها الى أوساط "شيعية" عراقية، في محافظات الجنوب، خاصة النجف والبصرة، وهي المحسوبة مذهبياً على إيران.

تطورات الثلث الأخير من سبتمبر الماضي تؤكد أنّ إستراتيجية القيادة الإيرانية تقوم على تأجيج الصراع  المذهبي في المنطقة

إنّ تطورات الثلث الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، تؤكد أنّ إستراتيجية القيادة الإيرانية، تقوم على تأجيج الصراع في المنطقة على أسس مذهبية (شيعة وسنّة)، وأنّ "بكاء" زعيم حزب الله، حسن نصرالله، خلال احتفالات الحزب مؤخراً، في يوم عاشوراء، لم تكن خارج هذه الإستراتيجية، التي يرجَّح أن تشكّل أبرز محاور الخيارات الإيرانية للردّ على تداعيات العقوبات الأمريكية، والحيلولة دون "ثورة" شعبية تطيح بالنظام الإيراني، خاصة مع تنفيذ الحزمة الثانية من العقوبات، التي سيبدأ تطبيقها مطلع الشهر المقبل، وجوهرها وقف صادرات النفط الإيراني، البالغة حوالي 2.5 برميل يومياً، تعهدت المملكة العربية السعودية بتعويضها في سوق النفط العالمية، بما يجعل أسعار النفط العالمية مقبولة للمستهلكين والمنتجين، وهو ما يعني فقدان إيران أهمّ مورد مالي لها حالياً، حتى قبل تطبيق عقوبات ما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، في أيار (مايو) من هذا العام.

من غير الواضح احتمالات نجاح أو فشل الإستراتيجية الإيرانية الجديدة، إلا أنّ المرجح أنها تحتاج إلى عمليات نوعية ومؤثرة ضدّ أتباع المذهب الشيعي في مختلف المناطق، وهو ما يتطلب "تسهيل" مهمة داعش، الجاهز للقيام بهذا النوع من العمليات، ومن المرجح أيضاً أن يكون "شيعة" العراق وأفغانستان، الأكثر عرضة لمثل هذه العمليات، إضافة إلى الشيعة من مواطني دول الخليج، خاصة في السعودية والبحرين والكويت، ويبدو أنّ العلاقات "السرية" بين القيادة الإيرانية، التي أكدتها أوساط أمنية وبحثية، عربية وغربية، ستسهل على القيادة الإيرانية تنفيذ هذا السيناريو.

تأجيج الصراع المذهبي في المنطقة، وفق الخطة الإيرانية، إضافة إلى كونه يعكس فقدان القيادة الإيرانية لخيارات جادة لمواجهة العقوبات الأمريكية، والإصرار على إنكار أنّ أسباب الأزمات الإيرانية هو سلوك القيادة الإيرانية، فإنّه -في الوقت عينه- يتطلب من المستويات السياسية والأمنية في الإقليم، التنبّه للخطط الإيرانية، والاستعداد للتعامل معها، سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإعلامياً.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة