تحليلات
الدخول في التحالفات الإقليمية..
مصر وإسرائيل.. تحطم الحواجز السياسية وثبات المواقف النفسية
انتهاكات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة أنست قطاعا من الشباب العرب مآسيهم في بلدانهم
العقود الأربعة التي مضت على توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، لم تفلح في كسر الحواجز النفسية. نعم حدثت قفزات على المستوى السياسي، لكن القادة العرب لم يفلحوا في اختراق وجدان شعوبهم لحساب إسرائيل. ربما لا يريدون، أو يفضلون، التمسك بهذه الورقة ليقينهم أن الصراع لن ينتهي بتوقيع معاهدة سلام.
تمر ذكرى كامب ديفيد اليوم الاثنين، ولم يعد يتذكرها الجيل الحالي من المصريين والعرب، وحتى الأجيال السابقة فقدت حماسها في مقاومتها ورفض التطبيع، وأحجمت عن خوض معارك سياسية مع الحكومات المتعاقبة وطواحين الهواء. ترى الزيارات السياسية المتبادلة بين القاهرة وتل أبيب كأنها شيء عادي، والتعاون الأمني يمضي على وتيرة لم يتوقعها كثيرون.
الحواجز والممانعات و”التابوهات” سقطت لدى غالبية المصريين، بحكم توالي الأزمات الداخلية، وكثافة الصراعات العربية، والانقسامات الفلسطينية، وسقوط خياريْ التسوية والمقاومة، وظهور مساحات مشتركة للتعاون، سرا وعلانية، بين إسرائيل ودول عربية عدة.
كل ذلك لم يفلح في تجاوز الأبعاد السلبية الكامنة عند قطاع كبير من المواطنين، كأن الجينات تلعب دورا خفيا. بماذا نفسر رفض شاب لا علاقة له بالسياسة وفي مقتبل حياته العملية، التعاون مع شركة إسرائيلية متخصصة في تكنولوجيا المعلومات؟
التغير اللافت في استخدام وتوظيف المصطلحات، ينطوي على رغبة في ضبط المعادلة مع إسرائيل، ربما بغرض فرملة اندفاعات أخرى مجهولة
كان قريب لي تخرج حديثا في كلية الهندسة، جاءته فرصة جيدة للعمل في شركة أميركية عالمية، من ضمن الأسئلة التي وجهت له: هل تقبل الذهاب إلى إسرائيل وزيارة شركاتها، ضمن مهام الوظيفة الجديدة؟
رد بعفوية وحسم برفض الذهاب لإسرائيل مهما كانت الإغراءات، بل وعدم التعامل مع أي إسرائيلي، أو أي جهة تتعاطف معها صراحة، ولو عبر الوسائل التكنولوجية.
الوظيفة ذهبت لغيره، واعتبره الممتحنون متشددا في موقفه السياسي. أصيب والده بالحسرة على الراتب السخي الذي ضاع منه. عندما سألت الشاب، وهو لا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد، ولا يعرف اسم رئيس الحكومة في بلده، عن سبب موقفه، قال حرفيا “وجدت نفسي أرد بتلقائية بالرفض، ودارت في ذهني صور سلبية”.
سألته عن حجم الخسارة التي أدى إليها موقفه وصعوبة الحصول على فرصة مماثلة، قال “لا يهم، لن أتعامل مع إسرائيليين في حياتي، وهذا موقف كل أصدقائي”، وبدأ يعدد نماذج لتجاوزات كنت أعتقد أنها لن تلفت انتباهه أبدا.
إجابته أثارت حيرتي، بعدها اكتشف أن جيلا مختلفا نشأ لم تخدعه الأطنان من كلمات السلام المعسولة، بينما تفتحت عيون جيلي على مفردات المقاومة ورفض التطبيع واسترداد الحقوق الفلسطينية، وعاصرنا فترة أنصار كوبنهاغن، من كتاب وسياسيين، كونوا بعد مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، جماعة تؤيد استكمال التسوية السياسية مع الفلسطينيين، غالبيتهم من اليسار في مصر وإسرائيل، نظموا في عاصمة الدنمارك (كوبنهاغن) مؤتمرا، تعرضوا فيه لهجمات قاسية وصلت حد التخوين.
عندما يحتفظ نفر من جيلي بأفكار الممانعة يبدو الأمر مفهوما، ولو من باب المكابرة وعدم الاعتراف بالهزيمة السياسية التي تجاوزت نتائجها أسوأ ما توقعه أعتى الرافضين، كذلك حققت أسوأ ما كان يحلم به أنصار كوبنهاغن، لأن التسوية التي تأسست بتوقيع معاهدة السلام مع مصر في 26 مارس 1979 وتوقيع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين في 13 سبتمبر 1993، ثم وادي عربة مع الأردن في 26 أكتوبر من العام التالي، لم تستكمل حلقاتها حتى اليوم.
السنوات الماضية بكل مراراتها السياسية لم تقنع الجيل الذي يعيش فترة انكسارات عامة بالنظر إلى إسرائيل ككيان طبيعي في المنطقة. قريبي الذي تحدثت عنه جعلني أفكر كثيرا، لماذا أقدم على فعل الرفض المعنوي؟ لماذا لم تؤثر فيه الدعاية الإسرائيلية البراقة وبعض التسريبات العربية الخبيثة التي تعزف على وتر إنساني مفتعل؟
ما يحدث على الساحة يصب في صالح قناعة الشاب التلقائية التي يتعامل بها، ويوحي أن هناك علاقة طردية بين الليونة السياسية والأمنية بين القاهرة وتل أبيب، وما لحق بهما من تطورات إيجابية ظاهرة، وبين رفض التطبيع، أو حتى قبول إسرائيل من باب الأمر الواقع.
الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنست قطاعا من الشباب العرب مآسيهم في بلدانهم وسوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال. التحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة لتثبيت أقدام إسرائيل في القدس المحتلة، أشعرتهم أن الظلم بلغ حدا قاسيا. محاولة طمس قضية اللاجئين بكل عجرفة، خطوة جديدة في سجل الانحيازات الأميركية السافرة لإسرائيل والتي لن تنتهي عند تدشين صفقة القرن.
الإعلام العربي، والمصري تحديدا، لم يتوقف عن تناول القضية الفلسطينية، وفشلت الخلافات بين حركتي فتح وحماس في تسليط الأضواء بعيدا عن تجاوزات إسرائيل، وحتى لو كانت الأولى أدت إلى فقدان القضية الكثير من زخمها، والثانية استثمرت بغطرسة في توظيف المعاناة السياسية والاقتصادية، دون حد أدنى من الاعتبار للمعايير الدولية والإنسانية، وكان من الطبيعي أن تتعلق عقول وقلوب شباب بما يرون من مشاهد مفزعة على الفضائيات.
إسرائيل التي تتصور أنها اخترقت المجال السياسي في العديد من الدول العربية وأصبحت تنتظر الدخول في تحالفات إقليمية، تضعها مع بعض عواصمنا في كفة واحدة، لم تحسن قراءة الكثير من تفاصيل المشهد العربي.
الحواجز والممانعات و"التابوهات" سقطت لدى غالبية المصريين، بحكم توالي الأزمات الداخلية، وكثافة الصراعات العربية، والانقسامات الفلسطينية
البعض من القيادات العربية يرى أن انخراطهم في علاقات مع إسرائيل يضر بسمعتهم أمام مواطنين لا زالوا يرون فيها عدوا تاريخيا، وأن المسألة مصيرية وتتجاوز حديث الحواجز النفسية الذي درجت على تكراره تل أبيب منذ بداية الصراع العربي – الإسرائيلي واختزاله فيها فقط، لذلك يحاول هؤلاء تحقيق توازن في تصرفاتهم، والتوفيق بين تفاهمات الضرورة وبين ثوابت القيم الاستراتيجية.
تحليل مضمون بعض ما ينشر في عدد من وسائل الإعلام المصرية من ألفاظ سياسية، يؤكد كثافة استخدام كلمات من نوعية: الصهيونية والاحتلال الصهيوني والحكومة المتطرفة والمجازر الإسرائيلية وغيرها من الألفاظ التي تؤكد في مجملها عمق العداء مع إسرائيل، انطلاقا من مواقف أيديولوجية، عكس ما يحاول أن يبثه من تفاؤل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر “تغريداته” وكذلك قناة الجزيرة القطرية.
الكلمات التي تحمل عداء واضحا لم تكن تتردد في أوج الرفض الشعبي للتطبيع، كان من يرددها يتعرض للتجريس على المستوى الإسرائيلي، وينال لوما شديدا من الحكومة المصرية.
التغير اللافت في استخدام وتوظيف المصطلحات، ينطوي على رغبة في ضبط المعادلة مع إسرائيل، ربما بغرض فرملة اندفاعات أخرى مجهولة، فيصبح التشدد الإعلامي الذي انتقل أحيانا لمواقع التواصل الاجتماعي، في شكل سخرية من إسرائيل، مقابلا للمرونة السياسية الرسمية، بمعنى أنه يحقق مصلحة لدى صناع القرار.
المعطيات السابقة بكل تشابكاتها، من الطبيعي أن تُوجد تيارا يحمل رفضا لإسرائيل. وإذا أضفنا فشل عنصر السطحية الذي يخيّم على فئة من الشباب في إبعادهم عن الاهتمام بإسرائيل، سوف نجد جيلا يعارض لأسباب تتجاوز الحسابات السياسية. فهذه الفئة استقرت فكرة المعارضة بالفطرة في وجدانها، وهي أشد خطورة على إسرائيل في المستقبل. والدليل المظاهرات التي تخرج في قطاع غزة والضفة الغربية ومعظم المشاركين فيها والمتعاطفين معها من الشباب، ما يرسم صورة قاتمة للسلام الذي تريده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.