مقالات

عبدالرحمن كوركي مهابادي يكتب لـ(اليوم الثامن):

معركة ظافرة في مواجهة نظامين ديكتاتوريين

الوقت الأربعاء 09 سبتمبر 2020 10:45 م

إيران بلدٌ متعدد الأعراق والجنسيات والمذاهب، وفضلًا عن ذلك، فإنه يضم منظمات سياسية مختلفة ذات توجهات مختلفة. وبدون الخوض في أسباب كل منها وهيكلها وأصولها ومُثُلها وأهدافها، أود أن أتطرق بإيجاز إلى تعريف المنظمة التي يرى العدو قبل الصديق أنها القوة الأكثر أهمية والأكثر كفاءة والأكثر عنادًا في التصدي لنظام الملالي، ويوم 5 سبتمبر من كل عام هو يوم الذكرى السنوية لتأسيسها.

وبعد تراكم نضالات الشعب الإيراني عام 1965، أسس محمد حنيف نجاد، من محافظة أذربيجان الشرقية، وسعيد محسن، من محافظة فارس، وعلي أصغر بديع زادكان، من محافظة أصفهان؛ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وقام نظام الشاه بإعدامهم بعد سنوات قليلة من تأسيس هذه المنظمة. وفي وقت لاحق، قام جهاز استخبارات الشاه المعروف اختصارًا باسم (سافاك) جنبًا إلى جنب مع التيار الديني المتخلف بتعريض منظمة مجاهدي خلق الإيرانية للانهيار تحت اسم الإسلام وعبر تيار خائن للوطن.

والجدير بالذكر أن إراقة دماء الشهداء المؤسسين لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية غيرت المجتمع الإيراني، وأدت إلى تعرف الشعب الإيراني، ولاسيما الشباب المثقف والطلاب على أفكار مجاهدي خلق التحررية وانجذابهم إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية على نطاق واسع.

وأطاح الشعب الإيراني المجيد بنظام الشاه في عام 1979، نظرًا لأن الناس أدركوا من التجربة أن هذا النظام نظامٌ قمعي ومفترس لممتلكاتهم ويجب الإطاحة به. إذ كان الشغل الشاغل لمعظم الإيرانيين في السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط الشاه، هو النضال من أجل الإطاحة بنظامٍ كان متناقضًا مع الرغبات الشعبية من كل الوجوه. 

وعندما تم إطلاق سراح مجاهدي خلق وغيرهم من السجناء السياسيين من سجون الشاه، جذب خميني الناس إليه بقطع وعود واهية على نفسه تتعلق بالمعيشة والحياة الكريمة مستغلًا المشاعر الدينية. وكان مسعود رجوي أحد السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، وبحمد الله تم تخفيف الحكم عليه من الإعدام إلى السجن المؤبد بفضل الدعم الدولي لتحركات شقيقه ( الأستاذ الجامعي كاظم رجوي) في هذا الصدد. وعندما خرج من السجن في 20 يناير 1979 قال إنه مدين بحريته للشعب الإيراني. وبعد 12 يومًا، وصل خميني إلى طهران على متن طائرة حكومية قادمة من باريس. وهنا نلاحظ أن الشعب الإيراني المجيد أخرج مسعود رجوي من السجن بانتفاضته المجيدة، وأن الآخرين جاءوا بخميني إلى طهران على متن الطائرة من أوروبا.

لذلك، كان مجاهدو خلق يواجهون ظروفًا خطيرة في ذلك الوقت. فمن ناحية، كانت المواجهة مع خميني، الذي كان قد بدأ حكمه باسم الإسلام وركب موجة المشاعر الدينية للشعب، وهو الوحش الذي قسّم المجتمع الإيراني بين الإسلام وغير الإسلام، وكان يقمع أي معارضة باسم الإسلام؛ مهمة صعبة للغاية. ومن ناحية أخرى، كان على مجاهدي خلق الإسراع في إعادة بناء تنظيمهم لكي يتسنى لهم توجيه انفجار بركان الشعب المتوقع في جميع أنحاء البلاد لمواجهة نظام خميني.

ولذلك جعلت نتيجة هذين الأمرين من الصعب للغاية اجتياز هذه الظروف بنجاح، وليست هناك قوة أخرى تفعل ذلك سوى مجاهدي خلق، نظرًا لأن خميني وتياره الرجعي جرا انتفاضة الشعب الإيراني المنتصرة على الفور إلى منعطفات تضليلية وطائفية داخل المجتمع، مثل الإسلام وغير الإسلام والأكراد وغير الأكراد والشيعة والسنة، وهلم جرا. وهذا هو ما اتفقت عليه الرجعية والاستعمار.

لذلك كان الوضع في تلك الأيام معقدًا وخطيرًا للغاية. إذ كان يجب الحفاظ على وحدة الشعب الإيراني، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يكون ظهور الوحشية الفطرية لديكتاتورية الملالي الدينية الوافدة حديثًا أمرًا سابقًا لأوانه. لذلك، كان الملالي سيصفون مجاهدي خلق بمناهضة الإسلام وبالمنافقين وبالطابور الخامس وبالجواسيس وغير ذلك، إذا ما تحركوا في مثل هذا المسار وارتكبوا خطأً طفيفًا، كما أن بعض التيارات قصيرة النظر كانت ستتهمهم بتكوين جبهة مناهضة لخميني. أي أنه كان يجب على مجاهدي خلق إظهار مثل هذه الإمكانيات والقدرات بشكل مضاعف.

وبالتمتع بمثل هذه الإمكانيات والقدرات، سرعان ما أصبحت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مركز ثقل لتحقيق المطالب الديمقراطية للمجتمع الإيراني

وعندما وصل خميني إلى السلطة، كانت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قد بلغت لتوها عامها الـ 14 على تأسيسها. والجدير بالذكر أن مجاهدي خلق خلال هذه الفترة، وبطبيعة الحال داخل سجون الشاه، كانوا قد وقفوا على فكر التيار اليميني الديني للملالي وإلى أي مدى يتعارضون مع الإسلام الحقيقي والثوري. كما تعرّض مجاهدو خلق للتصفية الجسدية من جانب التيار اليساري الخائن واستشهد عدد من كوادرهم على أيدي هذا التيار المدمر.

وكان التياران المتعارضان على ما يبدو مرتبطان بالكثير من النقاط المشتركة ضد القوى الحقيقية الشعبية الثورية. الأول باسم الإسلام ويميل إلى التعايش مع ديكتاتورية الشاه، والثاني باسم مناهضة الإسلام وكراهية مجاهدي خلق.

الجدير بالذكر أن مجاهدي خلق كانوا مصدر إلهام ومنارة لتوجية الحركة المناهضة للملكية من خلال التمسك بمبادئهم النضالية والأيديولوجية والدفاع عنها. كما أنهم نالوا من هذين التيارين في ساحة النضال ودحضوهما، ورسخوا في قلوب الناس لدرجة أنهم أصبحوا في ميزان القوى خلال الشهور الأولى لتولي خميني السلطة أقوى قوة معارضة لخميني ونظامه الفاشي، جراء انضمام موجات متعددة من الشباب المتحمسين في جميع أنحاء إيران إليهم، وكانوا على وشك محو التيار الفكري الحاكم المتجسد في خميني من مشهد التاريخ الإيراني إلى الأبد بفوزهم في انتخابات رئاسة الجمهورية الأولى.

وسرعان ما أدرك خميني هذا الخطر الحقيقي، ولأول مرة، قال في إشارة إلى الأخ المجاهد مسعود رجوي، الأمين العام الأول لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية إنه يدعي الزعامة. وبهذه الطريقة فشل خميني في قهر مجاهدي خلق وأصدر فتوى ضدهم تقضي بجهادهم وقتلهم . وهذه هي السياسية التي يتبناها الملالي ضد مجاهدي خلق حتى يومنا هذا.

ولم يتوقف مجاهدو خلق عن التصدي لديكتاتورية خميني الدينية. فقد صمدوا ومضوا في طريقهم بعناد، وكثيرًا ما هزوا نظام الملالي لسنوات عديدة، وهذا هو السبب في أن النظام الحاكم اعتبر مجاهدي خلق على مدى الـ 40 سنة الماضية وما زال يعتبرهم الخطر الرئيسي الذي يهدد كيانه، نظرًا لأن ساحة النضال أثبت هذه الحقيقة.  

والجدير بالذكر أن مجاهدي خلق لم يدوموا وحدهم في التاريخ فحسب، بل إنهم دخلوا على الدوام في مدار القوة الأفضل في المشهد الإيراني الحقيقي اعتمادًا على قيمهم وشعبهم والوفاء بوعودهم وبتقديم أقصى قدر من التضحيات، والابتكار في جميع مجالات النضال، وخاصة في المجال السياسي والتنظيمي والأيديولوجي. قوةٌ أصبحت ملتقى لجميع البشر في إيران والشرق الأوسط والعالم بالابتكار وكسر التقاليد في التاريخ الإسلامي وبتبني نهج إنساني عميق تجاه أفراد المجتمع وبروح وجوهر الصداقة والوحدة والتعايش السلمي.

وبإلقاء نظرة على قائمة الشهداء المنشورة تتضح هذه الحقيقة جيدًا. فقد استشهد في كل ركن في جميع أنحاء إيران الآلاف المؤلفة من أعضاء مجاهدي خلق، بدءًا من خراسان وصولًا إلى خوزستان ومن أذربيجان وكردستان وصولًا إلى سيستان وبلوجستان وحتى المناطق الوسطى من إيران. حقيقةٌ أثبتت عالمية منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وأبطلت مقدمًا مزاعم أعداء مجاهدي خلق والتيارات الشوفينية وكشفت النقاب عنهم.

إن دعم جميع التيارات السياسية الديمقراطية والوطنية والثورية، وكذلك المواطنين في جميع أنحاء إيران، وخاصة الدعم المتكامل من مواطني كردستان بكل تياراتها السياسية لترشيح الأخ مسعود رجوي في الجولة الأولى من انتخابات رئاسة الجمهورية بعد سقوط الشاه، وتأسيس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفه البديل الديمقراطي الوحيد لنظام الملالي، وانضمام جميع التيارات الوطنية والديمقراطية والليبرالية لهذا المجلس، ومغادرة رئيس المجلس المحفوفة بالمخاطر من قلب طهران إلى باريس والإعلان عن البديل الديمقراطي لنظام الملالي، وتوقيع المقاومة الإيرانية اتفاق سلام مع الحكومة العراقية، ثم رحلة الأخ مسعود رجوي إلى العراق وتشكيل جيش التحرير الوطني الإيراني وتوجيه ضرباته الساحقة المرجفة لجسد نظام الملالي، والصمود في مواجهة المؤامرات الرجعية والاستعمارية الرامية إلى انتزاع الشرعية من المقاومة الإيرانية الباسلة، وكان لكل منها تأثيره الخاص، وأخيرًا والأهم هو ترقية العنصر النسائي إلى موقعه اللائق في التسلسل الهرمي السياسي والتنظيمي والأيديولوجي، وهو أمر فريد من نوعه في التاريخ . وانتخاب الأخت مريم رجوي رئيسة منتخبة للمقاومة الإيرانية، وتشكيل المجلس المركزي لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية من ألف امرأة كفؤة من مجاهدي خلق عينةٌ ودليلٌ واضح على مثل هذه الصفحة الذهبية في تاريخ نضالات الشعب الإيراني ضد ديكتاتوريتين؛ يعد من بين المراحل المصيرية المشرقة والتاريخية وأمر لا يُنسى بالنسبة للشعب الإيراني، وهو التأثير المباشر لوجود مثل هذه المنظمة القوية.

وهذا هو بالضبط السبب في أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية أصبحت الآن نقطة الأمل ليس فقط للشعب الإيراني فحسب، بل لشعوب المنطقة أيضًا، لأنه بدون مثل هذه المنظمة لا يمكن الصمود في وجه وحش ولاية الفقيه وافتراءاتها باسم الإسلام، والتخلص من شر هذا النظام الديكتاتوري الديني الفاشي.

خلاصة القول

منذ البداية دخل مجاهدو خلق في الساحة معتمدين على أنفسهم وشعبهم، وبادروا بمواجهة الديكتاتوريتين اعتمادًا على هذا العنصر، ومازالوا يمضون قدمًا في هذا المسار. واستمروا في طريقهم نتيجة لإيمانهم بشرعية المسار والتمسك بمبادئهم التي لا تُنتهك ضد فيضان الضغوط المدمر، وحالات الخيانة والجبن. ومهدوا الطريق لانتصار الشعب الإيراني في المستقبل للقضاء على الديكتاتورية في إيران للأبد وتحقيق السلام والصداقة لشعوب المنطقة التي عانت من مواجهة حروب الملالي على مدى 40 عامًا.

إذن، يا له من يوم سعيد ومبشر يصادف تأسيس مثل هذه المنظمة. ألف تهنئة لمجاهدي خلق وأنصارهم ومؤيديهم هذا اليوم.

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة