كتاب وآراء

الحبيب الأسود يكتب:

دروس مستفادة من الحراك اللبناني

الوقت الجمعة 08 نوفمبر 2019 7:40 م

ما يحدث في لبنان ليس مجرد انتفاضة ضد منظومة الفساد، ولا مجرد صرخة في وجه الفشل الحكومي، إنه أكبر من ذلك بكثير، هو تحول بالغ الأهمية في نظرة الناس إلى الحياة والسياسة والديمقراطية والانتخابات. هو انقلاب حقيقي على واقع فرضته توافقات مصطنعة بين الكيانات الطائفية ودوائر الإقطاع السياسي ومراكز النفوذ الدولي والإقليمي، وذلك بظهور مارد حقيقي اسمه الشعب اللبناني القافز بجبروت حكمته على حواجز الدين والطائفة والأحزاب، فلا مقدس إلا إرادة الجموع عندما تتحد على هدف واحد.

أول الدروس المستفادة أن الشعوب تريد أن تعيش، أن تشعر بأن الوطن يعطيها بقدر ما تعطيه. الانتماء وحده لم يعد الشعار الذي يمكن أن يُخضع الإنسان إلى إرادة السلطة في أي بلد. الشعارات السياسية لا معنى لها في عقل من يواجه الإفقار والتجويع. الخطابات الدينية والطائفية ما عاد لها ذات التأثير السابق لدى الجموع المتطلعة للعدالة والرفاه. لا أحد يمكن أن يتعالج أو يتعلم أو يتغذى بدعاء في جامع أو حسينية أو كنيسة، ولا أن يدفع إيجار بيته أو يوفر بنزين سيارته بفتوى من المرجعية.

لذلك خرج اللبنانيون إلى الشوارع والساحات، مسلمين ومسيحيين ودروزا، سُنّة وشيعة وغير متدينين، في مشهد حضاري، دفاعا عن الحق في الحياة وفي أن يكون الوطن جديرا بهم كما هم جديرون به.

ثاني الدروس أن الديمقراطية نفسها لم تعد الحلّ إذا لم تقض على الفساد وتطرد الفاسدين من دوائرها وتوفر الرخاء للجماهير وتحترم إرادتها الكاملة.

النظام السياسي في لبنان، رغم أنه طائفي، إلا أنه ديمقراطي قائم، على الأقل نظريا، على مبدأ الفصل بين السلطات، والدستور اللبناني يكفل للشعب المساواة وحرية التعبير والحرية الدينية ويصون لهم ممتلكاتهم الخاصة ويعطي الفرصة للبنانيين لتغيير الحكم بالطرق الديمقراطية، وهو ما جعل من لبنان استثناء في محيطه لعدة عقود. لكن الواقع مختلف، فالبلد مرّ بظروف صعبة، بينها الحرب الأهلية والانقسامات الطائفية وتفاقم الإقطاع السياسي واتساع رقعة نفوذ حزب الله كقوة ميلشيوية فرضت نفسها على الدولة، وخضوع السلطة إلى محاصصة تطال كل شيء، وانتشار ظاهرة الفساد كنمط حكم. وأدى كل ذلك إلى ارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة وهجرة الكفاءات وتراجع الخدمات الضرورية، وهكذا كلما ازدادت الأزمات ساءت أحوال الشعب، بينما يواصل الفاعلون السياسيون التخفي وراء طوائفهم تحت يافطات الخيار الديمقراطي والمسار التوافقي.

البرلمان اللبناني المنتخب هو خير مثال لهذه الوضعية، حيث لا يمكن الحديث عن وجود الشرط الأساس لأي ديمقراطية تمثيلية، وهو كتلة للحكم وأخرى للمعارضة المعبرة عن موقف جماهيرها من السلطة القائمة دون تحديد تلك الجماهير في مذهب أو طائفة أو حزب أو منطقة. في خمسينات القرن الماضي مثلا، كانت هناك الجبهة الاشتراكية المكونة من عدد من النواب البارزين في كتل مختلفة على غرار كمال جنبلاط وكميل شمعون وبيار إده وعبدالله الحاج، والتي استطاعت الإطاحة بالرئيس بشارة خليل الخوري بسبب فساد نجله خليل وشقيه سليم.

ما نراه اليوم هو توافقات بين الجميع ضد الجميع، وبالأساس توافقات النخبة السياسية رغم تناقضاتها، ضد شعب يواجه كل أشكال التهميش والإقصاء والتلاعب بمصالحه وحرمانه من الخدمات الأساسية وإثقال كاهله بالضرائب والغلاء. قد يكون هناك حزب معارض في البرلمان ولكن ليست هناك جبهة لصنع القرار، أغلبية النواب يشتغلون على مصالح دوائرهم الانتخابية قبل مصلحة الوطن.

ثالث دروس انتفاضة اللبنانيين هو ألا ديمقراطية خارج إطار الدولة المدنية، التي تضمن لمواطنيها كل حقوقهم بقطع النظر عن انتماءاتهم. لم يرفع اللبنانيون في الساحات غير العلم الوطني، وهو ما يظهر أن المجتمع أصبح متقدما على الدولة المشدودة بحبال الدين والمذهب والطائفة عبر سلطة ترى أن شرعيتها تكمن في تلك التفرقة العقائدية المقيتة.

كما بدا واضحا أن المنتفضين أفصحوا عن موقف مبدئي يتمثّل في إزالة القداسة الزائفة عن مختلف المرجعيات. متابعة مظاهرات مناطق الجنوب الخاضعة تقليديا لسيطرة حزب الله وحركة أمل، تؤكد القيمة الحقيقية للحدث. وكذلك الأمر بالنسبة للشمال وخاصة طرابلس ذات الأغلبية السنية، المتهمة في جانب كبير منها بالتطرف، والتي شهدت حراكا مذهلا في مدنيته ورقيه وتحضره، فاجأ اللبنانيين أنفسهم.

ورابع الدروس، هو أن الشعب الثائر أصبح هو المدافع عن سيادة بلده، بعد أن أدرك أن معظم معاناته تقف وراءها قوى سياسية مرتبطة بالخارج أكثر من الداخل، الأمر الذي يجعل حياته اليومية تتأثر بانعكاسات التناقضات السياسية والاستراتيجية الإقليمية والدولية. اللبنانيون لا يريدون أن يُحكموا مستقبلا من غرف العمليات في الخارج، ولا من قبل مسؤولين ونواب ولاؤهم للأجنبي أكثر من ولائهم للوطن، ولا أن تخضع مصالح بلادهم لخيارات الميليشيات بمختلف أشكالها العسكرية والسياسية.

أصبحت العقيدة الحقيقية، التي تؤمن بها الشعوب حاليا ومستقبلا، هي كيف تعمل وتنتج وتبدع وتحظى بحقوقها وتعيش الرخاء وتستفيد من إمكانات وطنها وتستظل بسيادته وبالعدالة وسلطة القانون. وكل ما عدا ذلك تفاصيل يمكن النقاش حولها.

لذلك جدد اللبنانيون حراكهم الاجتماعي، بعد أن ظن الفاعلون السياسيون أنهم اكتفوا باستقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، أو أنهم كلوا من التجمع في الساحات وقطع الطرقات ورفع الشعارات وترديد الهتافات المنادية بلبنان الواحد الموحد المدني العلماني الحرّ الخالي من المحاصصة الحزبية والطائفية وحكم الميلشيات والنهب الممنهج للثروات.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة