أدب وثقافة

سيرة كاتبة تشيكية مع المرض والموت..

"سماء بلا قاع" تدور في بيئات مختلفة

الوقت الجمعة 17 أغسطس 2018 8:23 ص
"سماء بلا قاع"  تدور في بيئات مختلفة

اليوم الثامن حصلت على جائزة "مجنيزيا ليترا" أرفع جائز أدبية تشيكية

حكاية الموت ليست كلها مؤلمة، إنها حكاية تجليات الذاكرة بحلوها ومرها، والبحث عن الإفلات من الألم والانفراد بالذات والتوق إلى الحرية، وقد قدمت الأديبة التشيكية هانا أندرونيكوفا (1967 -2011) في روايتها "سماء بلا قاع" حكايتها مع مرض السرطان وانتظار الموت من خلال بطلتها "أما"، فكتبت روحا مختلفة لتشكل عملا روائيا فريدا وإن اقترب إلى أن يكون سيرة ذاتية.
"سماء بلا قاع" الرواية الثانية لأندرونيكوفا - والتي ترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار ابن رشد بالقاهرة - أصدرتها بعد توقف دام ما يقرب من ثمانية أعوام بعد مجموعتها القصصية عام 2002 "قلب فوق سنارة صيد". والتي سبقتها بعام رواية "صوت الساعة الشمسية". 
صدرت رواية "سماء بلا قاع" عام 2010 وحصلت عنها في العام التالي على جائزة "مجنيزيا ليترا" أرفع جائز أدبية تشيكية، وحصلت كذلك على جائزة القراء. وقد كشف البلتاجي أن فترة توقف أندرونيكوفا كانت طويلة نسيبًا، وصنعت علامة استفهام كبيرة لدى النقاد، وخاصة تجاه أديبة نالت ثناء النقاد والقراء على أعمالها السابقة.  

عملية الكتابة الإبداعية لا يمكن تحديدها
البطلة تنتقل بين أماكن نائية

وقد علقت الأديبة على هذه التساؤلات حينها، وقالت "إن الرواية ظهرت منذ فترة بعيدة. وقد قال الأديب النيجيري هول سوينكا في إحدى أحاديثه إنه يكتب بلا توقف، رغم أنه لا يكتب. هذا هو ما حدث معي. عملية الكتابة الإبداعية لا يمكن تحديدها. فبداية رواية سماء بلا قاع الأولى كانت منذ عام 2002". منذ تلك الفترة وأوندرونيكوفا تكتب بصورة متقطعة، وتفرغت لكتابة الرواية كاملًا مع نهاية عام 2007.
وأضاف: إنها رواية تحسب على أدب السيرة الذاتية، وبالتالي تختلف عن روايتها الأولى "صوت الساعة الشمسية". تختلف عن باقي الأعمال التشيكية الأخرى بأنها تدور في بيئات مختلفة. تتنقل فيها البطلة بين أماكن نائية؛ في غابات الأمازون الاستوائية وصحراء نيفادا، والقدس. 
"سماء بلا قاع" هي عن الحرية. رواية البحث عن السياقات، والاستفاقة أو بالأحرى التذكر. من الضروري أن نذكر أن بطلة الرواية "أمَا" تصاب بمرض سرطان الثدي "مثلما حدث للأديبة في الواقع". لهذا السبب نجد أن الصراع مع السرطان هو جزء من الحكاية وليس جوهرها. وقد يتوقع القارئ أن تكون رواية كهذه مفعمة بالعاطفة ومشاعر التعاطف والرثاء والحزن، لكن العكس هو الصحيح.
وقال البلتاجي إن الجزء الأكبر من الرواية عبارة عن مونولوج داخلي للبطلة أمَا، ويوميات في صورة رسائل بريدية مع أصدقائها، وأحلام وهلاوس ورؤى ترافق البطلة طوال الرواية. 
وأوضح أن الموت في الرواية يشكل بوابة إلى حكاية أمَا ودليلًا يرافقكَ طوال القراءة. في البداية تلتقي أمَا بالموت عندما يحتضر أبوها ثم يموت. احتضار الأب وموته تيمةٌ شائعة في الأدب التشيكي في السنوات الأخيرة. لكنه في هذه الرواية مجرد مقدمة إلى حكاية أخرى. تبدأ القصة الرئيسية عندما تقترب أمَا البطلة من الموت بعد أن تكتشف مرضها بسرطان الثدي. فتبدأ صراعًا مع المرض، ليس بالنوم فوق فراش المستشفى، بل بحقيبة فوق ظهرها وترحال في البلاد. يعد السفر رحلة روحية هدفها البحث عن الذات والوصول إلى المعرفة.
وأكد البلتاجي أن مستوى اللغة يتبدل في الرواية بصورة كبيرة. تمامًا مثلما تتغير البطلة وحكايتها. الكلمات أثناء تواجدها في أدغال الأمازون تتعثر، وتتلجلج. تتداخل مثل نبتة متعرشة فوق جدار صلب. تصيب القارئ بالارتباك. تصفعه الكلمات والجمل نحو الحائط، وسرعان ما يخضع لها، ويسلم لها وسط دوامة الغابة الاستوائية. لكنه يصاب أحيانًا بالملل والإرهاق. تتبدل الأوضاع عندما تغادر أمَا المستعمرة وسط الغابة حيث الشامان وجلسات الأياواسكا والحشرات والبحيرة الفائرة. تتوجه أمَا إلى الشمال، إلى صحراء نيفادا الأميركية. هناك يهدأ الحكي، ويصير الحكي أكثر عمقًا ورِقّة. تتحول البطلة المحاربة للمرض التي تحاول أن تصل إلى عمق الأدغال وتتحد معها، تتحول إلى رحالة تتعلق رؤيتها بسطح الأشياء، وتترك نفسها تتأرجح فوقها. تذكرنا بعض مشاهد إقامتها في صحراء نيفادا وسط الهنود الحمر بإعلانات السجائر الأميركية: 
"صارت ملامح المكان أكثر حدة، والرؤية أفضل وسط الضوء الخافت. نجلس صامتين. تتداخل الظلال، وجيلْ يدخن، وينظر بعينين مواربتين إلى أماكن اختفى فيها الكاوبوي وسط التراب مع حصانه.
أسمع صوت أفكاري وهى تتداعى، أسراب من الأسئلة تتراقص، وأحاول أن أوقفها. ويصير الأمر بسيطًا في حضرة هذا الرجل. عندما أفكر في الأمر يحدث. أنا ممتنة لأنه يبدو طبيعيًّا وهو يتحدث. لا يتقمص دور عالم ولا طبيب روحاني ولا معلم. يا لها من راحة. عندما يقول إنه مجرد إنسان عادي فهو ليس مدعيًا بل هي حقيقة خالصة".   
مقاطع أخرى قد تصيبنا رومنسيتها بالدهشة عندما نقارنها بالوصف القاسي للأدغال:

الصراع مع السرطان هو جزء من الحكاية وليس جوهرها
الجزء الأكبر من الرواية عبارة عن مونولوج داخلي للبطلة 

"بعد المراسم تدور العروس، توجه الشكر إلى اتجاهات العالم الأربع، ثم إلى العريس ومن بعده إلى كل المشاركين في الحفل. أتمنى أن تغادروا حفل الزفاف هذا ومعكم لمسات حبنا الشافية. يسقط صوتها، وتلمع عيناها بالدموع، وتواصل شفتاها الحركة دون صوت وكأنها تصلي. مايك يبدو كأسعد رجل في العالم".
الجزء الرابع من الرواية الذي يعد أكثر نجاحًا نعتبره قاسيًا. البطلة تصف بصراحة ودون مواربة عملية العلاج الكيميائي التي خضعت لها في نهاية الأمر، لا يخلو السرد فيها من سخرية أحيانًا لاذعة من الذات:
"يبدأ يومي بنزهة، أي بعد أن أقف على قدمي بعد جرعة الكيماوي. في الأيام الأولى أتهادى كالكسيحة. يساعدني في هذا الغناء: الخيول صارت تغضبني. إنها أغنية من تراثنا الشعبي حول فرس السهول التشيكية. تابعني مؤخرًا بعض المراهقين وأنا أغنيها إلى درجة أنهم كادوا يسقطون وسط الثلوج. هل تعرف هذه الأغنية؟
ويحكِ، الساعة الثامنة والنصف وترغبين في الحديث. هذا ما أسميه طيور الصباح". 
لكن هذا الحزن والاضطراب تطفئه ذكرى أمها التي تلقي بضوئها على ابنتها مثل منارة تضيء أكثر أجزاء الرواية ظلامًا، وتظهر فيها نغمات التصالح والهدوء التي تعلو وتتصاعد لتشكل أجواء النهاية.
إن كانت بداية الرواية قد كرستها الأديبة للحديث عن الموت والتنافر، فإن الجزء الأخير منها يتحدث عن التصالح والتناغم. أمَا تسافر إلى القدس، وتصير جزءًا من حكاية أخرى محتملة تجوب العالم. 

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة