فجر 23 من مايو/أيار 2017، نُشرت عدة تصريحات منسوبة للأمير القطري، يدعو فيها إلى التصالح مع طهران، ويتحامل فيها على بعض الدول الخليجية، لكن سُرعان ما خرجت الحكومة القطرية بنفي هذه التصريحات، وادعت حدوث قرصنة إلكترونية أصابت وكالة أنبائها وقناتها التلفازية الرسميتين.

وتوالت الأحداث، إلى أن تم في 5 من يونيو/حزيران 2017، إعلان الإمارات العربية المُتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين والجمهورية المصرية العربية، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وصعدت بإغلاق المجالات الجوية والبرية والبحرية مع قطر، سعيًا لإجبار الحكومة القطرية للانصياع إلى تنفيذ 12 مطلبًا ـ أصبحوا 8 مطالب فيما بعد ـ ترى الدول المُقاطعة أو المُحاصرة تنفيذها ضرورةً لإعادة المياه لمجاريها.

وعندما جاءت هذه الإجراءات عقب قمة الرياض، ظُنّ أن الدول المُقاطعة خمّنت احتمال مساندة واشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب للخطوات التي قامت بها، لكن الرياح لم تجرٍ كما اشتهت أنفسهم. 

ومع إبداء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إعجابه بمتانة الاقتصاد القطري، على هامش مؤتمر "دافوس الصحراء" في الرياض، ومع إشارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة استقرار الدول الخليجية، بما يتضمن قطر، بدأت الأنظار تتجه لترقب حدوث انفراجة خليجية ـ خليجية في الوقت القريب، وإن كان سيناريو حدوث هذه الانفراجة في وقتٍ قريب صعب، فما العوامل التي تدفع لانفراج الأزمة؟ 

1ـ مواتية التوقيت

بدخول الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي القنصلية السعودية في إسطنبول، وعدم خروجه منها حيًا، دخلت التوازانات الإقليمية الخاصة بالمنطقة في أتون مرحلة جديدة، توازنات بدأت تميل لصالح التحالف القطري ـ التركي على حساب التحالف الإماراتي ـ السعودي ـ القطري ـ المصري، بواعث هذا التحول تكمن، على الأرجح، في العوامل التالية:

أـ نشوء ميزان قوى يحدد رابح وخاسر

لقد ظهر بعد أزمة مقتل خاشقجي، ميزان قوى يحدد رابحين وخاسرين باعتبارات جديدة، ولعل الخاسر الأكبر هي السعودية التي تمت حادثة مقتل خاشقجي في قنصليتها، أما الرابح الأكبر الذي يحاول عبر سلاح الضغط الإعلامي الدبلوماسي تضييق هامش المناورة على السعودية، هي تركيا.

وأصبحت السعودية خاسرة، نتيجة تدافع عدة عوامل، أهمها:

ـ الضغط الإعلامي والدبلوماسي الصادم للحكومة السعودية التي خمنت، في الغالب، إمكان الخروج من الأزمة عبر التواصل مع شخص جاريد كوري كوشنر، صهر الرئيس ترامب، لكن يبدو أنها لم تكن على دراية بأن الحادثة تُعدّ سابقة من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي على حدٍ سواء، ما حدا واشنطن التي يحكمها شخص يقتنص الصفقات الأكثر ربحًا، التي تعرضت لضغوطات من داخل المؤسسات الداخلية والمُنظمات العالمية والحلفاء الأوروبيين، من أجل عدم تسوية الأزمة من خلال صفقة تخفيض أسعار النفط، وزيادة عقود شراء الأسلحة بأسعار خيالية. 

ـ ضغط اقتصادي: تجلى في غياب أكبر الشركات العالمية عن مؤتمر "دافوس الصحراء"، وإقدام أصحاب الأموال الساخنة على سحب أموالهم من البورصة، مخافة امتداد ظل الأزمة لمقاطعة أو حصار سياسي واقتصادي وعسكري يطال المملكة، بالإضافة إلى تضاؤل أسعار النفط، على الأرجح بضغطٍ أمريكي.

ـ وجود خلاف في وجهات النظر الأوروبية الأمريكية: لعل انزعاج عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من ميول ولي العهد محمد بن سلمان لوضع كل بيض توجهه الدبلوماسي والاقتصادي والأمني في السلة الأمريكية، دون تنسيق موسع معها، دفعها لاختيار السبيل للضغط على الرياض، لاستخدام الحادثة كورقة ابتزازية تدفعه لإعادة صياغة ميزان القوى بما يخدم مصالحها، ومن ناحية ثانوية، بسبب المعايير القانونية الإنسانية لهذه الدول التي قد تتعرض لضغطٍ من شعبها ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة فيها، بالإضافة إلى توجهها لدعم أنقرة، في الوقت الحاليّ، من أجل صياغة تسوية تخدم مصالحها قدر الإمكان في سوريا.

الأمور التي من المُتوقع أن تطالب أنقرة بها كمكاسب تظفر بها نتيجة حادثة خاشقجي هي: تنسيق أوسع بينها وواشنطن والرياض في المنطقة الشمالة الشرقية لسوريا؛ حيث سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، واستثنائها من العقوبات المُفروضة على إيران، وإنهاء مقاطعة قطر، وبعض الاستثمارات الاقتصادية. ويبدو أن جميع الأمور المكاسب، باستثناء مكسب رفع الحصار عن قطر، قد تحققت

ـ غياب الدبلوماسية السعودية عن التعاون بفاعلية مع تركيا والمنظمات الدولية ذات العلاقة، في احتواء الأزمة؛ الأمر الذي جعل الميدان مُباحًا مُتاحا أمام أنقرة للمناورة بالشكل الذي ترغب فيه، لصناعة رأي عام دولي مضاد للروايات السعودية.

ـ غياب دور الإعلام السعودي الفاعل في توجيه الرأي العام بما يخدم المصلحة السعودية.

ب ـ ركون أنقرة لتوظيف مكاسبها في خدمة مصالحها وحليفها القطري

لعل الأمور التي كان من المُتوقع أن تطالب أنقرة بها كمكاسب تظفر بها نتيجة حادثة خاشقجي، تنسيق أوسع بينها وواشنطن والرياض في المنطقة الشمالة الشرقية لسوريا؛ حيث سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، واستثنائها من العقوبات المُفروضة على إيران، وإنهاء مقاطعة قطر، وبعض الاستثمارات الاقتصادية، ويبدو أن جميع المكاسب، باستثناء مكسب رفع الحصار عن قطر، قد تحققت، لكن انطلاقًا من الضغوطات الدولية والتركية المسرودة أعلاه، يبدو أن تحقق هذا المكسب بات قريبًا. 

وفي إطار الحديث عن المكاسب، قد تميل أنقرة للضغط  في اتجاه تغيير محمد بن سلمان أو دفعه نحو التنسيق بشكلٍ أكبر وأوسع وأفضل معها، انطلاقًا من سعيّها للحفاظ على مركزية المملكة العربية السعودية، لأن أي فراغ في هذه المركزية، سيصب في صالح إيران و"إسرائيل" والإمارات، وهذا ما لا ترغب فيه تركيا.

2ـ إخفاق المُقاطعة أو الحصار في إحراز ما يرنو إليه

أخفقت دول الحصار في تحقيق ما تصبو إليه، نتيجة عدة عوامل، أهمها:

ـ الابتعاد عن اتباع إستراتيجية الأمننة الهيكلية: ويبدو أن هذا العامل هو العامل الأهم والأساسي في إخفاقها، فلم يتم تحديد قطر على الساحتين الداخلية والدولية على أنها تُشكل تهديدًا أو خطرًا على المصالح المُشتركة، ومن ثم الاتجاه نحو تأسيس تحرك إقليمي أمني سياسي مُشترك ضد هذا الخطر، بل تم إعلان المُقاطعة أو الحصار بين يوم وليلة؛ الأمر الذي جعل قرار دول الحصار غير مُقنع وغير مُدرج ليصل لقرار حصار الذي كان يحتاج لشرعنة مُسبقة، انعدمت في تحرك الدول الخليجية.

ـ الصدام بين المؤسسات الأمريكية: تجلى هذا الصدام في دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في البداية، موقف الدول المُحاصرة، لكن أعلنت وزارتا الدفاع والخارجية انتقاضهما لهذه الخطوة، وأكّدتا عدم التخلي عن التعاون مع قطر. 

خالفت دول الخليج الفصل السادس من قانون الأمم المُتحدة المُتعلق بالنزاعات، الذي يقضي بضرورة حل النزاعات بين الأطراف بالمفاوضات والتحقيق والتوفيق قبل اتخاذ إجراءات عدوانية

ـ الهوية المُشوهة لدول الخليج: تتسم هوية دول الخليج بالسيئة السُمعة حول العالم، فهذه الدول يضرب بها المثل في خنق الحريات وعدم احترام الآراء وتمويل الإرهاب وارتكاب الجرائم الإنسانية وفقدانها للهوية المؤسساتية العقلانية، لذا عندما استندت في خطوتها ضد قطر إلى التذرع بدعمها للإرهاب! تساءل الجميع؛ كيف تتذرع هذه الدول بمعاقبتها لدولة أخرى تتدعم الإرهاب؟ وإن لم يكن هذا التساؤل فاعلًا، تفقد هذه الدول ثقة العالم في تحركاتها الأمنية والسياسية.

ـ مخالفة القانون الدولي: خالفت دول الخليج الفصل السادس من قانون الأمم المُتحدة المُتعلق بالنزاعات، الذي يقضي بضرورة حل النزاعات بين الأطراف بالمفاوضات والتحقيق والتوفيق قبل اتخاذ إجراءات عدوانية، أيضًا، خالفت الفصل السابع المُتعلق بالإجراءات التي يتم اتخاذها في حالات تهديد السلم ووقوع العدوان، الذي يقضي بضرورة الرجوع إلى مجلس الأمن ليبت في طبيعة الادعاء عن وجود تهديد أو خطر معين، وغيرها من المخالفات الأخرى المُتعلقة باتفاقيات جنيف لحقوق الإنسان؛ الأمر الذي دفع بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف غير متناغم مع رغبات الدول الخليجية.

أبدت تركيا تحركًا عاجلًا معتمدًا على إرادة سياسية صلبة انبثقت عن تخوفها من ميل قطر للتعاون مع إيران أو رضوخها لعدد من مطالب الدول الخليجية، وحرصًا على سعيها للحفاظ على وجود القطب التركي ـ القطري مقابل القطب الإماراتي ـ السعودي

ـ الدبلوماسية العامة الناجحة: وقد عكست هذه الدبلوماسية قطر التي ركنت إلى أساليب القوة الناعمة كوسائل الإعلام والاستثمارات الاقتصادية المُنتشرة حول العالم، وغيرها من الوسائل التي جذبت الرأي العام الحكومي والشعبي نحو روايته.

ـ التوازنات الدولية: أبدت تركيا تحركًا عاجلًا معتمدًا على إرادة سياسية صلبة انبثقت عن تخوفها من ميل قطر للتعاون مع إيران أو رضوخها لعدد من مطالب الدول الخليجية، وحرصًا على سعيها للحفاظ على وجود القطب التركي ـ القطري مقابل القطب الإماراتي ـ السعودي المنافس لها على صعيد إقليمي، تحركت على نحو السرعة، أيضًا، كان لفرنسا وألمانيا حسابات صبت في صالح قطر إيجابيًا، ولعل امتلاك قطر لخيوط أغلب الجهات المُتصارعة والمُتنازعة في المنطقة، ما دفع ألمانيا وفرنسا لمساندتها.

في الختام، تغيّر التوزانات الإقليمية أضحى أمر شبه أكيد بعد اغتيال خاشقجي في القنصلية، بصورةٍ لا تنسجم مع قواعد القانون الدولي التي تُوجب احتضان التمثيليات الدبلوماسية لمواطنيها، وليس قتلهم، وعليه، فيبدو أن تركيا قد تستغل هذا الاختراق لقواعد القانون الدولي الحاصل على أراضيها، في إطار سعيها لتخفيف أو رفع الحصار عن قطر، ولما لا، وهناك عدة عوامل تُساعدهم في إتمام ذلك.