حوارات وتحليلات

"اليوم الثامن" تقدم قراءة استراتيجية واشنطن اتجاه طهران..

تحليل: "أمريكا وترامب".. سياسية احتواء الأزمة النووية الإيرانية

الوقت الجمعة 02 أغسطس 2019 1:15 م
تحليل: "أمريكا وترامب".. سياسية احتواء الأزمة النووية الإيرانية

اليوم الثامن  العالم يقف حاليا على حافة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة

ان صعود اليمين الترامبية جاء بعد عجز و فشل الحزب الجمهوري، و مغادرة زعيمه السابق جورج دبليو بوش منصبه بتقييم منخفض ، و لم يترك للحزب رؤية واضحة ، و لم يخلف جيل من القادة المؤثرين ، و لا حتى قاعدة متماسكة معه . جاء بعده باراك أوباما من الديموقراطيين الى السلطة في واشنطن .

 يحمل معه مشروع يساعد الاقتصاد الأمريكي على الخروج من الركود ، ويقلص معدل البطالة والإهتمام بالرعاية الصحية الذي ينتفع منه ملايين الأمريكيين . وعمل على تعزيز القوانين لضمان العدالة بين الأعراق . كذلك في السياسة الخارجية سعى الى مصالحة تاريخية مع كوبا ، و التوصل الى تفاهمات مؤقتة مع الصين و إبرامه اتفاقية مع طهران حول برنامجها النووي ، ..الخ .

 هذه الإنجازات للحزب الديموقراطي برئاسة أوباما ، أشعلت نار الغضب تحت حزب اليمين الجمهوري . جعل الجمهوريون في لحظه مواجهة مع الذات. وحشد قواهم للعودة الى السلطة و العمل على الغاء إنجازات الحزب الديموقراطي .هذا ما جسدته رؤية ترامب لأمريكا في خطابه يوم التنصيب حيث قال : من هذا اليوم و في المستقبل ، ستحكمنا رؤيا جديدة ، ستكون فقط أمريكا أولا ، أمريكا أولا .

 في هذا الخطاب وصف الأمريكيين بـ " الأشخاص الصالحين " و " الرجال و النساء المنسيون " .

قال انهم جزء من حركة تاريخية لم يسبق لها مثيل ، أستعادة السلطة من النخبة الفاسدة والأنانية التي تسيطر على كلا الحزبين السياسيين  في واشنطن . حسب  قوله هي مؤسسة حمت  نفسها  فقط ، بينما تركت أمريكا منكوبة بالفقر و الجريمة و انعدام الأمن .

نسي ترامب نفسه ، إنه جزء من هذه النخبة . المهم وعد الرئيس ترامب ان هذا الوضع لن يستمر . الملاحظ في هذا الخطاب انه ركز بصفة خاصة على قضايا الشرق الأوسط .

 لا سيما مكافحة الارهاب و عملية السلام في المنطقة ، و وعد بنقل السفارة الأمريكية الى القدس .

إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الى جانب القضايا الأساسية التي تمس مصلحة المواطن الأمريكي . لكنه  لم  يركز بوضوح على القضايا الأساسية المتعلقة بالعلاقة  مع الصين ، و مستقبل العلاقة مع روسيا في ظل التوتر بين البلدين حول قضايا اقليمية و دولية عديدة أو على القضايا الاوروبية .

هذا يدل على ان مؤسسات الفكر اليميني في واشنطن الان تعيش حالة فوضى ، و عاجزة في وضع استراتيجية واضحة حتى في اهم القضايا بالنسبة لها وهي " احتواء " الجمهورية الاسلامية الإيرانية .

 بعكس الإدارات السابقة كانت لها استراتيجيات لو نظرنا على سبيل المثال الى ادارة الحزب الجمهوري ، بالذات ادارة فريق الرئيس ريغان – شولتز ، هذا الفريق عمل على استراتيجية واضحة وهي إقامة علاقة مع الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف . و التي ساهمت في إذابة الجليد في العلاقات بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي .

 و كان من اهداف هذه الاستراتيجية هو " احتواء الاتحاد السوفيتي " ، بغض النظر نتفق أو لانتفق معها ، استراتيجية الرئيس ريغان – شولتز  اقرت و أعترفت بالحقائق التي هي على الارض .

وهي ان السوفييت يهتمون بالإعلان عن انتصارات وهمية حققوها ، و هم في الحقيقة قدموا تنازلات خطرة في المجالات الرئيسية . على اساس هذا الواقع قامت  ادارة ريغان – شولتز على ابتكار سياسة لم تقم على التباهي بإنجازات الولايات المتحدة ، أو إذلال " امبراطورية السوفييت " .

 بل تبنى الأمريكان سياسة تقوم على الصبر الاستراتيجي و جعل السوفييت يسقطون بسبب عدم الكفاءة و عدم المصداقية مع الذات .

 نتيجة هذه الحكمة و الصبر الاستراتيجي تم احتواء الاتحاد السوفياتي . ادارة ترامب لم تكن لها استراتيجية ، لذا وقعت في مأزق خطير ما بين رغبات و طموحات الصهيونية لنتنياهو – كوشنير، التي تتبناها ادارة الرئيس ترامب ، التي قامت على اساسها حملته " الضغط الأقصى " ، ردا عليها جاء موقف المرشد على خامنئي " لا مفاوضات " مع الولايات المتحدة ، وهي لا تقل في حدتها عن " الضغط الأقصى " .

خروج احد الطرفين عن موقفه يبدو بمثابة هزيمة ، و صمود كل منهما على موقفه ، يعتبر مكسبا لكليهما .

 بالفعل مأزق وقع فيه ترامب ، خطط لهذا المأزق اليمين الصهيوني المتمثل في مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون و وزير الخارجية مايك بومبيو  وحلفائهم من اليمين الصهيوني ، الذين لن يتوقفوا حتى اشعال الصراع العسكري مع إيران . بدعم من إسرائيل وهو محور سياسة ترامب الإقليمية .

 إسرائيل جعلت الأقليم والعالم أقل أمنا وإستقرارا .

يتبنى هذا المحور موقف متشدد اتجاه إيران . يرى تغيير النظام الإيراني شرط مسبق للتوافق الاستراتيجي بين واشنطن و طهران . منهم بولتون الذي قال في كلمته امام مجاهدي خلق ، منظمة معارضة إيرانية ، قال بأنها " معارضة قابلة للحياة لـ ... آية الله " أي النظام البديل  . كذلك بومبيو عرض المحادثات مع طهران على ان تقبل 12 شرطا أمريكيا .

 الموقف الأمريكي المتشدد أعطى نتائج عكسية ، دفع قطاعات واسعة من الشعب الإيراني الى دعم القيادة والمرجعية الدينية .

 بهذه الغطرسة الامريكية تكون واشنطن قد قطعت كل السبل نحو أي تغيير في المستقبل لكن هناك آخرين في الادارة يقاومون هذا التوجه ، لكنه تيار ضعيف . حتى ترامب قال في احد المرات إنه يحتاج أحيانا الى كبح اندفاع بولتون .

 الرئيس ترامب خلال زيارته الى طوكيو أعطى تصريحات نفهم منها إنه لا يسعى للوقوع في مستنقع الصراع العسكري ضد طهران .

كان قرار عدم استخدام القوة العسكرية كرد على سقوط طائرة بدون طيار دليل على ذلك ، اعتبره الكثير قرار ايجابي . كما يقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية الامريكية آرون ديفيد ميلر ان عدم استخدام القوة العسكرية كرد كأنها أو بأعتبارها  عملية " أرجاء " فقط للتصعيد العسكري الى المستقبل .

 لان ما يفرضه ترامب الان من عقوبات هي مؤثرة على إيران ، و يقول ميلر هذه هي المعركة الكبرى ، المعركة الاستراتيجية ، مع استمرارها تتحقق اهدافهم . اما اسقاط الطائرة فهذا شيئ بسيط بالمقارنه مع العقوبات .

ان ما نسمعه في وسائل الاعلام العربية و العالمية في الاغلب محرفة و مبالغ بها كثير . الهدف منه خلق ذريعة لمهاجمة إيران . إسرائيل لم تحسب الامور بشكل جيد . خطورة استخدام القوة و لو كانت من الضربات " الجراحية " ، ستكون كافية لاشعال حرب طويلة يمكن ان تدمر المصالح الامريكية في الخليج و تقوض الاستقرار السياسي الداخلي في المنطقة .

لا يستبعد ان تواجه الأدارة الامريكية مفاجآت من سلطنة عمان والعراق وقطر واليمن . رهان على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كما يقول المثل عشم إبليس في الجنة .

ترامب يتذكر جيدا تفجيرات المارينز في بيروت في 23 أكتوبر 1983 و اودى بحياة 299 جنديا أمريكيا و فرنسيا و هذا قبل 36 عام ، كيف الآن ، الاذرع متعددة ، صعب التحكم فيها . نبدأ بموضوع الازمة النووية الإيرانية :

في 14 يوليو 2015 في فيينا توصلت إيران و الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالاضافة الى ألمانيا الى " خطة العمل الشامل المشترك " . الذي وضع حد لـ 12 عاما من أزمة دولية حول البرنامج النووي الإيراني .

 بموجب هذا الاتفاق ، تعهدت إيران بعدم السعي لحيازة القنبلة النووية ابدا و قبلت بفرض قيود مشددة على برنامجها النووي في مقابل رفع جزئي للعقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها . كما وافقت على الخضوع لتفتيش غير مسبوق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية . لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن سحب بلاده من الاتفاق في 8 مايو 2018 و أعاد فرض عقوبات اقتصادية التي حرمت إيران من المكاسب الاقتصادية التي كانت تتوقعها و دفعت اقتصادها نحو الانكماش .

بعد الانسحاب يبدو هذا الاتفاق مهددا بشكل خطير .

لكن الذي نستغرب له ان وسائل الاعلام العربية و العالمية انشغلت كثيرا بالازمة النووية الإيرانية و التحضير لضربات عسكرية ضد منشآتها النووية و حرب الشرق الأوسط المأساوية .

ونسيت تسليط الضوء على دور الولايات المتحدة المركزي في ولادة إيران النووية ؟ و لماذا عدائها اليوم ؟ الولايات المتحدة هي التي أهدت هذه المفاعل الصغيرة  وفق برنامج " الذرة من أجل السلام " الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ، لعميلها و عميل ذراعها اسرائيل ، شاه إيران محمد رضا بهلوي .

المدهش له لماذا لا تستلم المملكة العربية السعودية مثل هذه الهدية ، وهي حليف للولايات المتحدة .

 المهم نشطت هذه المفاعل بعد ان عين شاه إيران السيد أكبر اعتماد 1974 رئيسا لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية . و طلب منه الشاه حليف أمريكا و إسرائيل بوضع خطة لتطوير العمل بالمنظمة لتصبح برنامجا نوويا لإيران . بدأ السيد أكبر اعتماد بالمفاوضات لتنفيذ طموحات الشاه مع الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا النووية في كل من الولايات المتحدة و أوروبا ، و وقع معها على عقود بالميليارات .

استمرت المفاوضات مع الولايات المتحدة لمدة اربع سنوات و تمحورت منذ البداية حول التحفظات التي أبدتها الولايات المتحدة .

 والشرط الذي فرضته الولايات المتحدة منذ البداية بأن تكون لهم السيطرة الكاملة على دورة الوقود النووي، وبمجرد أن اوشك الجانبان على الوصول الى الاتفاق أندلعت الثورة الإسلامية ، فتوقف المشروع بأكمله و اعتبره قادة الثورة مثالا على إهدار الشاه لثروات إيران في مشروعات لا طائل منها .

 لكن قيادة الجمهوريةالاسلامية تنبة فيما بعد لأهمية الطاقة الذرية الإيرانية . و سمحت بإعادة تشغيل البرنامج خلال الحرب الإيرانية العراقية . خضع البرنامج الإيراني لتوسع كبير بعد وفاة روح الله الخميني في عام 1989 .

 بدأ التعاون الإيراني – الروسي في هذا المجال ، هذا أغضب أمريكا و الغرب . ساهمة شركات روسية مثل Rosatom و atomenergoprom في تطوير البرنامج الإيراني . أكد السيد على خامنئي ان البرنامج النووي الإيراني هو لأغراض سلمية وأن مبادئ الجمهورية الاسلامية تمنعها من اللجوء الى استخدام الأسلحة النووية .

في نوفمبر 2011 أنتقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الجمهورية الاسلامية . و رفعت تقريرا ،  خلصت فيه الى ان إيران على الأرجح قد أجرت البحوث و التجارب الرامية الى تطوير قدرات الأسلحة النووية قبل عام 2013 .

 و بعد ذلك بالغت وسائل الاعلام في هذا التقرير الذي رفضته إيران و اعتبرت الوكالة موالية للغرب و هددت بخفض تعاونها مع الوكالة الدولية .

 بعد ذلك  بدأت مسيرة المفاوضات حتى توصلت إيران و الدول 5 + 1 الى اتفاق في 14 يونيو 2015 في فيينا . وافقت إيران على هذا الاتفاق على ان يحقق لها حسب رأي الباحث في الشؤون الإيرانية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية كليمان تيرم ان طهران " تسعى قبل كل شيئ للحفاظ على المكسب الرئيسي من اتفاق فيينا " تفادي الانهيار الاقتصادي للبلاد دون التسبب بحرب .

 لكن اللوبي الأمريكي – الإسرائيلي  الصهيوني رفض هذه الاتفاقية بسبب مواقف الجمهورية الاسلامية منها .

 افتعلت إسرائيل هذا التوتر لإيران بيد أمريكية للضغط عليها حتى تغير طبيعة النظام الإيراني و يصبح متوافق مع استراتيجية واشنطن و إسرائيل . الا أن الجمهورية الاسلامية رفضت السير في الطريق الأمريكي – الإسرائيلي  الصهيوني . اما الاتفاق النووي المبرم مع إيران فكان جيدا لم تعترض عليه  أي دولة عدا الولايات المتحدة .

 لذا التوتر الحالي في منطقة الخليج كانت سببه الولايات المتحدة ، قد اشار الى هذا جينغ شوانغ ، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية ان " السبب الأساسي للأزمة النووية الايرانية هو الضغط الشديد الذي مارسته الولايات المتحدة على إيران " .

  بعد ذلك جاء رد روحاني ان طهران ستزيد مخزونها من اليورانيوم المخصب اعتبارا من يوم الأحد 7 يوليو إذا لم يتم تخفيف العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها . اتفق بالكامل مع الاستاذ عبدالباري عطوان في رأي اليوم اللندنية حين كتب ان " إيران تملك القدرة و الخبرة على إنتاج قنبلة نووية في غضون عام .

 العالم يقف حاليا على حافة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة التي ستزداد احتمالاتها، فالدول الأوروبية لن تستطيع تلبية الشروط الإيرانية بتخفيف حدة العقوبات الاقتصادية قبل نهاية المهلة ، و لا نعتقد ان السلطات الإيرانية ستتراجع عن تهديداتها هذا الا إذا حدثت معجزة " .

في الأخير أرى الحل هو ما أعلنه أبو البرنامج النووي الإيراني و الأب الروحي له ، السيد أكبر اعتماد خلال المقابلة مع بي بي سي في 26 مارس 2013 ، إنه يشك في إمكانية قيام الولايات المتحدة و إسرائيل بشن هجوم على إيران ، فلا بديل كما أوضح في حديثه عن ضرورة الحل الدبلوماسي ، لتجنب مواجهة أزمة إقليمية طاحنة .

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة