اليوم الثامن

2018-01-19 00:00:00

أساطير رواها العرب عن نهر النيل

أدب وثقافة
2018-01-07 04:11:00
ارشيفية

يُروى أن أحد حكام مصر أرسل عدة رجال إلى مجرى النيل للوقوف على منبعه، فساروا حتى انتهوا إلى جبلٍ عالٍ والماء ينزل من أعلاه، وله دوي لا يكاد بسببه يسمع أحدهم كلام صاحبه، ثم أصعدوا واحداً منهم إلى أعلى الجبل فلما وصل رقص وصفق وضحك، ثم مضى ولم يعد ولم يعلم أصحابه ما شأنه.

ثم أصعدوا ثانياً ففعل مثل الأول، ثم ثالثاً، فقال: اربطوا في وسطي حبلاً فإذا وصلت وفعلت مثل ما فعلا فاجذبوني، فلما صار في أعلى الجبل فعل كفعلهما، فجذبوه إليهم، فقيل إنه خرس ولم يرد جواباً، ومات من ساعته، فرجع القوم ولم يعلموا من الأمر شيئاً.

الأسطورة التي أوردها جلال الدين المحلي (1389 – 1459) في كتابه "مبدأ النيل على التحرير" واحدة من أساطير كثيرة رواها مؤرخون عرب ومسلمون عن النيل بعد فتح مصر.

ويذكر أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور عمرو منير عبد العزيز أن محاولات المصريين لكشف نهر النيل استمرت على مدار العصور حتى مجيء اليونانيين الذين استقصوا عن منابعه، وكان أشهرهم بطليموس الجغرافي، ثم جاءت محاولات العرب في القرون الأولى للهجرة والعصور الوسطى.

ويروي أن المؤرخين والجغرافيين العرب نقلوا كتاب بطليموس عن النيل إلى لغتهم وزادوا عليه أشياء لم تكن صحيحة وشابتها الخرافات والأساطير، بدليل اتفاقهم على أن النهر ينبع من جبال القمر خلف خط الاستواء من عشر عيون في الأرض تجتمع في عشرة روافد تجتمع كل خمسة منها لتصب في بحيرة ثم تخرج ستة أنهار من البحيرتين لتجتمع مرة أخرى في بحيرة واحدة، حيث يخرج النيل.

وفي سياق الهوس الذي سيطر على العرب لكشف منابع النيل، ذكر صدر الدين أحمد المعروف بابن معصوم (1642 – 1707) في كتابه "رحلة ابن معصوم المدني: سلوة الغريب وأسوة الأريب" أن "جماعة صعدوا جبل القمر ليحيطوا خبراً بمبدأ النيل فرأوا بحراً عجاجاً (يُسمع لمائه صوت) أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار هو النيل".

قضبان الذهب والفضة

كانت منابع النيل مجهولة لدى العرب، كما أن الأحراش والأدغال التي تعترض مجراه في أعاليه، عقبة في وجه مَن حاول تتبعه حتى المنابع، بحسب ما ذكر الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه " النيل والمجتمع المصري في العصر المملوكي".

لذا تصورت الأساطير والخرافات التي أوردها كُتّاب ومؤرخو العصور الإسلامية "منطقة المنابع أرضاً خيالية تنبت فيها قضبان الذهب والفضة والنحاس والحديد، ويجري فيها بحر من الزفت تنبع منه الروائح الكريهة التي تقضي على مَن يقترب من المنطقة التي توجد بها أحجار مغناطيسية تجتذب كل مَن ينظر إليها وتقضي عليه".

ويعكس ذلك التصور جهل كتاب تلك العصور بمنطقة المنابع من ناحية، والخوف من المجهول في تلك المنطقة من ناحية أخرى، يقول عبده.

ويروي "وصل ببعضهم إلى حد الزعم بأن نهري النيل والسند ينبعان من أصل واحد، مدللين على ذلك باتفاق زيادتهما ووجود التمساح فيهما، وربما يكون ذلك هو السبب في نسب نهر النيل إلى أنهار الجنة التي كان مكانها وفقاً للنظرية السائدة آنذاك في أقصى الشرق وعلى الناحية الأخرى من بحر الظلمات (الأقيانوس)".

جبال البلّور وآكلو لحوم البشر

وذكر عبد العزيز أن الكتابات التاريخية العربية استوعبت القصص والأساطير الشعبية الإسلامية ومزجتها بالرواسب الأسطورية الفرعونية والقبطية إلى جانب بعض قصص الإسرائيليات لتصب كلها في مجرى واحد غايته في المخيلة الشعبية اكتشاف منابع النيل التي ظلت لغزاً محيراً آلاف السنين، فخرجت روايات ملأى بالجن والشياطين والعفاريت والوديان المخيفة والمخلوقات العجيبة.

وكتب جلال الدين السيوطي (1445 – 1505) في كتابه "حسن المحاضرة" أن ملكاً من ملوك مصر الأوائل جهّز أناساً للوقوف على أول النيل فانتهوا إلى جبل من نحاس وقيل براقة كالبلّور، فلما طلعت عليهم الشمس، انعكست عليهم أشعتها فأحرقتهم.

وتناقلت المصادر العربية أسطورة أخرى تخلط بين المعلومات الجغرافية والخرافات. ففي كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" نقل شهاب الدين أحمد بن عبد الله النويري (1279 – 1333) عن أبو عبد الله محمد الإدريسي الجغرافي الشهير (1099 - 1165) أن البحيرة الكبيرة التي يخرج منها النيل اسمها "كوري" يسكن حولها متوحشون يأكلون مَن يقعون عليه من الناس، فإذا خرج منها النيل، يشق بلاد كوري ثم بلاد نمنم، وهي بلاد تسكنها طائفة من السودان (أصحاب البشرة السوداء) بين كانم والنوبة.

وبحسب الإدريسي في "نزهة المشتاق"، يعتقد بعض الجغرافيين أن "النيل يغوص في الرمال في المنطقة بين كانم والنوبة، ولا يظهر مرة أخرى سوى عند بلاد النوبة".

صنع البشر

غير أن الكتابات التي ذكرت أن منبع النيل يخرج من جبل القمر أشارت أيضاً إلى أن مجراه كان من صنع البشر. أورد زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بابن إياس (1448 – 1524) في كتابه "بدائع الزهور" رواية تقول إن "مصرام بن نوح هو الذي بنى مصر وإليه تُنسب، وكان عالماً بعلم الكهانة والطلسمات، وكتب على أبواب مصر أنه هو الذي ساوى الأرض حتى أتى منبع النيل وبنى به الجسور والقناطر، وأصلح مكان مجراه وقطع منها الجبال التي كانت تعوق جريان النيل، واستمر سابحاً فيه نحو ثلاثين عاماً ثم هلك".

وبحسب ابن إياس "تولى من بعده أخوه عيقام الذي توجه خلف الاستواء وبنى قلعة من نحاس أصفر في سفح جبل القمر الذي ينحدر من أعلاه النيل وصنع هناك خمسة وثلاثين تمثالاً من النحاس، يخرج من حلولها ماء النيل ويصب في بطائح (بحيرات) هناك ثم ينحدر إلى أرض مصر بقانون وتدبير بما يكون فيه لأهل مصر المنفعة دون الفساد. واستمر عيقام ساكناً في القصر النحاسي الذي بناه على سطح جبل القمر حتى هلك".

والملاحظ تكرار ذكر النحاس في كثير من الأساطير المرتبطة بالبحث عن منابع النيل وهو ما يرجعه عبد العزيز في كتابه "مصر والنيل بين التاريخ والفولكلور" إلى العلاقة القوية بين النحاس وعالم الآداب الشعبية في ظل سيادة اعتقاد عام حول خواص سحرية لهذا المعدن.

أسطورة أخرى لا تخرج عن السياق ذكرها تقي الدين المقريزي (1364 – 1442) في كتاب "الخطط". روى أن النيل "كان يتبدد على وجه الأرض، فلما قدم نقراوش الجبار بن مصرايم الأول بن كابيل بن دوابيل بن آدم إلى أرض مصر ومعه عدة من بني عرياب (ينسبون لعرياب بن آدم) واستوطنوها وبنوا مدينة أمسوس، حفر قومه النيل حتى أجروا ماءه إليهم، وكان يتفرق على سطح الأرض فوجه الملك نقراوش المهندسين فهندسوه وساقوا منه أنهاراً كثيرة  إلى مدنهم التي بنوها، ولما خربت مصر بالطوفان عُدّل جانبا النهر تعديلاً ثانياً".

نهر الجنة

كان التصور الديني حاضراً بقوة أيضاً في ما رُوي عن النيل. شرح عبد العزيز أن المصريين الذين جعلوا من النيل إلهاً قبل اعتناقهم المسيحية والإسلام، ظلوا يحتفظون له بعد ذلك بمكانة رفيعة في وجدانهم إذ حاولت أساطيرهم أن تكسبه طابع القداسة وتجعله من أنهار الجنة.

وذكر أبو محمد الحسن بن زولاق (919 – 997) في كتابه "في تاريخ مصر وفضائلها" أن النيل يجري من تحت سدرة المنتهى، وأنه لو تقصى آثاره لوجد في أول جريانه أوراق الجنة.

وروى السيوطي: "لما خلق الله آدم مثّل له الدنيا مشرقها ومغربها، فلما رأى مصر رأى أرضاً خصبة سهلة ذات نهر جار مادته من الجنة تنحدر فيه البركة وتمزجه الرحمة فدعا للنيل بالبركة ودعا في أرض مصر بالرحمة، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات".

وروى قصة أخرى: "لما هبط النيل في زمن فرعون، طلب الناس منه أن يجريه لهم، ولكنه ردهم بحجة عدم رضائه عنهم وغضبه عليهم، ولما هددوه باتخاذ إله غيره خرّ ساجداً لله وألصق خده بالأرض وأخذ يتذلل إلى الله أن يجري النيل، فأجراه الله كما لم يجرِ من قبل، فخرج فرعون إلى قومه وقال لهم إنى أجريت لكم النيل فخروا له ساجدين".

وكان الفيضان وأسبابه مرتعاً لخيالات المؤرخين الذين حاولوا إكساب نهر النيل طابع القدسية. ذكر ابن ظهيرة (1422 – 1487) في "الفضائل الباهرة في محاسن القاهرة" أن الله يأمر كل الأنهار والعيون أن تمد النيل بمياهها وقت زيادته، فإذا اكتفى الناس بريّ أراضيهم وزراعاتهم أمر الله نهر النيل أن يعود كما كان.

وربما نتج هذا التصور في أذهان الكُتّاب من حقيقة أن نهر النيل يزيد صيفاً أي في الوقت الذي تنقص فيه مياه سائر الأنهار المعلومة لديهم، ذكر عبده.

احتفال يوم وفاء النيل بالقاهرة 1757

والغريب أن الوجدان الشعبي ظن أن النيل نزل على أجنحة الملائكة، وأن جبريل عليه السلام نزل بالنيل والفرات على جناحيه. "فكان النيل على جناحه الأيسر، والفرات على جناحه الأيمن، وقال بعض الفضلاء: إن هذا دليل على أن ماء النيل أخف من ماء الفرات، لأن الشيء الثقيل من عادته يحمل على الجانب الأيمن، والخفيف على الجانب الأيسر". حسبما ذكر محمد بن أحمد القرشي في "معالم القربة في أحكام الحسبة".

شيخ البحر

وكان للكائنات المائية التي تعيش في نهر النيل نصيب من المعتقد الشعبي المصري. ذكر السيوطي سمكة شيخ البحر، وهي على صورة آدمي له لحية طويلة ويكون بناحية دمياط، وهو مشؤوم، فإذا شوهد في مكان دل على القحط والموت والفتن، ويقال إن دمياط (مدينة شمال مصر تطل على البحر المتوسط) تُنكب حين يحل عندها.

http://alyoum8.net/news/13310
You for Information technology