كتاب وآراء

تاج الدين عبد الحق يكتب:

ماذا يعني استحداث ولاية العهد في سلطنة عمان؟

الوقت الأربعاء 13 يناير 2021 10:26 م

مع الاتجاه لتعيين ولي عهد للسلطان هيثم بن طارق آل سعيد سلطان عمان، تكون ملامح مرحلة واعدة بدأت لتشكيل ما يمكن اعتباره بداية لنقلة جديدة في تاريخ السلطنة، التي لا تشهد في العادة تغيرات فجائية، على صعيد الأشخاص أو على صعيد المؤسسات.

والملاحظة الأولى التي يمكن قراءتها في التغيير الجديد، والذي يصبح بموجبه ذي يزن بن هيثم وليا لعهد السلطنة، أن هذا التغيير جرى على نار هادئة، وبعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي غالبا ما يفسد أي طبخة سياسية قبل نضجها واكتمال أركانها.

والملاحظة الثانية، أن التغيير طال رأس المؤسسة السياسية العمانية، في إشارة إلى أن إرادة التغيير المنتظر، تأخذ قوة دفع كبيرة، وتكتسب زخما معنويا من أعلى سلطة في الدولة، لتتجاوز أبعادها مؤسسة الحكم، ولتصل في مداها، إلى مفاصل الحياة كافة في سلطنة عمان.

والذين تابعوا مسيرة النهضة العمانية التي قادها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، يدركون الدور الذي لعبته مؤسسة العرش في مرحلة التأسيس، وما ينتظر السلطنة في العهد الجديد سواء في الحاضر الماثل أو المستقبل الواعد.

وحتى تكون النظرة للتغيير الجديد في سلطنة عمان، نظرة موضوعية، فإن علينا أن نراجع العديد من التحديات والاستحقاقات التي تواجه القيادة العمانية الجديدة بكل أبعادها التنظيمية، والاقتصادية، والاجتماعية.

ولعل أي مقاربة منصفة في هذا الشأن، لا بد أن تتعامل مع التعديلات الجديدة على أنها تعبير عن ضرورة وطنية نابعة من احتياج حقيقي للتغيير، وليس تغييرا للأشخاص، وتعديلا في المراكز والمسميات.

وإذا كانت السياسة العمانية طوال العقود الأربعة الماضية حافظت على خصوصية في أساليبها، وهدوء في ممارساتها، فإن من غير المحتمل أن تتخلى السلطنة عن هذه الميزة التي جعلتها محل تقدير من قبل أشقائها في الجوار القريب والبعيد، واحترام أصدقائها وشركائها حول العالم .

فالثابت الوحيد على هذا الصعيد، هو تأكيد استمرارية النهج، والتمسك بقواعد الممارسة. ولا شك أن تطعيم المؤسسة السياسية العمانية بجيل جديد من الوجوه التي نشأت في حضن النهضة وتفيأت ظلها، هو أفضل تعبير عن الاستمرارية والثبات، دون أن يعني ذلك الجمود، أو محاولة إعادة إنتاج قوالب جامدة لا تتغير بتغير الظروف أو تتبدل بتبدل المناخات.

سلطنة عمان التي حققت خلال السنوات الخمسين الماضية، قفزات مشهودة على صعيد التنمية خاصة على صعيد بناء الإنسان العماني، وبناء المؤسسات الخدمية، تحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة من أجل تنمية مستدامة قادرة على التعامل مع المستقبل بكل تجلياته، ومع الظروف الاقتصادية والمالية التي يفرزها، والتعاطي باقتدار مع كل ما تتسم به من دقة وخطورة.

لقد نأت السلطنة طوال المرحلة السابقة عن تقديم نفسها كوجهة استثمار واعدة، وظلت شراكاتها على هذا الصعيد، محصورة ومحكومة، وكانت على الدوام أقل من الإمكانيات الحقيقية للسلطنة التي تملك موارد طبيعية وبشرية تتجاوز الموارد النفطية التي ظلت -كما في دول خليجية أخرى- محورا لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

اليوم يتغير العالم وتتقدم فيه وفي المنطقة، نماذج تنمية جديدة قائمة على شراكات عابرة للحدود، ومحفزة للطاقات. وسلطنة عمان تملك الكثير على هذا الصعيد فلها صداقات مستقرة مع الجميع تجعلها موضع ثقة من الكثيرين، ولديها بيئة سياسية مستقرة مغرية لأي شكل من أشكال التنمية والشراكة، وفوق ذلك لديها طاقات لم ُيلتفت إليها بالشكل الكافي والملائم، واليوم وهي تكشف عن الإمكانيات الكامنة، برسم شراكات تتجاوز في مداها، وفي النتائج المحتملة لها، ما تحقق في دول أخرى أقل موارد وأقل استقرارا.

السلطنة العمانية على موعد جديد مع التاريخ الذي سيكتبه جيل جديد عاش تجربة النهضة بكل ثمارها ونتائجها، ويتطلع الآن بحماسة لمواصلة المسيرة بأسلوب جديد وروح وثّابة.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة