تطورات اقليمية
طبول حرب تتصاعد..
تحشيد حوثي واسع يهدد الهدنة ويفتح سيناريوهات تصعيد عسكري شامل
حوثيون شمال اليمن_ ارشيف
تشهد خارطة الصراع في اليمن تحولات ميدانية متسارعة مع تصاعد وتيرة التحشيد الحوثي على عدة جبهات داخلية، في مؤشر يعكس انتقال الجماعة من مرحلة التهدئة الحذرة إلى إعادة اختبار قدراتها الهجومية. مصادر عسكرية أكدت وصول تعزيزات بشرية وآليات قتالية إلى محاور مأرب والحديدة والحدود الشمالية، وهي جبهات تمثل مفاتيح استراتيجية لأي تغيير محتمل في موازين القوى على الأرض.
في محافظة مأرب، التي لا تزال تمثل خط الدفاع الاقتصادي والعسكري الأبرز للقوات الحكومية، تبدو التحركات الحوثية محاولة لاستنزاف خطوط الإمداد وخلق ضغط تدريجي على الجبهات الأمامية، خصوصاً في جبهة الكسارة. وصول مجاميع مقاتلة من مديرية بني الحارث، بعد تدريبات مكثفة، يعكس توجهاً نحو تنفيذ عمليات محدودة لكنها متكررة، بهدف إرباك الدفاعات وفرض معادلة استنزاف طويلة الأمد بدلاً من هجوم شامل سريع.
أما في الساحل الغربي، فإن الدفع بتعزيزات إلى الحديدة يحمل دلالات تتجاوز البعد المحلي، نظراً لحساسية المنطقة المرتبطة بالممرات البحرية الدولية في البحر الأحمر. هذه التحركات قد تكون جزءاً من استراتيجية ضغط غير مباشر على خطوط الملاحة، أو محاولة إعادة تنشيط جبهات ظلت هادئة نسبياً خلال السنوات الماضية، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد متدرج قد يمتد تأثيره إلى خارج الحدود اليمنية.
الجبهات الحدودية الشمالية شهدت بدورها وصول مجاميع قتالية جديدة قادمة من عمران بقيادة قيادات ميدانية معروفة داخل الجماعة، وهو ما يشير إلى أن التحشيد لا يهدف فقط إلى مواجهة محتملة مع القوات الحكومية، بل أيضاً إلى تعزيز خطوط الدفاع الأمامية تحسباً لأي تغيرات إقليمية مفاجئة. هذا التوسع في الانتشار العسكري يعكس إدراكاً حوثياً بأن المرحلة المقبلة قد تحمل ضغوطاً متعددة الاتجاهات، سواء عسكرية أو سياسية.
التحركات الأخيرة توحي بوجود نمط جديد في إدارة المعركة، حيث تسعى الجماعة إلى توزيع ثقلها القتالي على عدة محاور في وقت واحد، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة وإرباك خصومها. هذه الاستراتيجية تعتمد على خلق حالة من الضبابية الميدانية، بحيث يصعب تحديد الجبهة الرئيسية للتصعيد، وهو أسلوب سبق أن استخدمته الجماعة في مراحل سابقة لتحقيق مكاسب تدريجية دون الانخراط في معارك واسعة مكلفة.
سياسياً، يأتي هذا التحشيد في لحظة تتسم بجمود المسار التفاوضي وغياب مؤشرات واضحة على تقدم في جهود السلام. بعض التقديرات ترى أن الجماعة تحاول تحسين شروطها قبل أي جولة تفاوض جديدة، عبر فرض واقع عسكري يرفع سقف مطالبها. وفي المقابل، قد تدفع هذه التحركات الأطراف الأخرى إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية، ما يخلق دائرة تصعيد متبادلة قد يصعب احتواؤها سريعاً.
الانعكاسات المحتملة لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى الوضع الإنساني والاقتصادي الهش أصلاً. أي انهيار للهدنة الأممية سيعيد فتح خطوط المواجهة الواسعة، ما قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتعطّل خطوط الإمداد، خصوصاً في المناطق القريبة من حقول النفط وموانئ البحر الأحمر. كما أن عودة العمليات البرية المكثفة قد تعيد البلاد إلى مرحلة الاستنزاف المفتوح التي عانى منها اليمن لسنوات.
ورغم أن بعض المراقبين يرون في التحشيد مجرد ورقة ضغط تفاوضية، فإن حجم التعزيزات وتزامنها عبر عدة جبهات يشيران إلى أن احتمالات التصعيد الفعلي تبقى قائمة. وبين حسابات الميدان وتعقيدات السياسة، تبدو الهدنة الهشة منذ عام 2022 أقرب إلى اختبار قاسٍ، قد يحدد ما إذا كان اليمن متجهاً نحو جولة حرب جديدة أم نحو إعادة صياغة توازنات الصراع بوسائل أقل صخباً وأكثر تعقيداً.