كتاب وآراء

مسعود احمد بيت سعيد يكتب لـ(اليوم الثامن):

الـ9 من يونيو يوما خالدا في تاريخ النضال الوطني العماني

الوقت الأربعاء 09 يونيو 2021 2:21 م

يصادف الـ9 من يونيو الذكرى السادسة  والخمسون لثورة التاسع من يونيو - حزيران المجيدة . والتي انطلقت في مثل هذا اليوم من العام ١٩٦٥م من جبال ظفار الشامخة .  تأتي الذكرى بلا احتفالات او خطب سياسية او مسيرات شعبية اوويافطات كبرى تستحضر البطولات والتضحيات والانجازات واسماء الشهداء.

 تشكلت  جبهة تحرير ظفار من ثلاثة تنظيمات "الجنود الظفاريين والجمعيه الخيريه والقوميين العرب " خلال مؤتمر تأسيسي عقد   في وادي نحيز سنه   ١٩٦٥م . منذ انطلاقتها  لم تكن الجبهة بمنأى عن الخلافات والتصدعات الداخلية . حمل بيانها الاول نزعة اشتم منه انفصال إقليمي ضمني ،  لم يكن محل رضا  قياده الحركة الإقليمية في الكويت وكذلك القيادة المركزية  في بيروت  معقل الحركة .

انخرط الفقراء والمحرومين و المضطهدين   من معظم الشرائح الاجتماعية في صفوف الثورة ، وشكل ابناء ريف ظفار  عمودها الفقري منهم تغرف المقاتلين  والشهداء باستمرار ، كان الريف معقل الثورة ومسرح عملياتها ودفع بالمعنى النسبي اكثر من غيره في العملية الثورية دم وتضحيات جسام  .كان دور المرأة العمانية عظيما ولافتا.

 منذ  بداية الثورة حملت البندقية الى جانب الرجل.  . لم تكن المرأة  الظفاريه  تحديدا  مضطهده  اومقموعه بالمعنى الشائع للكلمة . كانت  متحررة بشكل عام  بمقاييس ذلك الوقت. الامر الذي  مكنها من  المشاركة الفعلية في الثورة  في مراحلها  الاولى ، فقد كانت شريك حقيقي للرجل في كثير من القضايا المصرية  تتميز  بالصبر والجلد والشجاعة، كانت ذا شأن  كبير رغم التخلف والامية  والطبيعة المحافظة للمجتمع  .كانت تقوم باختيار شريك حياتها بحرية ولها  دور محوري في الاسرة  كانت اخلاقيات المجتمع تمجد المرأة  وتعلي من شأنها وكان العرف القبلي والاجتماعي يغلظ عقوبة الاعتداء عليها . يحفظ التاريخ لها مكانة واسعة  في التراث الشفهي ، وقد ارتبطت بها   معظم الفنون الشعبية وظهرت  منها الشاعرات التي تناجي المجتمع وهمومة ولها إبداعاتها في مجال الغزل وغيره ربما تعود هذه المكانة لبقايا ظاهرة تاريخية قديمة من تاريخ التطور البشري  . وهذا ما مكنها من الالتحاق  سريعا بجيش التحرير الشعبي . لقد ابرزت الثورة طاقاتها وفجرت مواهبها وصقلتها في خدمة الاهداف والأماني الكبرى وحررت المجتمع بشكل عام من بقايا  ظاهره الرق .

 لقد كانت الثورة ذات محتوى تقدمي كبير .منذ  انطلاقتها وحتى العام  ١٩٦٨م كانت الثورة  ذات افق إقليمي. وتعيش هموم محلية بحتة . ورغم ذلك كأن الالتفاف حولها كبيرا  وقاعدتها  الشعبية في اتساع.. كانت السياسة الاستعمارية البريطانية وواجهتها الحكم الاستبدادي الرجعي قد قطعت كل الروابط بين اجزاء الوطن لم تكن الروابط الاجتماعية والاقتصادية موجوده باستثناء بعض المناطق الساحلية  بشكل ضيق ،ولم يكن الهم  الوطني مشترك لدرجة لم يشارك اي ظفاري  في ثورة الجبل الاخضر وكذلك  لم يكن التفاعل مع ثورة ظفار واضحا وملموسا .  ولو كان التداخل كما هو الان لكان من الصعب  جدا على السلطة تجنيد ابناء الشمال للمشاركة في قمع ثورة ظفار بتلك السهولة. ولكأن ايضا التضامن مع ثورة الجبل الاخضر جليا واضحا ، رغم ظروف تلك المرحلة الصعبة من كل النواحي جغرافيا واجتماعيا  وسياسيا  .

لم يكن يجمع الشعب العماني سوى الظلم والفقر والجهل  والحاكم المستبد ، الذي يضرب  بعصى من حديد شمالا وجنوبا . كانت ظفار  تعيش عزلة تامة   بل لم يعرف ابناء الجنوب من اخوتهم ابناء الشمال سوى موظفي السلطة من ولاة  وعسكر الذين يحمون مواقع السلطة ومنافذها وينفذوا مشيتها ، ظل هذا الحال ، حتى مجيء  السلطان قابوس سنة ١٩٧٠م . اوجد هذا الواقع  شرخ اجتماعي ونفسي  كبير ، شكل عائق موضوعي امام الحركة الوطنية والى هذا الواقع  دون غيره يرجع السبب في إقليمية شعار الثورة في بدايتها والذي تم تدارك لاحقا . داهمت نكسة حزيران ١٩٦٧م ، كل القوى الثورية في المنطقة العربية  والتي  افرزت واقع موضوعي  جديد  كان من نتائجها على صعيد حركة القوميين العرب  الانعطاف الكبير باتجاه الماركسية .عقد مؤتمر مركزي  للحركة  في بيروت بعد النكسة ١٩٦٧م  مباشره خرج بوثيقة نظرية تاريخية   "خلاصتها ضرورة تجذير الحركة وتبني الاشتراكية العلمية وان البرجوازية الصغيرة لم تعد مؤهلة لممارسة دور القيادة على راس الحركة الثورية العربية في هذه المرحلة الجديدة من نضالها  دون سقوط دورها التاريخي في العملية الثورية .وضرورة قياده الطبقة العاملة  "الائتلاف الوطني العريض  "  وتعميم النموذج الثوري الفيتنامي في العالم الثالث بأسلوب الكفاح الشعبي المسلح والعنف الثوري المنظم وتجديد وحدة المعسكر الاشتراكي  واعادة النظر في سياسة التعايش السلمي حملت عنوان" الثورة العربية امام معركة المصير " صاغها مؤسس الحركة وامينها العام الدكتور جورج حبش ، اصبحت هذه الوثيقة اساس التجذير اليساري  في كل فروع الحركة لاحقا  .

 بعد هذه التحولات الهامة على صعيد مركز الحركة  .عقد مؤتمر حمرين  الشهير  لمده عشرين يوما  في ايلول سنه  ١٩٦٨م  انتخب قيادة جديد وتم تغيير الاسم الى الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل على الصعيد التنظيمي  ، واقر على الصعيد الاستراتيجي  الالتزام بالعنف الثوري المنظم  وتبني استراتيجية ثورية  ذات ابعاد شمولية على مستوى الخليج العربي المحتل وعلى الصعيد الايديولوجي الاشتراكية العلمية. اخذ فرع الحركة زمام المبادرة في  الاعداد لعقد هذا المؤتمر ورسم معالمة . ونجح الا حد كبير في السيطرة على المؤتمر  وتوجيه مساره لم  تكن  بقية الاطراف  المكونة لجبهة تحرير  ظفار" الجمعية الخيرية والجنود الظفارين" مطمئنة  لهذ ا المنحى ،كانت الظروف الموضوعية تدفع بهذا الخيار الى ابعد  مدى  .اصبح الفكر الاشتراكي ضرورة على ضوء المعطيات الموضوعية الجديدة  وتجربة ثورات التحرر الوطني ، والانتصار الفيتنامي والصمود الكوبي والصيني  وكذلك انتصار اليمن الديمقراطي بقيادة الفرع الآخر للحركة  وكل  الوجود الثوري العالمي يلهم كل الثوريين في العالم ويدغدغ  أحلامهم في التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي بالاشتراكية العلمية، النظرية التي تعلم الفقراء شروط تحررهم.  بقيت عملية الالتزام بالاشتراكية العلمية  على صعيد الجبهة لفظية  واستجابة عاطفية وفوره حماسية لا اكثر. لم تتمكن القيادة السياسية  حينها من استيعاب هذا الفكر العلمي بالشكل الصحيح  وتوظيف هذه السلاح الفكري وهذه الأداة المعرفية المنهجية  توظيفا سليما   يخدم الاهداف الثورية .عموما يمكن القول بان الجبهة بعد مؤتمر حمرين  كانت  تعيش حالة من المراهقة  الفكريه والطفولة  اليسارية التي لازمت معظم  الثورات .لكنها رست بعد ذلك باتجاه اكثر واقعية ونضج فكري وهو ما تعكسه أديباتها  لاحقا.ادى هذا التبني الى خلافات  داخل الصف الوطني ترجمت بممارسات خاطئة وإجراءات غير تنظيمية عكست نفسها لاحقا بانشقاقات اضعف منسوب الفعل الكفاحي بشكل كبير .

حضرت الترسيمة الماوية تطويق المدن من الارياف بكل رومنسيتها الثورية بشكل ميكانيكي . كان الاستلهام حرفي دون اخذ" الواقع الموضوعي" الخصوصيات المحلية وطبيعة مرحلة  التحرر الوطني ومهماتها وتحالفاتها وبرامجها السياسية .والتي يحددها  الفكري  الاشتراكي العلمي  تحديدا صارما. و في سياق هذا التبني اللفظي العاطفي غابت المقولة اللينينية الشهيرة " التحليل الملموس للواقع الملموس " ان نقل الافكار حرفيا والبحث عن الواقع لتطبيقها جاء في اطار المزايدة المعروفة لليسار العربي  الجديد ، مثل الذي  يبرى ء  قدميه  لملائمه الحذاء  كما قال ما وستي تنغ . تحدد الادبيات الاشتراكية  بوضوح  جبهه الاعداء والاصدقاء ودور كل طبقة في العملية الثورية  تحديدا دقيقا والتحالفات في مرحلة التحرر الوطني التي تستوعب الجميع باستثناء كل الذين ترتبط مصالحهم بالاستعمار ، البرجوازية  الكمبرادورية الكبير والعملاء والمتآمرين  . لم يكن مفهوم الطبقات بالمعنى  العلمي  قد اكتمل ، كانت بداية  التكوين الطبقي تتحدد  ملامحه، و الفرز الطبقي بدا يتشكل  ويستقر ويعبر عن نفسة  بخجل شديد . كانت البرجوازية  الكمبرادوريه  الصغيرة والمتوسطة  وبعض شرائح الاقطاع موجودة  ولكنها قليلة العدد،  كلها تقريبا  متمركزة في مديني مسقط و صلالة وبعض المدن الساحلية بأشكال  متفاوتة  بدون روابط تنظيمية وتعبيرات اجتماعية سياسية   .

 بلا شك توجد فوارق طبقية  ويوجد فقراء واغنياء واستغلال وشغيله  وكادحين وبروليتاريا رثه ورعاه وصيادين   وتوجد برجوازية صغيرة نالت قسط من العلم جلها مرتبطة بعلاقات مع السلطة سمح بتعليم ابناءها في المدرسة الوحيدة  اليتيمة " مدرسة السعيدية " في مسقط وصلالة  كان حكم سعيد بن تيمور بالإضافة لاستبداده كان حكما عنصريا لا يسمح لأبناء الجبال والبوادي  والقرى  بالتعليم  . هذا خلق تفاوت معرفي مناطقي فئوي   .

ولاحقا بعد سنة ١٩٧٠ تم غربلة المجتمع فك وتركيب واعدة بنائه  على قواعد جديده استجابة لطبيعة المرحلة وسياقات تطورها اللاحق. .مما  قطع صيرورة التطور الطبيعي واوجد تشوه في التركيبة الاجتماعية .كانت التركيبة القبلية ولازالت  تميع وتموه وتخفي  هذا التبلور الى حدا كبيرا . جل قادة الثورة تنتمي للبرجوازية الصغيرة والمتوسطة هذا المنشأ الطبقي لعب دورا سلبيا في المسيرة الثورية .من المعروف ان البرجوازية تجيد رفع الشعارات الثورية وتجيد التخلي عنها  وجودها على راس الحركة الوطنية الثورية لا يشكل ضمانة للاستمرار. وفي مجرى التطور الثوري  والكفاح المسلح وحرب الشعب الطويلة الامد بكل مصاعبها ومشاقها  تتهاوى تدريجيا واحيانا بدون مقدمات .

 "ان البرجوازية  "تاريخيا "عندما تحقق أهدافها ويتم الاعتراف بها ومساومتها  تتوقف عن النضال.  كما قال الدكتور جورج حبش وهذا ما قدمته  تجربة الحركة الوطنية العمانية  بوضوح تام  .وهذا درس كبير لكل الثوريين  يمكن الاستفادة منه في المراحل القادمة .عموما ظاهره البرجوازية الصغير في ثورات التحرر الوطني ظاهرة تاريخية غير مرتبطة بواقع معين  . واذا كانت كل ثورة سياسية تحمل بعدا طبقيا  بالمفهوم العلمي العام . تظل هناك خصوصية ما ، لكل مجتمع.  و يجب الا يفهم من الخصوصية الاستنتاج باننا تقع خارج قوانين التطور الاجتماعي ،و ما لم يتم استيعاب  قوانين التطور الاجتماعي والحلقات المركزية   في كل مرحلة  وديالكتيك التناقضات الرئيسيه والثانوية وخصوصية الواقع الموضوعي والتكوين النفسي للمجتمع  بشكل دقيق وعلمي سيظل العمل الوطني مرتجلا مهما كانت رغبات القائمين عليه .كان ممكن تجنب بعض الأخطاء الكبرى لو توفر الوعي والحكمة والوفاء للتضحيات ،وادراك متطلبات المرحلة التاريخية " مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية " وطبيعة تحالفاتها التي تستوجب الاتفاق على برنامج الحد الأدنى،  الذي يشكل الارضية العامة لوحده القوى الوطنية و الثورية لإنجاز مهام التحرر الوطني الديمقراطي .

التجربة علمت بان طرح الشعارات السياسية  قبل اوانها وان كانت صحيحة من الناحية النظرية  تنعكس سلبا على مجمل العملية الثورية ما لم تقرن بممارسة  ثورية ناضجة وصادقة  . لم تكن معالجه البرجوازية الصغيرة  للتباينات في الصف الوطني ، في بداية المسيرة الثورية سليمة كان طموحها في احكام السيطرة واضحا. اوقعها قصر النظر و ضيق النفس البرجوازي الصغير والمزايدة  في أخطأ قاتلة .

الاهمال التام لمفهوم  "الجبهة الوطنية الواسعة واتحاد طبقاتها الثورية على برنامج القاسم الوطني المشترك  " واجترح حلول موضوعية وعلمية لقضية الثورة والتحرر الوطني على المستوى الوطني والاقليمي الشامل وهناك تجارب كثيرة يمكن الاستفادة منها. رفعت  شعارات خاطئة وتم تطبيقها بشكل خاطئ  دون ضوابط محدده ،  استغلتها  السلطة ووظفتها  بشكل كبير لمصلحه مشروعها. .عانت الجبهة " تاريخيا "من الاختراقات الامنية ولعبت العقلية الثأرية القبلية والمناطقية  والمراهقة الفكرية  والسياسية دورا كبيرا في التمهيد والتغطية لهذه الاختراقات وحمايتها .

في ١٢ حزيران ١٩٧٠م اعلن قيام الجبهة الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل في شمال الوطن  عبر فرع الحركه  الاخرقدمت  برنامج عمل وطني .أدرك البريطانيين ان  الارض تتحرك تحت اقدامهم وان سعيد بن تيمور لم يعد صالحا للمرحلة القادمة .شكل انقلاب القصر البريطاني في ٢٣ يوليو سنه ١٩٧٠م والذي جاء بالسلطان  بقابوس الى الحكم خلفا لوالدة ، مفصلا تاريخيا  في مسيرة الثورة  .بدا السلطان الجديد ببرنامج اصلاحي متواضع  ورفع شعار "عفى الله عما سلف " كان شعارا موفقا وذكيا  ، بدد الكثير من المخاوف واحدث خلل في موازين القوى الداخلية .

لم تقف الجبهة على مضامين الواقع الجديد بنباهة سياسية كافية .كان رفاق السلاح قد أنهكهم الصراع  الداخلي وظروف القتال الصعبة .وجد البعض تغيير راس السلطة سببا كافيا للالتحاق  بقطار النظام السريع  .ومنذ تك اللحظة  تم استخدامهم من قبل النظام ضد الثورة وانتقلوا من موقع التحفظ على بعض التوجهات الفكريه إلى  أداه  بيد السلطة . . اتبع النظام  الجديد سياسة جديدة ،  تصعيد القتال وجلب المرتزقة وفتح ابواب عمان للتدخل الخارجي  الذي مثل ذروته  التدخل الايراني  الشهانشاهي بعد فشل الكمندوس البريطاني في  مواجهه الثوار من ناحيه . ومن ناحية اخرى الشروع في تنفيذ برنامجه الاصلاحي الاجتماعي التدريجي واستمالة بعض الرموز والكوادر والوجهاء من خلال الإغراءات  والوعود والتخويف .

قابلت  الجبهة هذا التحول بعقد  مؤتمرها الثالث  في  أوائل كانون الأول  ١٩٧١م مؤتمر اهليش التوحيدي تم توحيد الجهتين تحت مسمى الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل  تجسيدا  للشعار المرفوع" الجبهة الوطنية العريضة  "و انتخاب قياده مركزية موحدة  وإصدار بيان سياسي هام ،حدد مهام الثورة على الصعيد المحلي والعربي والعالمي.  بهذا الاعلان تم توحيد الأداة النضالية للشعب العماني وهو انجاز تاريخي كبير مهد للوحدة الوطنية لاحقا  واليها ينسب هذا الفضل .

في فجر يوم ١٩تموز ١٩٧٢م  بدأت معركة مرباط  الشهيرة اعدت الجبهة حوالي ثلاثمائة مقاتل للهجوم على  مدينة الشهداء "مرباط التاريخية " وهي اكبر معركة في تاريخ الثورة. اشتركت قوات الفرق ومجموعة من المهام الخاصة البريطانية مع مجموعة من عناصر الجيش الملكي الاردني  في هذه المعركة ،استشهد تقريبا ٢٩ شهيدا بطلا في مقدمتهم  الشهيد  البطل علي مسعود وأصيب واسر حوالي ١٢ اسيرا بطلا   كانت معركة تاريخية .  ورغم البطولات التي شهد بها الاعداء فقد حقق النظام نصرا مفصليا  في تاريخ الحرب الثورية يؤذن ببدء العد التنازلي للثورة.

  كانت التحديات كبيرة والصراع حارق وغير متكافئ بين الطرفين كان الثوار يقاتلون بالإرادة الثورية والشجاعة  النادرة في ظروف معقده وصعبة . لقد قامت الجبهة  باستمرار بعملية مراجعة نقدية لمسيرتها الثورية وان لم تكن جذرية. لقد استنفرت كل القوى الرجعية المحلية والاقليمية واعتبرت القضاء على الثورة ولجم تجلياتها وتفاعلاتها  عنوان يومي .على اثر التدخل الايراني .عقدت  الجبهة مؤتمرها الرابع في عام ١٩٧٤م اعلنت تغيير اسمها الى الجبهة الشعبية لتحر يرعمان .عجيب امر الحركات الوطنية العربية كلما توحد الخصوم  انقسمت تحت شعارات الخصوصية الوطنية. في عام   ١٩٩٢م  عقدت الجبهة مؤتمرها الاخير بعد خلافات كبيرة في صفها القيادي .طرح فريق قيادي جملة موضوعات خطيره  خلاصتها  تغير اسم الجبهة وشطب برنامجها السياسي  تحت شعار ما قامت الثورة  لأجله قد تم تحقيقة.  مما يعني انهاء الثورة نظريا وعمليا .

 بدأت بعض  رموز  هذا الفريق تعمل جديا  لإنهاء الثورة ،  لم يستطيع  فريق  الأغلبية  الملتف حول الامين العام  والحريص على وحده الجبهه  و استمرار الثورة ،استيعاب مدلولات هذا الطرح مبكرا وعللها بتباينات في وجهات النظر، كالتي تحصل في كل حركة ثورية  من على قاعدة وطنية ، لم يكن هذا التقديرعلى  ما يبدو  سليما.  كانت المعطيات الموضوعية  صعبه ومعقدة  وتبدو الآفاق  مغلقة تماما ،ولم يلوح  ما يوحي بغير ذلك . بعد تدخل القوى الثورية في الخليج واليمن تم التوافق على تغير اسم الجبهة بشطب كلمة التحرير من اسمها وتسميتها باسم جديد هو الجبهة الشعبية الديمقراطية العمانية  ببرنامج سياسي جديد  وتوافق  قيادي  . قدم تقرير سياسي خلاصته بأن المهمة المركزية لم تعد  إسقاط النظام  .

وفي سياق التبرير لهذا التحول  اعلن البيان السياسي  جمله  مفادها بان هدف  التحرير لم يعد بمقدور الجبهة تحقيقه  ولم يعد مرغوبا من قبل الجماهير، كان  الشق الأول  سليما ومنطقيا  وفق معطيات تلك الفترة الزمنية بينما الشق الاخر  يمكن اعتباره ارتجالا  متسرعا مستمدا من مناخ الاحباط  .منذ ذلك التاريخ  تم التوقف عن اي نشاط سياسي او اعلامي  والانسحاب التدريجي من المشهد السياسي بدون ضجيج  ولذلك الامر اسبابا كثيرة منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي ..

وان كان لم يحن الوقت بعد للحديث عن الجانب الذاتي. .موضوعيا كان  انهيار المعسكر الاشتراكي الحليف الكبير  للجبهة ولكل القوى الثورية العربية والعالمية زلزال كبير لم يكن احد يتوقعه .تفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية ، والغزو العراقي للكويت وما احدثه  من خلل في تركيبة النظام العربي الرسمي وانحسار الحركة الوطنية العربية والاندفاع اليمني نحو الوحدة والانفصال كان له بالغ الاثر على الجبهة حيث تعتبر  اليمن الديمقراطي  الحليف الاول للجبهة  .كانت الحرب اليمنية مؤلمة جدا فالجنوب يخوض حرب عادلة بشعار الانفصال الخاطئ " ينما يخوض الشمال حرب ظالمة بشعار الوحدة  العادل " تابع ما تبقى من  الرفاق بصمت ايقاع الزمن المتحول لعل الايام  تنبيء   بالمفاجأت .

لقد مثلت ثورة التاسع من يونيو بأحلامها وامالها وتضحياتها  ظاهره فريده في تاريخ النضال الوطني العماني  وتقف بتضحيات شهدائها خلف كل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عمان .لقد شكلت أنبل ظاهرة في تاريخ الكفاح الشعبي  وأصبحت مكون رئيسي من مكونات الوعي الإجتماعي حاضرا ومستقبلا ولا  يقلل من قيمتها اي اخطاء او هفوات مهما كانت ، فالعمل السياسي الثوري في تلك الظروف لم يكن سهلا كما يتراءى  اليوم . المهم هو مقدره التصحيح والاستفادة من دروس التجربه  الغنيه  .   ان الأحلام والأهداف  الكبرى  مهما اعترض سبيل تحقيقها من صعوبات لا تموت ولاتسقط بالتقادم وإنما تتشكل من جديد  في كل مرحلة بالعصر الذي تعيشه.  كانت الثورة رغم عظمتها واشعاعها  كمأساة اغريقية .لاحقا دبجت العرائض امام محكمة التاريخ تدعي ملكيتها ، لمحو عار الايام . كانت ثورة التاسع من يونيو المجيدة  ابن شرعي للمجتمع ولدت من رحم المعاناه و ناضلت بقواها الذاتية  المتواضعة  في ظروف قاسية  ومجافيه لطموحاتها ،  لقد كانت حقا  ثوره الفقراء والمضطهدين، هل كانت ثورة مغدورة ؟ لم تخلو بيت من شهيدة او شهيد او جريحة  او جريح  او اسيرة او اسير،  او مناضلة او مناضل  حمل الكلاشنكوف في صفوف جيش التحرير الشعبي و المليشيا الشعبية . تأتي هذه المناسبة العزيزة بالتزامن مع بدء موجات من  الحراك   المطلبي   الشعبي والجماهيري المتقطع  وسط  حاله من  الغليان  والاحتقان  الشديد و المستمر  والذي يتجلى بأشكال مختلفة  دون ان يلامس بعد مكامن الخلل ومواقع الوجع  ، من جراء السياسيات الاقتصادية والاجتماعية المأزومه والمتراكمه منذ خمسين عام ولاتزال في ظل الدوله الريعيه التي تحمل أزمتها   في تكوينها الذاتي   والتي وصلت على ما يبدو إلى الطريق المسدود  في كل الإقليم  حيث  تفاقمت  أزمتها البنيوية بشكل أوضح  مع الهجوم الإمبريالي الصهيوني على المنطقة  واستباحه الاقليم الممزق باشكال متعدده   ومنها وصفات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية  الدولية  الداعيه إلى رفع  اليد عن المسؤولية الاجتماعية مما يلحق أضرارا كبيرة بمعظم  الشرائح الاجتماعية والفقيره منها بشكل مباشر .

 الامر الذي  يعطي لهذه المناسبة الغاليه نكهه ومذاق خاص ويعيد لرؤيتها التغييرييه الديمقراطية  كامل المشروعية باعتبارها قد طرحت البديل التاريخي  . لم  تغادر الثورة  وجدان الجماهير ابدا. وظل الحنين الى ايام الكرامه والعنفوان الثوري يكتسب مشروعيته  مع تراكم الاحباطات والانكسارات الذاتية . .يقول الرفيق عبدالعزيز القاضي عضو اللجنة التنفيذية المركزية للجبهة حينها والأمين العام للجهة لاحقا في خطابة الشهير في الذكرى الثانية عشر لانطلاق الثورة العمانية عام ١٩٧٧م  والذي قدم خلاله مراجعة تاريخية هامة  تحت شعار "لنناضل من اعداه بناء أنفسنا من جديد فكريا وسياسيا وعسكريا ومواصلة الحرب الثوريه"  ان يوم التسع من يونيو ١٩٦٥م  يوم عظيم في تاريخ شعبنا العظيم. ليس هذا فقط بل هو اعظم يوم  على الإطلاق في تاريخ شعبنا المناضل،  ليس هناك في تاريخ شعبنا الا الان ، يوم اعظم من يوم التاسع من يونيو ١٩٦٥م ليس هناك في تاريخ شعبنا الطويل احب الى قلوب شعبنا  او اكثر اشراقا او اكثر  بطولة او اكثر روعة او اكثر خلودا من يوم التاسع من شهر يونيو ١٩٦٥م "ويقول في نفس الخطاب "لقد مثلت ٩يونيو رمزا لثورة الناس الاكثر فقرا في كل المنطقة العربية ،ولثورة المناطق  الاشد والاشد تخلفا في العالم ،رمزا لثورة كبيرة ناضلت بحكم فقرها بصمت وظل الناس يتحدثون عنها اكثر بعشرات المرات مما تتحدث هي عن نفسها "سيبقى ٩يونيو رمزا كبيرا جبارا  للمستقبل المشرق .

في الذكرى السادسة والخمسون  لانطلاقتها  المجيده  نقف  تقديرا واجلالا  لكل ارواح  الشهيدات والشهداء الذين سالت دماء هم على ثرى هذا الوطن الطاهر .تحية للمرأة العمانية العظيمة التي حملت البندقية الثورية ، تحية لكل المناضلات والمناضلين الشرفاء،  تحيه لكل المناضلين في الخليج العربي  والجزيرة والوطن العربي الكبير وعلى الصعيد العالمي  الذين ساهموا كلا من موقعة في هذه الملحمة البطولية  ، تحيه كبيره  للرفاق في اليمن الديمقراطي  وللحزب  الطليعي الحزب الاشتراكي اليمني  الذين  وقفوا بإخلاص ونزاهة مع الثوره وتحملوا الكثير من المتاعب على مواقفهم المبدئية  ،  تحيه  للرفاق في البحرين  الذين لهم مساهمه بارزه في الثوره تحيه للحركه الوطنيه  الكويتية بقيادة الرمز القومي الكبير الدكتور احمد الخطيب الذين احتضنوا بواكير العمل الوطني وتحيه لروح مؤسس  حركه القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين   القائد التاريخي  الثوري والاممي الكبير الدكتور جورج حبش  ،  تحية  خاصة للصديق العزيز  القائد الوطني والتقدمي الكبير الرفيق عبدالعزيز القاضي الامين العام للجبهة  الحافظ الامين للتراث الثوري العظيم والتحية كل التحية للشعب العماني البطل .

التعليقات

الصورة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة