حوارات وتحليلات

إلـــغاء المادة 370 من الدستور الهندي ... بين الشَرْعَنة والشَرعِية..

تحليل: إنهاء الحكم الذاتي بكشمير.. السياقات، الدوافع، والسيناريوهات

الوقت الاثنين 09 سبتمبر 2019 12:30 ص
تحليل: إنهاء الحكم الذاتي بكشمير.. السياقات، الدوافع، والسيناريوهات

اليوم الثامن سياقات إلغاء الحكم الذاتي بكشمير

في خطــــوة غير متوقعة، اتخذت الحكومة الهندية في الخامس من أغسطس الماضي قـــراراً يَقضي بإلغــاء الحكم الذاتي في الشطر الهندي من كشمير، ليُصبِح بذلك أرضاً اتحادية تابعة لدولة الهند، الخُطوة الهندية صَعدت الوضع مع الجارة الباكستانية الداعمة لحق تقرير المصير في كشمير، وخلفَتْ تداعيات زادت من درجــة تعقيد النزاع الهندي الباكستاني في كشمير، وانعكست سلباً علــى علاقاتهما الثنائية. وتُعتبر كشمير أرضاً متنازعاً عليها وقضية تقرير مصير من وجهة نظر القانون الدولي، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي عدة قرارات بشأنها أهمها قرار مجلس الأمن رقم 47 لسنة 1948 الذي منح سكان كشمير حق تقرير المصير.(1)

في هذا السياق، تحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على التطورات الأخيرة بإقليم كشمير بعد القرار الهندي المتعلق بإنهاء الحكم الذاتي بكشمير، واستشراف المسارات والسيناريوهات المُحتملة.

سياقات إلغاء الحكم الذاتي بكشمير

إن المتتبع للأحداث التي شهدتها كشمير مؤخرا، يجد فيها الكثير من المؤشرات التي تثبت أن النزاع الهندي الباكستاني يعيش ذًروته منذ خمسين سنة، فقد شهد شهر فبراير 2019 جملة من الأحداث تبرهن ذلك، أولها كان بالجزء الكشميري الخاضع لسيطرة الهند الذي كان مسرحاً لهجوم انتحاري هو الأكثر دموية منذ 1989 تبناه تنظيم ما يسمى ب"جيش محمد" أدى لمقتل 41 جنديا هنديا، لِتُقْدِم السلطات الهندية على أثر ذلك على اعتقال قرابة 400 سياسي وناشط كشميري من دعاة استقلال الإقليم ومسيري منظمات ذات طابع ديني.

إلى جوار ذلك، شهدت المنطقة بعدها حالة من التصعيد العسكري بين الجارين، حيث اخترقت طائرة عسكرية هندية الأجواء الباكستانية في ال26 فبراير بحجة ضرب جماعات إرهابية تنشط بمنطقة "بالاكوت" الباكستانية، كما شهِد اقليم كشمير بعد ذلك تحطم طائرة عسكرية هندية أسفرت عن مقتل ثلاث ضحايا، فضلاً عن اعتراض مقاتلات هندية لثلاث مقاتلات باكستانية اخترقت أجواء الشطر الهندي من إقليم كشمير.

تأسيساً علي ما سبق، فإنه من الواضح مدى تعقيد المناخ العام الذي جاءت فيه الخطوة الهندية بكشمير المتميز باضطرابات في العلاقات الهندية الباكستانية، وتنامي وتيرة التصعيد العسكري علاوة على تَأَزُمِ الوضعِ الاجتماعي والسياسي بالشطر الهندي من كشمير.

إحاطة بمضمون القرار  الهندي المتعلق بإنهاء الحكم الذاتي بكشمير

تعتبر المادة  370 من الدستور الهندي التأسيس القانوني الذي يمنح ولاية جامو وكشمير  وضعا خاصا من الناحية القانونية والإدارية(2)، حيث يتمتع الشطر الهندي من كشمير  بالحكم الذاتي والاستقلالية في تسيير شؤونه عدا قطاعات الدفاع والشؤون الخارجية والاتصالات(3). غير أن الخطوة الهندية الأخيرة ألغت هذه المادة حيثُ أصدرت الحكومة الهندية مرسوماً تنفيذياً يقضي بإلغاء المادة 370 متبوعاً بقانون جديد يتعلق بإعادة تنظيم جامو وكشمير تم إقراره من قبل البرلمــــــــــــــــان الهندي بغُرفتيه(4).

إلغاء المادة 370 يعني إنهاء الحكم الذاتي بالجزء الهندي من كشمير ويجعله أرضا اتحادية خاضعة لسلطة الهند بشكل كامل ويُسقِط عنها كل المزايا التي كانت تتمتع بها كالدستور والعلم الخاص، والاستقلالية في تسيير شؤونها في عدة قطاعات.

إلـــغاء المادة 370 من الدستور الهندي ... بين الشَرْعَنة والشَرعِية

رغم دفاع السلطات الهندية عن قراراها وزعمها بأن الغاء الحكم الذاتي بكشمير شأن داخلي ويدخل في إطــار الدستور غير أن قانونيين وباحثين نفوا ذلك مشككين في شرعية وقانونية القرار الهندي، و يحاجّ أنصار هذا الطرح بالبند الثالث من المادة 370 من الدستور الهندي الذي ينص صراحة على أن الرئيس لا يستطيع إجراء تغييرات على المادة أو إلغائها إلا بموافقة الجمعية التأسيسية لجامو وكشمير التي حلَت نفسها مباشرة بعد صياغتها لدستور الولاية عام 1957.(5)

ولشرعنة قرارها، صاغت الحكومة الهندية مرسوما رئاسيا يستبدل عبارة "الجمعية التشريعية" ب مفردة "الجمعية التـــأسيسية"، أما عن قانونية الإجراءات الهندية يرى محللون من بينهم يوجيندرا ياداف أنه لا يُمكن إلغاء المادة 370 في ظل هذا الفراغ المؤسساتي وغياب الجمعية التأسيسية المُخَــوَلة قانونا للقيام بذلك، وبالتالي حسب ذات المتحدث بالإمكان الطعن لدى المحكمة العليا الهندية التي من المفترض أن تُلغــي المرسوم الرئاسي.(6)

احتجاجات ضد القرار وإجراءات أمنية مشددة بالإقليم

شهد الجزء الخاضع للهند من كشمير، تعزيزات وإجراءات أمنية تظهر تأهب نيودلهي وتوقعها لرفض سكان الإقليم لقرارها حيث  نشرت الهند آلافا من الجنود تحسبا لأي مظاهرات واحتجاجات، إضافة لمنع التجمهر وغلق المحلات التجارية وقطع خدمات الهاتف والإنترنت.(7)

موازاة مع ذلك، شهِدت باكستان وكشمير استنفارا ضد القرار الهندي أين جابت الشطر الهندي من كشمير مظاهرات واحتجاجات رافضة للخطوة الهندية، وهو ما قابلته السلطات الهندية بحملة من الاعتقالات شملت العديد من السياسيين والناشطين بكشمير.(8)

في دوافـــع ودلالات الخُطوة الهندية

فضلاً عن تفسير الخطوة الهندية بالأهمية التي توليها الهند لكشمير لما لها من ثقل جيوسياسي واستراتيجي، يرى متابعون أن مسألة انهاء الحكم الذاتي في كشمير هي تنفيذ لوعدٍ انتخابي قطعه القوميون الهندوس لأنصارهم الذين يعتبرون استقلال إقليم كشمير ذي الغالبية المُــسلمة فرصةً تفتح الباب لأقلياتٍ وتيارات انفصالية أخرى للمطالبة باستقلالها عن الهند.(9)

في سياق آخر، يرى مدير مساعد برنامج آسيا في مركز وودر ويلسون الدولي للباحثين مايكل كوجلمان Michael Kugelman أن اتخاذ الحكومة الهندية لقرارها في هذا الوقت بالضبط يعود  لتطورين جديدين في الساحة:

·       الأول هو عرضُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوسط لحــلِ نزاع كشمير،

·       والثاني هو التقدم السريع لعملية السلام في أفغانستان التي أسهمت فيها باكستان إلى حد كبير.

ونتيجة لهذا فحسب الباحث كل واحد من التطورين السابقين يمنح أفضلية لباكستان على حساب جارتها الهندية، ومن ثم فإن القرار الهندي بشأن كشمير يسمح لنيودلهي بالرد على اسلام آباد، وتبعث أيضاً رسالة قوية إلى واشنطن مفادها أن  نيودلهي لا تهتم بالوساطة الخارجية(10). كما  فسَر باحثون ومتابعون أن الإجراءات الهندية بكشمير المتعلقة بمنح المواطنين الهنود من ولايات أخرى حق التملك في الولاية من شأنها إحداث تحولات وتغييرات في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنــها غالبية مسلمة.(11)

مجلس الأمن يناقش الوضع بكشمير في جلسة مغلقة

في جلسة مغلقة ضمَت كافة أعضائه ناقش مجلس الأمن الدولي في ال16 من أغسطس تطورات الوضع في كشمير، أين عبرت المندوبة الباكستانية لدى الأمم المتحدة مليحه لودهي، عن ترحيبها بقرار مجلس الأمن تخصيص جلسة خاصة لمناقشة قضية كشمير مؤكدة عن دعم بلادها للشعب الكشميري و عزمها عن استعدادها للحوار مع الهند وحلِ الأزمة الكشميرية، بينما اعتبر المندوب الصيني تشانغ جون القرار الهندي بكشمير أحادياً وحثَ الجارين النوويين على ضبط النفس وخفض التوتر. ورغم أن الجلسة لم يصدر عنها أي بيان غير أن الباكستانيين أكدوا أن مجرد انعقادها لأول مرة منذ 1971 يعد إنجازا وانتصارا دبلوماسياً.(12)

السيناريوهـــــــــــــات المــتوقعة

إن التتبع التاريخي لمسار النزاع الهندي الباكستاني في كشمير يقود لاستنتاج أساسي فحواه أن الصراع الهندي الباكستاني في كشمير يكتسي قدرا من التعقيد والتشابك بسبب كثرة المتغيرات والفواعل الذين يلعبون أدواراً ثانوية في النزاع على غرار الصين، وهو ما يُصعِب من استشراف مسارات الأزمة الراهنة وسيناريوهاتها المُحتملة، لكن في ظل التطورات والمعطيات الراهنة بالإمكان استشراف السيناريوهات التالية:

1.                  خيار الحوار

من المتوقع أن ينتهج أطراف الأزمة مقاربة دبلوماسية لحل الأزمة أو خفض التصعيد بكشمير على الأقل برعــــاية أو وســـاطة دولية، حيث قد تلعب الجهود الدبلوماسية الباكستانية والضغوط الدولية دورا في دفع الهند نحو التفاوض في ظل استعداد باكستان عن جاهزيتها لذلك تجنبا منها لأي مواجهة عسكرية قد لا تتحمل عِبئَها، كما أن حتى نيودلهي ليست مستعدة لحرب عسكرية تستنزف أمنها وتُضعف اقتصادها في وقت تسعى فيه لمجاراة القوى الكبرى في النظام الدولي(13)، وبالتالي يعتبر خيار الحوار  مرجحا كونه الأقل تكلفة لكلا الطرفين والأكثر نجاعة في حل الأزمة الراهنة.

2.      خيار التصعيد

في ظل غياب حل فعلي للأزمة، يبقى خيار  التصعيد واندلاع مواجهة بين الهند وباكستان جدُ محتمل، ويرى الباحث بمعهد العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، أليكسي كوبريانوف أن ردود الفعل إزاء تغيير الوضع القانوني لكشمير قد تزيد من حدة الاحتقان الشعبي وتدفع بمزيد من النشاط الإرهابي(14)وهو ما قد يزيد من حدة العنف بكشمير.

مواصلة الحكومة الهندية في تنفيذ قرارها يبقى محتملا نظرا لامتلاكها علاقات جيدة مع قوى دولية تمنحها هامشا للمناورة وإدارة ملف كشمير لمصلحتها وهو ما لن ترضى به اسلام آباد وستقابله بنفس اللهجة والحدة، الأمر الذي أكده عمران خان رئيس الوزراء الباكستاني الذي توعد بالرد على أي عدوان هندي.(15)

خــــاتمــــــــة

ختاماً لما سبق، لا مراء في القول أن قرار الهند الغاء الحكم الذاتي بكشمير يعتبر قنبلة موقوتة تُعَقِدُ من مستقبل كشمير وترهن الأمن والسلم بالمنطقة، حيث أن الخطوة الهندية خلفت تداعيات أولية وصلت لحد خفض العلاقات الدبلوماسية وتعليق التجارة الثنائية بين البلدين.(16)

في سياق آخر، يبقى خيار الحوار واستقرار الأوضاع بكشمير مطروحاً لا سيما وأن باكستان تسعى استغلال الورقة الدبلوماسية لِتدويل الأزمة والضغط على نيودلهي، ولعل انعقاد جلسة خاصة لمناقشة الوضع بكشمير منذ قرابة 50 سنة يعد أولى الخطوات نحو تحقيق ذلك. غير أن ذلك لا يُلغي إمكانية تصعيد الوضع واندلاع مواجهة عسكرية بين الجارين النوويين قد تُدخل المنطقة في سلسلة من الاضطرابات.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة