مقالات

سهى الجندي تكتب:

تكالب العجم على العرب

الوقت الأحد 14 يونيو 2020 5:35 م

باتت مصر بين فكي كماشة بوجود تركيا في غربها وأثيوبيا في جنوبها، وأظن أن القادم لا يبشر بخير، وقد كان متوقعا أن يصل الدور الى مصر لتدمير جيشها. ومنذ اشتعال ثورات الربيع العربي والعرب في محرقة لا تنطفئ، وسوف يصل الدور على الجميع حتى تنهار جميع جيوش العرب وتقسم المنطقة الى معسكر سني بقيادة تركيا ومعسكر شيعي بقيادة ايران.

حين كنا ندعو الى العلمانية وإلغاء الخطاب الديني من الثقافة الشعبية، كنا نتهم بالفجور والردة، وما هو بفجور ولا ردة، ولكنه بعد نظر واستفادة من تجارب الشعوب المتقدمة التي اختفت الخطابة الدينية من أدبياتها وانطلقت للبناء والتقدم واشتركت شعوبها جميعا بقيم مشتركة عمادها الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة والتنمية واجتثاث الفساد، فأصبحت عصية على الفوضى ونشر الخراب، وصارت شعوبها تنعم بالحرية والسعادة وسيادة القانون على الجميع، ولديها فائض من الأموال تساعد بعضها بعضا من أجل دوام الرفاه والوحدة والتقدم على جميع المشتركين بهذه الثقافة بصرف النظر عن عرقهم ولغتهم.

كانوا يقولون لنا "لقد حكمنا الدنيا عندما تمسكنا بالاسلام" ونسوا أن القتال آنذاك كان بالسيف فكانت الشجاعة تكفي لتحقيق النصر، أما اليوم فليس للشجاعة مكان، لأن الحروب باتت تخاض بالعقل وتعقيد الترسانة العسكرية، و"جنود لم تروها" مجازية ولا تتدخل اليوم لصالح حلف ضد حلف. وحتى تركيا التي تتنمر على بلاد العرب باسم الاسلام، نظامها علماني والانحلال يملؤها ولو شاء الناخبون لغيروا نظام الحكم من خلال صناديق الاقتراع.

اليوم، يسعى الاسلاميون العرب الى احتلال البلدان العربية من قبل ايران وتركيا باسم الاسلام وإعادة نظام الخلافة الاسلامية حتى لو كان ذلك على جثث العرب جميعا، وهذا يعكس قصر نظر معيب، والتاريخ يحفظ سيرة العداء السني-الشيعي والاقتتال الدموي بينهم، ولكنهم لا يقتنعون بأنهم يحكمون على أنفسهم بالهلاك عندما تصبح الطائفة والمذهب أساسا للحكم وتنظيم المعيشة.

إذا دخلت مصر حربا ضد تركيا وأثيوبيا فأبشروا بوصول الخراب الى كل زاوية في العالم العربي، وانتشار الفقر والأمراض وانقسام العرب بين مصر والاسلاميين الذين يسعون للقضاء على الدول العربية وتسليمها الى تركيا وايران. لقد فهمت الدول المتقدمة أن الأديان خطيرة جدا على السلام وأنها تشعل الحروب الطائفية وتلغي الحريات وتقزم الفرد وإرادته وتقضي على طموحاته، لذا فقد أزالتها من حياتها ويمكنك أن تدخل الكنيسة في أي دولة أوروبية يوم الأحد وتعد المصلين، وسوف تجدهم لا يزيدون على عدد أصابع اليدين.

إن تفسير ذلك يكمن في مسألة بسيطة وهي التصالح مع النفس ومعرفة ما إذا كانت تريد الخوض في شؤون الله أم في شؤون الحياة والطعام والشراب والأمن والمسكن والعلاج وتحقيق الذات، فكلاهما لا يجتمعان، لأن متطلبات الخوض في المسألة الأولى تختلف تماما عن متطلبات الخوض في المسألة الثانية، فإما أنك تريد أن تعيش وتتمتع بكافة حقوقك وتنعم بالرفاه وتصنع وتنتج وتزيد دخلك وتحارب الفساد وتوفر لأطفالك كل احتياجاتهم المادية والنفسية، أو أنك تريد أن تنشغل في شؤون الله والعبادات وما هو اللباس الذي يرضي الله وما هو الفن الذي يبيحه الله وما هو حكم الأكل مع الجنابة وحكم اطلاق الريح أثناء الصلاة. ولن يستطيع عاقل الجمع بين هذين النوعين من الاهتمامات، فكل نوع له عقلية واستعداد ذهني مختلف عن الآخر.

من المحزن والمؤسف أن يقوم الاسلاميون العرب بجلب العجم لذبح إخوانهم، ظنا منهم أنهم سيفوزون بالجنة وسبعين حورية، ولن يستطيع أحد القول أن هذا سيكون درسا قاسيا يتعلم العرب منه الوحدة والتضامن، فهم لن يتعلموا وقد أريقت دماؤهم مرارا وتكرارا على نفس المذبح.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة