تقارير
الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأمريكية..
من القمع إلى الدبلوماسية.. لماذا يظهر أحمدي مقدم في المشهد التفاوضي؟
أثار حضور إسماعيل أحمدي مقدم ضمن الوفد الإيراني المشارك في المباحثات التي استضافتها إسلام آباد تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية، بشأن طبيعة الرسائل التي تسعى طهران إلى تمريرها عبر تركيبة وفدها التفاوضي.
ففي الوقت الذي تُشكَّل فيه الوفود الدبلوماسية عادة من شخصيات ذات خلفيات سياسية أو تقنية، برز إدراج شخصية أمنية ذات سجل مثير للجدل بوصفه مؤشرًا على أولوية المقاربة الأمنية داخل بنية القرار الإيراني، حتى في سياقات يفترض أنها تفاوضية.
وضم الوفد الإيراني، الذي ترأسه محمد باقر قاليباف، كلاً من وزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، إلى جانب علي أكبر أحمديان، ما يعكس تنوعًا ظاهريًا في التمثيل، يقابله حضور لافت لثقل أمني داخل الوفد.
يرتبط اسم أحمدي مقدم بمرحلة حساسة من تاريخ إيران الحديث، خصوصًا خلال أحداث عام 2009، عندما كان يشغل منصب قائد قوى الأمن الداخلي. وتشير تقارير حقوقية إلى دور هذه القوات في التعامل العنيف مع الاحتجاجات آنذاك، بما في ذلك اقتحام سكن طلابي في طهران، وما تبعه من انتهاكات أثارت انتقادات دولية.
كما ارتبط اسمه بمركز احتجاز "كهريزك"، الذي أُثيرت حوله اتهامات بسوء معاملة المحتجزين، إضافة إلى الجدل الذي صاحب قضية وفاة المدون الإيراني ستار بهشتي أثناء الاحتجاز.
وفي سياق أحدث، أعاد أحمدي مقدم توصيف الاحتجاجات المرتبطة بقضية مهسا أميني ضمن إطار أمني، وهو ما يعكس استمرار المقاربة ذاتها في قراءة الحراك الداخلي.
إلى جانب الخلفية الأمنية، طُرحت خلال سنوات سابقة اتهامات تتعلق بتجاوزات مالية داخل مؤسسات مرتبطة بقوى الأمن الداخلي. ورغم غياب معالجات قضائية واضحة لهذه الملفات في المجال العام، فإن تداولها يعزز من الجدل حول طبيعة الشخصيات التي يتم الدفع بها إلى واجهات تمثيلية خارجية.
يشير إدراج شخصية أمنية ضمن وفد تفاوضي إلى أن المقاربة الإيرانية لا تفصل بشكل حاد بين المسارين الأمني والدبلوماسي. بل يبدو أن طهران تسعى إلى توظيف أدوات متعددة في إدارة ملفاتها الخارجية، بما في ذلك الرسائل غير المباشرة المرتبطة بتوازنات القوة.
وفي هذا السياق، تعكس تركيبة الوفد تصورًا أوسع لطبيعة التفاوض، حيث لا يقتصر على الملفات التقنية، بل يمتد ليشمل أبعادًا سياسية وأمنية متداخلة.
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار التباينات بين إيران والأطراف الدولية بشأن عدد من القضايا الجوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي. وقد أشار جي دي فانس إلى غياب التزام واضح من جانب طهران فيما يتعلق بعدم تطوير أسلحة نووية، في حين أقرت تصريحات رسمية إيرانية بوجود فجوات قائمة في مسار التفاوض.
يعكس حضور أحمدي مقدم ضمن الوفد الإيراني في إسلام آباد طبيعة مركبة لصناعة القرار في طهران، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المسارات الدبلوماسية. ويطرح ذلك تساؤلات حول حدود المرونة السياسية للنظام، وإمكانية تحقيق اختراقات حقيقية في ظل هذا التداخل البنيوي.
في المحصلة، لا يبدو أن الرسالة الإيرانية تقتصر على التفاوض بقدر ما تمتد إلى إعادة التأكيد على ثوابت داخلية في إدارة السلطة، وهو ما قد يحد من فرص التوصل إلى تفاهمات مستدامة في المدى القريب.