الاقتصاد
ثروة معطلة وحروب..
تقرير: قطاع الطاقة اليمني بين الاحتياطيات الضخمة والانهيار الإنتاجي المزمن منذ الحرب
محطة عدن للطاقة الشمسية
يمتلك قطاع الطاقة في اليمن واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية تعقيداً وتناقضاً في المنطقة؛ فالدولة الواقعة على أطراف شبه الجزيرة العربية تجلس فوق احتياطيات معتبرة من النفط والغاز، وتملك موقعاً جغرافياً يمنحها أهمية استراتيجية في معادلات الطاقة والممرات البحرية، لكنها في المقابل تعيش حالة شلل شبه كامل في هذا القطاع الحيوي نتيجة الحرب والانقسام السياسي والانهيار المؤسسي.
وعلى امتداد العقود الماضية، لم يتحول النفط والغاز في اليمن إلى رافعة تنموية حقيقية كما حدث في دول الخليج المجاورة، رغم التشابه الجيولوجي وامتداد الأحواض النفطية. بل بقي القطاع رهينة الاضطرابات السياسية وضعف البنية التحتية وغياب الاستقرار، قبل أن تدخل البلاد منذ عام 2014 مرحلة انهيار واسعة دفعت الإنتاج إلى أدنى مستوياته التاريخية.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن رحلة البحث عن النفط في اليمن بدأت مبكراً منذ عام 1938، عندما حاولت شركة نفط العراق تنفيذ أعمال استكشافية في حضرموت والمهرة، غير أن الاكتشافات التجارية تأخرت لعقود طويلة بسبب محدودية البنية الفنية وانسحاب الشركات الأجنبية وعدم الاستقرار السياسي.
ولم يبدأ التحول الفعلي إلا في منتصف الثمانينيات، عندما نجحت شركة “هانت أويل” الأمريكية في اكتشاف النفط تجارياً في مأرب عام 1984، قبل أن يبدأ الإنتاج الفعلي عام 1986. وبعدها توسعت الاكتشافات لتشمل شبوة ومناطق أخرى، مدفوعة بدخول شركات عالمية مثل “إكسون موبيل” و”توتال” و”دي إن أو” النرويجية.
وخلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، عاش قطاع النفط اليمني ما يمكن وصفه بـ”العصر الذهبي”، حيث ارتفع الإنتاج تدريجياً حتى بلغ ذروته التاريخية عام 2002 بإنتاج وصل إلى 457 ألف برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ بدء الإنتاج التجاري.
لكن هذا الصعود لم يستمر طويلاً. فمع تصاعد الأزمات السياسية وتراجع الاستثمارات وبدء تدهور الوضع الأمني، دخل القطاع مرحلة انحدار متسارع، قبل أن يتلقى الضربة الأكبر مع اندلاع الحرب الأهلية وسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014.
وبحسب أحدث البيانات، تراجع إنتاج النفط اليمني إلى نحو 47 ألف برميل يومياً فقط في عام 2024، أي بانخفاض يقارب 90% مقارنة بذروة الإنتاج قبل عقدين. ويعكس هذا الانهيار حجم الضرر الذي أصاب البنية النفطية وخطوط التصدير وبيئة الاستثمار في البلاد.
ورغم هذا التراجع الحاد في الإنتاج، لا تزال احتياطيات النفط اليمنية مستقرة عند نحو 3 مليارات برميل، وهو ما يشير إلى أن المشكلة الأساسية ليست في نضوب الموارد، بل في تعطل القدرة على استغلالها وتصديرها ضمن بيئة مستقرة وآمنة.
وفي ملف الغاز الطبيعي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فاليمن يمتلك احتياطيات غازية تقدر بنحو 16.9 تريليون قدم مكعبة، وهي احتياطيات وضعت البلاد ضمن قائمة الدول القادرة على لعب دور إقليمي في تجارة الغاز المسال، خصوصاً بعد تدشين مشروع “بلحاف” العملاق في شبوة.
ويمثل مشروع بلحاف أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ اليمن الاقتصادي؛ إذ جرى تطويره بتكلفة بلغت نحو 5 مليارات دولار، وبقدرة إنتاجية وصلت إلى 6.7 مليون طن سنوياً من الغاز المسال، ما جعل اليمن لفترة قصيرة ضمن كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال في المنطقة.
وبدأت صادرات الغاز اليمنية فعلياً عام 2009، قبل أن تبلغ ذروتها في عام 2013 عند نحو 9.9 مليار متر مكعب، مدفوعة بعقود طويلة الأجل مع شركات آسيوية وأوروبية، بينها “كوغاز” الكورية و”إنجي” الفرنسية و”توتال”.
غير أن الحرب أوقفت كل شيء تقريباً. فمنذ عام 2016 توقفت صادرات الغاز بالكامل نتيجة الانهيار الأمني والهجمات على خطوط الإمداد وحقول الإنتاج، ما حرم اليمن من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد المنهك.
وتحول مشروع بلحاف، الذي كان يُنظر إليه بوصفه بوابة اليمن نحو سوق الطاقة العالمية، إلى منشأة شبه معطلة وسط صراع سياسي وعسكري معقد حول مستقبلها ودورها الاقتصادي والأمني.
وفي موازاة انهيار النفط والغاز، يعيش قطاع الكهرباء في اليمن أزمة غير مسبوقة. فالشبكة الوطنية فقدت قدرتها على تلبية الحد الأدنى من الطلب، بينما تراجعت معدلات استهلاك الفرد من الكهرباء إلى مستويات تُصنف ضمن الأدنى عالمياً.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 12% فقط من السكان يعتمدون حالياً على الشبكة العامة للكهرباء، في حين اضطر ملايين اليمنيين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة لتوفير احتياجاتهم الأساسية.
وفي ظل هذا الانهيار، برزت الطاقة الشمسية بوصفها “طوق نجاة” لكثير من الأسر والمؤسسات، حيث ارتفعت مساهمتها في مزيج الكهرباء بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والانقطاعات المستمرة للكهرباء الحكومية.
كما بدأت الحكومة اليمنية تنفيذ عدد من مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصاً في عدن ولحج والضالع وشبوة، في محاولة لتخفيف الاعتماد على الوقود المستورد وتقليص العجز في الإمدادات الكهربائية.
وفي خطوة تعكس محاولة مواكبة التحولات العالمية في سوق الطاقة، صادقت الحكومة اليمنية أيضاً على مشروع لإنتاج الهيدروجين الأخضر بالشراكة مع شركة ألمانية واستثمارات دولية تقدر بنحو 3 مليارات دولار، في مشروع يُنظر إليه باعتباره محاولة لفتح باب جديد أمام الاقتصاد اليمني مستقبلاً.
لكن رغم هذه الخطوات، يبقى مستقبل قطاع الطاقة اليمني مرهوناً بدرجة كبيرة بمآلات الحرب والتسوية السياسية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج أو الاحتياطيات، بل بغياب الدولة القادرة على إدارة الموارد وحماية المنشآت وخلق بيئة استثمار مستقرة.
ويجمع خبراء الطاقة على أن اليمن يمتلك إمكانات تؤهله للعودة إلى سوق الطاقة الإقليمية والدولية إذا تحقق الاستقرار، إلا أن استمرار الصراع يجعل هذه الثروات مجمدة في باطن الأرض، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية فوقها.
وتبدو مفارقة الطاقة في اليمن قاسية وواضحة؛ بلد يمتلك النفط والغاز والموقع الاستراتيجي، لكنه يعيش واحدة من أسوأ أزمات الطاقة والكهرباء في المنطقة، فيما تظل منشآت عملاقة مثل بلحاف شاهداً على مشروع اقتصادي كبير أوقفته الحرب قبل أن يكتمل.