أدب وثقافة

ثورة اقتلعت الظلاميين..

هل أصبح المشهد الروائي السوداني يعج بالتجارب العميقة؟

الوقت السبت 25 مايو 2019 11:54 م
هل أصبح المشهد الروائي السوداني يعج بالتجارب العميقة؟

اليوم الثامن ثورة اقتلعت الظلاميين

اليوم الثامن لندن

يتمتع الأكاديمي والناقد السوداني مصطفى الصاوي بحضور لافت في المشهد الثقافي والنقدي حيث يدرس النقد في الجامعات، ويشارك بفاعلية في حراك الندوات والفعاليات الثقافية والأدبية، متتبعا المشهد الإبداعي الروائي والقصصي والمسرحي والموسيقى، ولا يبخل بنقده البناء وعلمه على أحد، درس الموسيقى والفلكلور ونال درجة الدكتوراه عن أطروحته حول السير والمذكرات في الأدب السوداني من منظور النقد الأدبي. في هذا الحوار معه نتعرف على الكثير من جوانب المشهدين الثقافي والإبداعي في السودان.

بداية وحول أطروحته “السير والمذكرات في الأدب السوداني” قال الصاوي إنه استرعى انتباهه تراكم السير والمذكرات في المشهد الإبداعي السردي إضافة إلى نصوص سيرية رائدة مثل سيرة محمود القباني وبابكر بدري، واهتمام واسع بتراجم الشخصيات، وكذلك سير غيرية، ذلكم التراكم امتد واتسع بل وتشعب لذا كان لا بد من النظر إليه كجنس أدبي يتقاطع مع العديد من الأجناس الأدبية، والسؤال عن أشكاله وخصائصه الجمالية يضيف هذا التراكم وفقا لمحمولاته، وأخيرا ربط نصوص الدراسة بعوامل إنتاجها وتلقيها.

ومن ثم يقول الصاوي كانت أطروحتي التي خلصت فيها إلى إن النزوع إلى كتابة السير والمذكرات في السودان في الظروف الثقافية والتاريخية التي أدت إلى نمو الوعي بالذات، ما مهد إلى ظهور نصوص سيرية في الربع الأول من القرن العشرين أفرزت مذكرات سياسية، وسير غيرية، وعبر التراكم من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التجنيس رسخت هذه النصوص في المشهد الثقافي الإبداعي على اختلاف أنماطها، وهربت أغلبها من السرد السيري الشفيف والبوح إلى التعويل على الإنجاز؛ “كفاح جيل” “قدر جيل” “ذكريات جيل” لكل من أحمد خير المحامي ويوسف بدري وحامد ضو البيت.

وقد انكمشت مساحات السرد الذاتي الحميم كما في “الأيام” لطه حسين بل سعت في تدوين ذواتها إلى البوح الخجول، وغابت الطفولة، ومرحلة المراهقة وباستثناء الشيخ بابكر بدري رائد تعليم البنات في السودان وهو من النخب، فقد مالت تجارب الكتاب إلى إبراء الذمة، والتبرير، والتعويل على الإنجازات، وتراجعت دخيلة ذواتهم بل غابت بنيتهم الأسرية.

ولعل مرد هذا يكمن في تأثيرات ثقافية. يقول المثل السوداني “شكار نفسو إبليس” و”السترة والفضحية مُتباريات” ما ألقى بثقله على عنصر البوح، ومواجهة الذات بل والاعتراف، وبالتالي تراجعت الصدقية، والمصداقية عبر الحذف، والصمت والانتقاء. الأنا ليست بغيضة ولكن ثمة عاملا دينيا يلجم من كتب، فالاعتراف يرتبط عندهم بالمجاهرة بالمعاصي إذن فقد كُبحت المادة الاعترافية لديهم بسبب العامل الديني، وسيادة ثقافة الستر وعدم التصريح، والتعري النفسي وارتباطه بمفهوم الفضيحة إضافة إلى دور الرقابة والرقابة الذاتية لذلك فهي بعيدة “أي السير والمذكرات” عن نظيرتها الغربية.

المشهد الروائي
وأكد الصاوي أن الرواية السودانية معروفة في المحيط العربي ودونك عبدالعزيز بركة ساكن وحمور زيادة، وأمير تاج السر وإشراقة مصطفى، ومنصور الصويم وعلي الرفاعي، فجلهم شاركوا في مؤتمرات السرد الروائي، وأعمالهم منشورة خارج السودان، وداخله وربما تقود الإجابة هذه إلى سؤال طرحته عن التواصل الإبداعي والثقافي والذي بات سهلا وميسورا، فالثورة الرقمية اخترقت كافة الحجب والسدود، أضف إلى ذلك ضرورة توثيق الصلات بين الجامعات العربية- كليات الآداب، والمراكز الثقافية وأندية السرد مما يخلق المزيد من التفاعل وتبادل الزيارات بين كُتاب الرواية والنقاد في الأقطار العربية للمزيد من التواصل، إذن ما المشاكل التي تحول دون التواصل؟ هذا هو السؤال إذا تجاوزنا التواصل الرسمي الحكومي وهو غير كافٍ، يبقى تواصل الكُتاب وأهل الإبداع كمؤسسات أهلية وحرة ومستقلة، والأخيرة ذاتها منقسمة طبقا للموقع الأيديولوجي، والصداقات الشخصية، إلخ. وهي عيوب الشخصية العربية في المشهد الروائي في السودان.

يرى الناقد الصاوي أن الثورة الرقمية أتاحت مجلات إلكترونية متعددة في السودان والمهجر، وازدهرت فيها المُتابعات الرصينة للسرد الروائي، والتعريف بأعلامه

ويرى الناقد أن هذا المشهد متسع وبه تحولات عميقة، عقب التأسيس والريادة (ملكة الدار محمد وخليل الحاج وأبوبكر خالد)، انبثقت حركة روائية ارتادت آفاق الحداثة، من هؤلاء الطيب صالح إذ ارتكزت نصوصه على إطار زماني معقد، وتميزت بصعوبة الفصل بين شخصيتي الراوي ومصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال، واستمر مسار التحولات فظهرت روايات أحمد حمد الملك منها “الفرقة الموسيقية” و”إذ أيام الخريف” ونصوص أخرى، وإبراهيم بشير الذي مزج في روايته التراب والرحيل بين الواقع والأسطورة والمحاكاة الساخرة.

وتواترت الإسهامات الباذخة وظهر في سني التسعينات أمير تاج السر، وعبدالعزيز بركة ساكن والأخير ارتكز على أساليب: المسخ، والفانتازيا وتوظيف الأحلام وارتاد آفاق الواقعية السحرية في الطواحين، والواقعية العارية؛ واقعية القاع في الجنقو مسامير الأرض، والرجل الخراب، وفي ذات الصدد تمكن الإشارة إلى منصور الصويم الذي حقق حضورا لافتا منذ نصه الثاني ذاكرة شرير والتي أولت اهتمامها لأطفال الرصيف “المشردين” وعوالمهم في الهامش وصولا إلى آخر نصوصه مثل: أشباح فرنساوي وعربة الأموات، حيث صاغها في قالب فني يمتح من الفانتازيا ويتداخل مع الواقع.

الرواية النسوية
وأشار الصاوي إلى أن داخل هذا المشهد الواسع، المتسع، والذي يعج بالتجارب الروائية برزت نصوص نسوية: بثينة خضر مكي، وزينب بليل وأخريات سعين في متخيلهن الروائي إلى تأسيس النص النسوي السوداني وأفرزت نصوصهن أسئلة عديدة هيمنت على تلك النصوص ذات الأنثى وفيها اخترقت الكاتبات- وتجاوزن التابو الاجتماعي وتماهت نصوصهن مع مفهوم النسوية، ما انعكس على البناء الفني للنصوص: سيادة ضمير المتكلمة، تفوق الشخصيات النسوية على الذكور “كميا ونوعيا”، علو النبرة الخطابية وبإيجاز يتضح للقارئ سؤال الخصوصية والاختلاف كما احتفت بجسد المرأة المقهور “ختان”، وأبرزت قلق النوع “لا أجد مخرجا من ورطتي فيك، ولا أنا قادرة على العيش معك ولا أنا قادرة على الموت دونك”.

مما يسترعى الانتباه في تلك النصوص استخدام لغة النساء كما تعرف في علم اللغة الاجتماعي في محاولة منهن لتأنيث اللغة وأهم ملمح فيها: استبطان الوجع الأنثوي داخلها، وتجاوز الأنا النسوية إلى الأنا الجماعية وفضح ممارسات السلطة الذكورية، وظلت أقلام راسخة داخل هذا المشهد، مثل إبراهيم إسحاق في رواياته: “حدث في القرية”، و”أخبار الليل والبلدة”، و”أخبار البنت ميكايا”، و”مهرجان المدرسة القديمة”، و”وبال في كلميندو”، وما ميز رواياته إضافة لتشكيلاتها الفنية سؤال الهوية ومتح من عامة دارفور وقدم شخصياتها وتقاليدها وأعرافها بل رؤيتها للكون، فكان صوتا مميزا ضمن هذا المشهد.

ومن مجايله والقاص والروائي عيسى الحلو وضمن عالمه الروائي تلمح: تيار الوعي وتعدد الأصوات، والسرد اللولبي سرد تتكرر فيه العودة إلى الماضي ثم المستقبل والماضي وهي روايات مُغايرة، ومختلفة ومن وجهة نظر أخرى يلاحظ العلاقات الجدلية بين نصوصه الروائية وقصصه القصيرة، وما يؤشر إلى الانفصال في عوالمه القصصية الروائية تلك النصوص ذات الخصوصية في مجرى الإبداع الروائي السوداني لما حفلت به من تعدد أصوات، وتوظيف ذكي للتفاعل النصي، وتقطيع السرد، وزمانها المعقد وشخصياتها المغايرة ودونك عجوز فوق الأرجوحة، وصباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل. وبرزت في هذا المشهد نصوص روائية عرفت بكتابات المنفى وهي روايات كتبت عن الوطن خارج الوطن في سياق ثقافي مختلف فالكاتب يقيم في مكان، ويتذكر الواقع، ويتخيله في مكان آخر.


ومن هؤلاء الكُّتاب طارق الطيب في “مدن بلا نخيل” وإبراهيم سلوم، وخالد عويس، وعماد براكة، وإشراقة مصطفى التي كتبت سيرة روائية، لاحظ عناوين النصوص “وطن خلف القضبان”، “الأسرار”، “عطر نسائي”، والشاهد أنه منهم من كتب باللغة الإنكليزية مثل جمال محجوب، وليلى أبوالعلا، وباتت هجرة لسان أيضا.

ولفت الناقد الصاوي إلى أن الملامح العامة لتلك النصوص خصوصا التي كتبت خارج المكان السوداني تميزت بـ: أولا، للمكان الصدارة في نصوص المتن إذ أنه منشئ ولولا مكان النفي ما كان القص. ثانيا، قص المنفى في جوهره قص عن المكان لأن المنفى علاقة بين مكانين وطن خاص ووطن آخر يلوذ إليه المنفي.

ثالثا، شخصيات نصوص رواية المنفى منقسمة بين المنفى والوطن، والتفاعل بين شخصيات سودانية وأخرى أجنبية. رابعا، احتلت الذكرى، والتذكر، والحنين مساحات شاسعة في النصوص.

خامسا، مثلما تبحث رواية المنفى عن الحرية، واليقين الروحي فإنها تنغمس وبدرجات مختلفة في صراع الهوية وتحاول خلخلة الخطاب الأوروبي المركزي، والصورة النمطية للآخر العربي، والمسلم على اختلاف تلك الروايات.

جل النصوص تكررت فيها: جدلية الآنا/ الآخر/ نحن وهم/ “نحن نحرص على العذرية والعفة”.. شكلت النصوص تغريبة سودانية وأفرزت روايات صبت في مجرى الإبداع وصولا إلى روايات البحر أو التوابيت كما عند سوزان كاشف “التابوت” وعاطف الحاج السيد “عاصف يا بحر” وعماد براكة في تأشيرة خروج. ولقد اعترف الصاوي بصعوبة تقديم صورة كاملة ومتكاملة عن المشهد الروائي بالسودان وهذه فقط بعض ملامح ذلك المشهد، لكنه تجاوز بالتراكم الكمي، ثم الكيفي، والتحولات النوعية مراحل التأسيس وصولا إلى تبوّئه مكانة مهمة في المشهد العربي والعالمي لمجموعة من كتابه.

غياب النقد والمجلات
ورأى الصاوي أن أهم ما يمكن إيجازه في المشهد النقدي والذي حاول بما استطاع من جهد وفي ظل غياب حركة نشر فاعل ومجلات نقدية دائمة الصدور وغياب الحريات العامة أن يلقي حجرا في بركة ساكنة أبرز مشهدا، وسم بالتالي: ضعف الصلة بين المراحل النقدية وقد أثر ذلك سلبا على عملية التراكم النقدي؛ خفوت صوت النقد الأكاديمي وعدم وصول صوته خارج أسوار الجامعات. سيادة النقد الصحافي السريع: عرض الروايات في إشارات سريعة وغير منهجية؛ غياب الحوار النقدي الخلاق، وعدم قبول وتقبل الآخر، وسيادة ثقافة الإقصاء والتهميش، التي تسللت إلى المجال النقدي. غياب الجهود الجماعية في ظل وجود جهود فردية قليلة أثرها خافت؛ الاتكاء على المناهج الغربية، وتطبيقها تطبيقا آليا دون العمل على معرفة طبيعتها، وخلفياتها الفكرية، أو محاولة استنباتها طبقا للواقع السوداني وهذا لا يعني الانغلاق.

غياب المجلات المتخصصة، والتي تصدر يهيمن عليها حراس السلطة، لقد اغتالت القوى الظلامية البائدة مجلة الخرطوم، لاحظ شعارها “للثقافتين العربية والأفريقية” وهيمنت على مجلة “وازا” مجلة الفولكلور السوداني.

حراك ثقافي
أخيرا يرى الناقد الصاوي أن الثورة الرقمية أتاحت مجلات إلكترونية متعددة في السودان والمهجر، وازدهرت فيها المُتابعات الرصينة للسرد الروائي، والتعريف بأعلامه، بل دخلت في شراكات وتشبيك مع مواقع مغربية وجزائرية واعتقد الصاوي جازما أن الحراك النقدي للمشهد الروائي يمضي إلى الأمام وبخطى واثقة في تلك المنصات. إضافة إلى جهود مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وجائزته: جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وما يتصل بها من مؤتمرات نقدية تعالج الرواية السودانية.

أما الحراك الثقافي العام فهو في ازدهار وارتبط بما يدور الآن في الخرطوم من ثورة اقتلعت الظلاميين وظهرت الإبداعات من فنون تشكيلية في ميدان الاعتصام: لوحات للشهداء، وشعارات الثورة، بل وتوثيق بصري للهتافات، إضافة إلى أن السينما البديلة ظلت منذ بداية الانقلاب على الديمقراطية تعمل إنتاجا وإخراجا وأفلاما وثائقية وخاصة في مناطق النزاعات والتهجير القسري، وقهر المرأة. ويعود الفضل لجماعة الفيلم السوداني ونشاطها في ناديها بالمدينة المركز “مدينة أم درمان”.

على الأقل يمكن القول إن الحراك الثقافي في مختلف تجلياته ماثل الآن، كما كان ماثلا في سنوات الجمر عبر الأندية الثقافية، واتحاد الكتّاب الحر، واتحادات الشباب، وجماعات التشكيليين، وجماعة دراسة الفولكلور، والإبداعات المادية والمعنوية والتي تبدت في الميدان من رقصات شعبية، وقيم النفير والتكافل، وظهور الأزياء الشعبية “الثوب السوداني” كما وضح لدى آلاء صلاح أيقونة الثورة والأناشيد الثورية، كأشعار الراحلين محجوب شريف ومحمد سالم حميد، والقدلال، وأزهري محمد علي.

عودة على بدء، الحراك النقدي بخير، ونحن نستلهم الآن الثقافة السودانية بكل ما تحمل من قيم الانتماء، واحترام التعدد العرقي، ورؤية مجموعاته للكون، وتظل الرواية منذ تأسيسها وحتى الآن مجلسا صادقا وأمينا لمفهوم السودانوية.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة