تحليلات
"من عاصفة الحزم إلى مصافحة الحوثيين"..
التدخل السعودي في اليمن.. كيف انتهت الحرب على الانقلابيين إلى شرعنة الذراع الإيرانية وتهيئة بيئة لعودة القاعدة؟
التدخل السعودي لم يفشل فقط في تحقيق أهدافه، بل أسهم في إعادة إنتاج الأزمة اليمنية نفسها - أرشيف
لم يكن التدخل السعودي في اليمن مشروعاً لبناء الدولة أو استعادة الشرعية بقدر ما كان تدخلا لإدارة المجال الحيوي السعودي جنوب الجزيرة العربية. ولذلك تعاملت الرياض مع القوى اليمنية ذات التوجه الديني الوهابي، باعتبارها أدوات مرحلية لتحقيق توازنات أمنية وسياسية تخدم المصالح السعودية. وعندما تعذر الحسم العسكري ضد الحوثيين، انتقلت السعودية من استراتيجية المواجهة إلى استراتيجية التسوية المباشرة مع الذراع الإيرانية، بحثاً عن مخرج آمن من الحرب، حتى وإن أدى ذلك إلى تجاوز حلفائها وإعادة إنتاج الأزمة اليمنية بصيغة جديدة الرابح فيها طهران لا الرياض.
المقدمة
تُمثل التدخلات السعودية في اليمن منذ عام 2011 واحدة من أكثر التجارب الإقليمية إثارة للجدل في الشرق الأوسط المعاصر، فبعد أكثر من عقد من التدخل السياسي والعسكري والاقتصادي، لم يتحقق أي من الأهداف المعلنة التي رفعتها الرياض عند دخولها الأزمة اليمنية، سواء ما يتعلق بإعادة بناء الدولة، أو استعادة الشرعية، أو إنهاء التمرد الحوثي، أو حماية الاستقرار الإقليمي.
وعلى العكس من ذلك، انتهى المسار السعودي إلى واقع أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل التدخل؛ إذ توسع نفوذ الحوثيين، وصعد تنظيم القاعدة بشكل أكبر، وتعمقت الانقسامات السياسية، وتفككت مؤسسات الدولة، وتفاقمت الأزمات الإنسانية والاقتصادية، بينما تحولت الحرب إلى استنزاف طويل انتهى بمحاولات سعودية متسارعة لعقد تفاهمات مباشرة مع الحوثيين بعيداً عن القوى اليمنية التي رفعت الرياض شعار الدفاع عنها لسنوات.
جوهر الأزمة التي أحدثها التدخل السعودي لا يكمن فقط في فشل أدوات التدخل ، بل في طبيعة المقاربة السعودية نفسها، التي تعاملت مع اليمن باعتباره ساحة لإدارة التوازنات الإقليمية وحماية الأمن السعودي أكثر من كونه دولة تمتلك قضايا سياسية وتاريخية تحتاج إلى حلول عادلة ومستدامة.
كما تفترض أن السياسة السعودية تجاه الجنوب اتسمت بازدواجية واضحة؛ فمن جهة استفادت الرياض من الدور الجنوبي في مواجهة الحوثيين والإرهاب، ومن جهة أخرى عملت على منع أي تحول سياسي جنوبي يمكن أن ينتج مشروعاً مستقلاً يمتلك قراراً سيادياً خارج المظلة السعودية. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من السياسات المناهضة، وصولا إلى حملة عسكرية سعودية واسعة استهدفت الجنوب، بدعوى ان تلك العملية العسكرية هدفه الوفاء بالتزامات سعودية تجاه اليمن الموحد الذي يحتل الحوثيون عاصمته منذ عقد ونصف..
ولم تكن التفاهمات السعودية الحوثية خلال الفترة 2022-2025 تعبيراً عن نجاح سياسي أو اقتراب من السلام، بل كانت انعكاساً لرغبة سعودية متزايدة في الخروج من الحرب بأقل الخسائر الممكنة، حتى لو اقتضى ذلك الاعتراف الضمني بالأمر الواقع الذي فرضه الحوثيون، وتجاوز القوى اليمنية الأخرى، وتحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى إدارة مؤقتة للأزمة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التدخلات السعودية باعتبارها جهوداً أخفقت في تحقيق أهدافها فحسب، بل باعتبارها أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في إعادة إنتاج الأزمة اليمنية وتعقيدها وإطالة أمدها، من خلال تجاهل القضية الجنوبية، وإضعاف القوى المحلية الحليفة، وتقديم أولويات الأمن السعودي على متطلبات الحل السياسي العادل.
أزمة التدخل السعودي في اليمن
لم تبدأ أزمة التدخل السعودي في اليمن عند لحظة إطلاق الطائرات أو إعلان العمليات العسكرية، بل بدأت منذ اللحظة التي جرى فيها تعريف الأزمة اليمنية تعريفاً خاطئاً. فمنذ عام 2011 تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره ملفاً أمنياً يقع ضمن نطاق الحماية التقليدي للأمن القومي كما يقول وزير الدفاع خالد بن سلمان، وليس باعتباره دولة تعيش أزمة تاريخية عميقة تتعلق ببنية السلطة وشكل الدولة والعلاقة بين الشمال والجنوب ومستقبل العقد السياسي اليمني. هذا الخلل في التشخيص قاد بصورة طبيعية إلى خلل مماثل في السياسات والقرارات اللاحقة، إذ انصبت الجهود السعودية على إدارة مظاهر الأزمة بدلاً من معالجة أسبابها، وعلى احتواء نتائج الانهيار بدلاً من معالجة العوامل التي أنتجت ذلك الانهيار.
تعتقد السعودية أنها نجحت في أكثر من محطة في تأجيل الانفجار، لكنها لم تنجح في إزالة أسبابه. فالمبادرة الخليجية التي قدمت باعتبارها مخرجاً سياسياً للأزمة اليمنية لم تؤسس لمرحلة انتقالية جديدة بقدر ما أعادت إنتاج النظام القديم بصيغة مختلفة. فقد جرى الحفاظ على مراكز النفوذ التقليدية نفسها، ومنح الحصانة لرموز السلطة السابقة، وإعادة توزيع السلطة بين القوى القديمة تحت عنوان الانتقال السياسي. وبدلاً من تفكيك البنية التي قادت إلى الانفجار الشعبي، تم الحفاظ عليها وإعادة تدويرها. وفي الوقت نفسه جرى تجاهل القضية الجنوبية، وهي القضية التي كانت تمثل أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في اليمن منذ سنوات طويلة، وكأن المطلوب كان إنتاج تسوية شمالية داخلية أكثر من بناء عقد سياسي جديد يشمل جميع الأطراف.
ومع انتقال العملية السياسية إلى مؤتمر الحوار الوطني ظهرت مشكلة أخرى أكثر عمقاً. فقد افترضت الرياض أن جمع الأطراف اليمنية حول طاولة واحدة كفيل بإنتاج توافق سياسي مستدام، متجاهلة أن المشكلة الأساسية لم تكن في غياب الحوار بقدر ما كانت في غياب الإرادة والقدرة على تنفيذ أي مخرجات تنتج عنه. ولهذا انتهى الحوار الوطني إلى وثائق سياسية واسعة وطموحة، لكنها بقيت بلا أدوات تنفيذ حقيقية. وفي الوقت الذي كانت فيه القوى السياسية تناقش شكل الدولة ومستقبل الدستور، كان الحوثيون يوسعون نفوذهم العسكري على الأرض ويستعدون للسيطرة على صنعاء. وهنا برز أحد أهم مظاهر القصور في المقاربة السعودية، وهو الاعتقاد بأن النصوص السياسية قادرة وحدها على ضبط الوقائع العسكرية المتحركة.
وعندما سقطت صنعاء بيد الحوثيين انكشف حجم الفجوة بين التصورات السعودية والواقع اليمني. فقد راهنت الرياض لفترة طويلة على إمكانية احتواء الحوثيين سياسياً وإدماجهم داخل العملية السياسية، لكنها اكتشفت متأخرة أن الجماعة كانت تتعامل مع السياسة باعتبارها امتداداً للعمل العسكري بوسائل مختلفة. ومع ذلك استمرت الأخطاء ذاتها في التكرار. فبدلاً من مراجعة شاملة للمقاربة السابقة، جرى الانتقال إلى الخيار العسكري دون بناء استراتيجية سياسية متكاملة لما بعد الحرب.
لقد دخلت السعودية حرب عام 2015 وهي تمتلك تفوقاً جوياً هائلاً ودعماً إقليمياً ودولياً واسعاً، لكنها لم تكن تمتلك تصوراً واضحاً لليمن الذي تريد بناءه بعد انتهاء العمليات. ولهذا تحولت الحرب تدريجياً من عملية يفترض أنها قصيرة ومحدودة إلى واحدة من أطول الحروب وأكثرها استنزافاً في المنطقة. ومع مرور الوقت أصبحت إدارة الحرب هدفاً بحد ذاته، بينما تراجع الحديث عن الأهداف الأصلية التي أعلنت عند انطلاق العمليات العسكرية.
كما أن السياسة السعودية وقعت في تناقضات حادة في إدارة حلفائها المحليين. فمن جهة كانت بحاجة إلى قوى محلية قادرة على مواجهة الحوثيين على الأرض، ومن جهة أخرى كانت تخشى من تحول هذه القوى إلى مراكز نفوذ مستقلة تمتلك مشروعاً سياسياً خاصاً بها. وظهر هذا التناقض بوضوح في التعامل مع القوى الجنوبية التي لعبت دوراً محورياً في تحرير مناطق واسعة ومكافحة التنظيمات الإرهابية. فبدلاً من تحويل هذا الإنجاز إلى مدخل لمعالجة القضية الجنوبية، جرى التعامل معه بوصفه تحدياً يجب احتواؤه وضبطه ضمن السقوف التي تفرضها الرؤية السعودية لمستقبل اليمن.
ومع استمرار الحرب وتزايد تكلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بدأت أولويات الرياض تتغير بصورة تدريجية. فبعد أن كان الهدف المعلن يتمثل في هزيمة الحوثيين واستعادة الدولة، أصبح الهدف الفعلي يتمثل في تأمين الحدود السعودية وتقليص التهديدات المباشرة القادمة من الشمال اليمني. ومع هذا التحول بدأت التفاهمات المباشرة بين السعودية والحوثيين تأخذ مكانها في المشهد السياسي، وهو تحول يعكس بصورة واضحة حجم الفجوة بين الخطاب الذي رافق التدخل منذ بدايته والنتائج التي انتهى إليها.
ومن منظور نقدي، فإن أكبر إخفاق في السياسة السعودية لم يكن الفشل في هزيمة الحوثيين عسكرياً، بل الفشل في فهم طبيعة الأزمة اليمنية نفسها. فقد تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره ساحة صراع أمني وجيوسياسي، بينما كانت الأزمة في جوهرها أزمة دولة وهوية وتمثيل سياسي وشراكة وطنية. ولذلك ظلت كل الحلول التي جرى إنتاجها تدور حول إدارة التوازنات وموازين القوى، دون الاقتراب من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل الجنوب وشكل الدولة وطبيعة النظام السياسي. ونتيجة لذلك لم تؤد التدخلات السعودية إلى إنهاء الصراع، بل أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إعادة إنتاجه بأشكال جديدة أكثر تعقيداً، حتى وصلت الرياض نفسها في نهاية المطاف إلى البحث عن تسوية مع الخصم الذي دخلت الحرب أساساً لمنع صعوده.
تداعيات التدخلات السعودية في اليمن
لم تتوقف تداعيات التدخلات السعودية في اليمن عند حدود الإخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة، بل امتدت لتنتج سلسلة من الأزمات المتراكمة التي أعادت تشكيل المشهد اليمني بأكمله. فبعد أكثر من عقد من الانخراط السياسي والعسكري المباشر وغير المباشر، لم تبدُ اليمن أقرب إلى الاستقرار أو الدولة أو التسوية، بل أصبحت أكثر انقساماً وهشاشة وفقراً مما كانت عليه قبل بدء هذه التدخلات. ولم يكن ذلك نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات التي تعاملت مع أعراض الأزمة بدلاً من جذورها.
فعلى المستوى السياسي، أدى التدخل السعودي إلى إضعاف فكرة الدولة الجامعة بدلاً من تعزيزها. فخلال سنوات الصراع جرى إنتاج عدد كبير من مراكز القرار والسلطات المتنافسة، وأصبحت الشرعية التي قُدمت باعتبارها المظلة السياسية للحرب عاجزة عن ممارسة سلطتها حتى في المناطق الواقعة نظرياً تحت نفوذها. ومع مرور الوقت تحولت المؤسسات الرسمية إلى هياكل شكلية تعتمد في بقائها على الدعم الخارجي أكثر من اعتمادها على شرعية داخلية أو قدرة فعلية على إدارة الدولة. وبينما كانت الحرب تُخاض تحت شعار استعادة الدولة، كانت الدولة نفسها تتآكل تدريجياً حتى فقدت كثيراً من وظائفها الأساسية.
وفي الوقت ذاته برزت أزمة ثقة عميقة بين المكونات اليمنية المختلفة. فالقوى التي شاركت في مواجهة الحوثيين وجدت نفسها في كثير من الأحيان أمام سياسات متناقضة ومبادرات غير مكتملة واتفاقات لا تُنفذ. ومع تراكم هذه التجارب تراجعت الثقة بين الحلفاء أنفسهم، وأصبح الصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين لا يقل تعقيداً في بعض المراحل عن الصراع مع الحوثيين أنفسهم. وقد انعكس ذلك على مجمل العملية السياسية التي تحولت من مشروع لاستعادة الدولة إلى ساحة مفتوحة للتنافس على النفوذ والتمثيل والموارد.
أما الجنوب فقد وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة لعب دوراً محورياً في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، ومن جهة أخرى ظل يواجه تجاهلاً مستمراً لقضيته السياسية الأساسية. وقد أدى هذا التناقض إلى تعميق الشعور الجنوبي بأن تضحياته العسكرية لم تقابل باعتراف سياسي حقيقي، وأن القوى الإقليمية والدولية ما تزال تنظر إلى الجنوب من زاوية وظيفية مرتبطة بالحرب لا من زاوية كونه طرفاً سياسياً يمتلك قضية وطنية مستقلة. ومع مرور السنوات تحول هذا الشعور إلى أحد أهم عوامل التوتر وعدم الاستقرار في المشهد اليمني.
وعلى المستوى الأمني، أفرزت سنوات الحرب واقعاً شديد التعقيد. فبدلاً من احتكار الدولة للسلاح، شهد اليمن توسعاً غير مسبوق في عدد التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز القوة العسكرية. وأصبحت السيطرة الأمنية موزعة بين أطراف مختلفة لكل منها أجنداتها وحساباتها الخاصة. كما أدى استمرار الحرب إلى خلق بيئات مناسبة لنشاط الجماعات المتطرفة التي استغلت الفراغات الأمنية والانقسامات السياسية لتوسيع حضورها في بعض المناطق. وهكذا تحول الأمن، الذي كان أحد أبرز المبررات المعلنة للتدخل، إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً بعد سنوات من الصراع.
اقتصادياً، كانت النتائج أكثر قسوة. فقد تعرض الاقتصاد اليمني إلى عملية استنزاف طويلة أدت إلى تراجع الإنتاج وتوقف كثير من الأنشطة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة. كما أدت القيود المفروضة على الموانئ وحركة التجارة وتوقف صادرات النفط في مراحل مختلفة إلى حرمان الدولة من أهم مواردها المالية. وأمام غياب رؤية اقتصادية متكاملة لإدارة المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، أصبحت الأزمة الاقتصادية جزءاً دائماً من الحياة اليومية للمواطنين، وتحولت المعاناة المعيشية إلى أحد أبرز ملامح المشهد اليمني المعاصر.
ولم تكن الأزمة الإنسانية سوى الوجه الأكثر وضوحاً لهذه التحولات. فقد أنتجت الحرب واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث اتسعت دوائر النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي وتراجعت الخدمات الصحية والتعليمية إلى مستويات خطيرة. وأصبحت قطاعات واسعة من السكان تعتمد على المساعدات الإنسانية للبقاء. والمفارقة أن السنوات التي شهدت أكبر حجم من التدخلات والمبادرات الدولية والإقليمية كانت أيضاً السنوات التي شهدت أكبر معدلات التدهور الإنساني.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه تمثلت في المفارقة التي انتهى إليها الصراع. فبعد سنوات طويلة من الحرب التي رُفعت فيها شعارات مواجهة الحوثيين والحد من نفوذهم، خرج الحوثيون من الحرب أكثر قوة ونفوذاً مما كانوا عليه عند بدايتها. فقد تمكنوا من ترسيخ سلطتهم في مناطق واسعة، وبناء قدرات عسكرية متطورة، وفرض أنفسهم طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية. وفي المقابل، وجدت السعودية نفسها تنتقل تدريجياً من موقع الساعي إلى هزيمة الحوثيين إلى موقع الباحث عن تفاهمات مباشرة معهم لضمان أمن حدودها والخروج من الحرب بأقل الخسائر الممكنة.
وتكشف هذه النتيجة عن واحدة من أهم مفارقات التدخل السعودي في اليمن؛ إذ إن المسار الذي بدأ تحت عنوان منع صعود الحوثيين انتهى عملياً إلى الاعتراف بهم بوصفهم القوة الأكثر تأثيراً في شمال اليمن. كما أن المشروع الذي رفع شعار استعادة الدولة انتهى إلى واقع تتوزع فيه السلطة بين كيانات متعددة، لكل منها مؤسساتها وقواتها ومجالات نفوذها الخاصة.
وبذلك يمكن القول إن الأزمات التي تعيشها اليمن اليوم ليست مجرد آثار جانبية لحرب طويلة، بل هي حصيلة مباشرة لمسار سياسي وعسكري تعامل مع الأزمة اليمنية باعتبارها ملفاً أمنياً قابلاً للإدارة، في حين كانت في حقيقتها أزمة بنيوية عميقة تتطلب حلولاً سياسية شاملة. ولهذا فإن معظم الأزمات التي أفرزتها سنوات التدخل ما تزال قائمة حتى اليوم، بل إن كثيراً منها أصبح جزءاً من البنية الجديدة للصراع، الأمر الذي يجعل أي تسوية مستقبلية مطالبة بالتعامل مع إرث ثقيل من الانقسامات والاختلالات التي تراكمت خلال أكثر من عقد من الزمن.
لأزمة اليمنية اليوم أمام لحظة مفصلية
بعد أكثر من عقد من التدخلات السياسية والعسكرية، تبدو الأزمة اليمنية اليوم أمام لحظة مفصلية تختلف عن جميع المراحل السابقة. فالحرب التي بدأت بشعارات استعادة الدولة وإسقاط الحوثيين انتهت إلى واقع سياسي وعسكري جديد فرضته موازين القوى على الأرض. ولم يعد السؤال الأساسي يدور حول إمكانية الحسم العسكري، بل حول طبيعة التسوية التي يجري الإعداد لها، ومن هي الأطراف التي ستستفيد منها، وما إذا كانت قادرة فعلاً على إنهاء الصراع أم أنها ستشكل مجرد محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الأزمات المؤجلة.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الأولوية السعودية لم تعد متمثلة في إعادة تشكيل اليمن أو إعادة بناء الدولة اليمنية، بقدر ما أصبحت تتمثل في تأمين الحدود الجنوبية للمملكة وتقليص التهديدات الأمنية المباشرة القادمة من الأراضي اليمنية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول التدريجي من استراتيجية المواجهة المفتوحة مع الحوثيين إلى استراتيجية التفاهمات والاتصالات المباشرة معهم. فهذا التحول لا يعكس بالضرورة تغيراً في طبيعة الحوثيين أو في مشروعهم السياسي، بل يعكس تغيراً في الحسابات السعودية نفسها بعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي.
غير أن المشكلة الأساسية في هذا المسار تكمن في أنه يتعامل مع نتائج الأزمة أكثر مما يتعامل مع أسبابها. فالتفاهمات الثنائية بين السعودية والحوثيين قد تنجح في خفض مستوى التوتر على الحدود أو وقف الهجمات المتبادلة، لكنها لا تقدم إجابة واضحة عن مستقبل الدولة اليمنية، ولا عن شكل النظام السياسي القادم، ولا عن مصير القضايا الكبرى التي كانت سبباً رئيسياً في اندلاع الصراع واستمراره. ولهذا فإن أي تسوية تُبنى على تفاهمات أمنية بين طرفين فقط ستكون معرضة لإعادة إنتاج الأزمة بمجرد تغير الظروف أو اختلال موازين القوى.
وتبرز القضية الجنوبية باعتبارها الاختبار الأكثر حساسية لأي مشروع تسوية مستقبلي. فخلال السنوات الماضية جرى التعامل مع هذه القضية في معظم المبادرات السياسية باعتبارها ملفاً يمكن احتواؤه عبر ترتيبات إدارية أو حصص سياسية أو مشاركة حكومية، في حين أن جوهر القضية يتجاوز هذه الاعتبارات بكثير. فالجنوب يمتلك اليوم واقعاً سياسياً وعسكرياً مختلفاً عن ذلك الذي كان قائماً قبل عام 2015، كما أن التحولات التي شهدها المجتمع الجنوبي خلال العقد الأخير جعلت من الصعب العودة إلى الصيغ التقليدية التي كانت مطروحة في مراحل سابقة.
ومن هنا فإن أي تسوية لا تتعامل بجدية مع القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية قائمة بذاتها، ستواجه أزمة شرعية وأزمة استقرار في الوقت نفسه. ذلك أن تجاهل الجنوب كان أحد أسباب تعثر المبادرة الخليجية، وكان أحد أسباب فشل المرحلة الانتقالية، كما أنه ظل عاملاً حاضراً في معظم الأزمات التي رافقت سنوات الحرب. وبالتالي فإن إعادة إنتاج النهج نفسه لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج النتائج نفسها.
وفي المقابل، لا تبدو التفاهمات السعودية الحوثية قادرة بمفردها على بناء سلام مستدام. فالطرفان يتفاوضان انطلاقاً من مصالح أمنية مباشرة، بينما تبقى القضايا الوطنية اليمنية الأوسع خارج دائرة الحسم الحقيقي. كما أن هذه التفاهمات تمنح الحوثيين اعترافاً سياسياً متزايداً دون أن تفرض عليهم بالضرورة تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة أو الشراكة السياسية أو مستقبل السلاح. ولذلك فإنها قد تؤدي إلى تثبيت الأمر الواقع أكثر مما تؤدي إلى بناء سلام شامل.
وعلى المستوى الأوسع، تكشف التجربة اليمنية خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2025 عن حدود قدرة التدخلات الإقليمية على فرض حلول مستدامة في الدول التي تعاني أزمات بنيوية عميقة. فقد أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية قادرة على تغيير موازين القوى، لكنها غير قادرة بمفردها على بناء شرعية سياسية. كما أثبتت أن إدارة التحالفات المحلية لا تكفي لإنتاج دولة مستقرة ما لم تقترن بمشروع سياسي واضح يعالج جذور الأزمة. والأهم من ذلك أن تجاهل القضايا الجوهرية وتأجيل معالجتها قد يمنح الأطراف المتدخلة مكاسب مؤقتة، لكنه غالباً ما يؤدي إلى تراكم أزمات أكبر في المستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل اليمن لن يتحدد فقط بمآلات التفاهمات السعودية الحوثية، بل بمدى قدرة أي عملية سياسية قادمة على معالجة الأسئلة التي ظلت مؤجلة طوال سنوات الصراع: شكل الدولة، وطبيعة الشراكة السياسية، ومستقبل الجنوب، وإعادة بناء المؤسسات، وتوزيع السلطة والثروة. فهذه القضايا لم تختفِ خلال سنوات الحرب، وإنما ازدادت تعقيداً وأصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الخطر الأكبر الذي يواجه اليمن اليوم لا يتمثل في استمرار الحرب وحده، بل في احتمال الانتقال إلى تسوية ناقصة تعالج المخاوف الأمنية للدول المتدخلة وتترك جذور الأزمة اليمنية من دون حل. فمثل هذه التسويات قد تؤدي إلى تهدئة مؤقتة، لكنها لن تؤسس لاستقرار دائم، وستبقي احتمالات عودة الصراع قائمة بأشكال مختلفة وفي أوقات مختلفة.
إن الدرس الأبرز الذي تكشفه تجربة الأعوام الماضية يتمثل في أن الاستقرار لا يُصنع عبر إدارة الأزمات أو إعادة توزيع النفوذ بين القوى المتصارعة، وإنما عبر معالجة الأسباب التي أنتجت تلك الأزمات منذ البداية. وما لم يتحقق ذلك، فإن اليمن سيبقى معرضاً للدخول في دورات جديدة من الصراع مهما تغيرت أسماء الاتفاقات أو تبدلت طبيعة التحالفات.
تكشف التطورات الأمنية في المحافظات الجنوبية خلال الفترة الأخيرة عن بعد آخر من أبعاد الأزمة اليمنية، يتعلق بمستقبل الجماعات المتطرفة ومدى تأثير التحولات السياسية والعسكرية الجارية على نشاطها. فبينما انصب الاهتمام الإقليمي والدولي على مسار التفاهمات بين السعودية والحوثيين، ظلت التهديدات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية تتحرك في مساحة أقل ظهوراً، لكنها لا تقل خطورة عن بقية التحديات التي تواجه الجنوب واليمن عموماً.
ووفقاً لمصادر عسكرية وأمنية تحدثت إلى مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، فإن تنظيم القاعدة وافق على هدنة غير معلنة بدأت في الثاني من يناير الماضي وتمتد حتى الثاني من سبتمبر من العام نفسه، أي لمدة ثمانية أشهر. وتشير المصادر إلى أن هذه الفترة شهدت انخفاضاً نسبياً في وتيرة بعض الأنشطة العسكرية المباشرة للتنظيم مقارنة بمراحل سابقة، غير أن ذلك لم يؤدِّ إلى توقف عملياته بصورة كاملة.
فخلال فترة الهدنة نفسها نُسبت إلى التنظيم عمليات إرهابية بارزة استهدفت شخصيات وقوى فاعلة في الجنوب، كان من أبرزها الهجوم الذي استهدف موكب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مديرية مودية بمحافظة أبين، إضافة إلى عملية اغتيال طالت مسؤولاً أمنياً بارزاً في المديرية ذاتها. وتثير طبيعة هذه العمليات تساؤلات حول حدود الالتزام الفعلي بالهدنة، وحول الجهات التي استفادت من استمرار استهداف القوى الأمنية والعسكرية الجنوبية خلال فترة يفترض أنها شهدت تهدئة مؤقتة.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات بالنظر إلى أن معظم العمليات التي شهدتها مناطق أبين وشبوة خلال السنوات الماضية استهدفت بصورة رئيسية القوات الجنوبية والأجهزة الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وهي القوى التي خاضت المواجهات الأكثر مباشرة مع تنظيم القاعدة منذ عام 2016. وقد أدى ذلك إلى بروز قراءات أمنية ترى أن التنظيم لم يتخلَّ عن أهدافه العملياتية، بل أعاد ترتيب أولوياته بما يتناسب مع التحولات الجارية في البيئة الأمنية والعسكرية.
وتشير المصادر الأمنية إلى أن الخطر الأكبر قد لا يكمن في العمليات الحالية بقدر ما يكمن في المرحلة التي تعقب انتهاء الهدنة المفترضة في سبتمبر المقبل. فبحسب هذه التقديرات، استفاد التنظيم خلال الأشهر الماضية من تراجع مستوى الضغط العسكري والأمني الذي كان مفروضاً عليه خلال السنوات السابقة، كما استفاد من حالة التفكك التي أصابت بعض التشكيلات المتخصصة في مكافحة الإرهاب، ومن التغيرات التي شهدتها خريطة الانتشار العسكري في عدد من المحافظات الجنوبية.
وتربط هذه المصادر بين تنامي المخاوف الأمنية الحالية وبين التحولات التي أعقبت خروج القوات الإماراتية التي لعبت دوراً رئيسياً في الإشراف على برامج مكافحة الإرهاب وتأمين عدد من المناطق التي كانت تشكل معاقل تقليدية للتنظيم. فخلال تلك المرحلة تعرضت شبكات التنظيم لضربات قاسية أفقدته حرية الحركة وأضعفت قدرته على التمويل والتجنيد والتنقل. أما اليوم، فإن حالة التراخي الأمني وتراجع الرقابة على بعض طرق التهريب والمسارات الجبلية والصحراوية تخلق، وفق هذه التقديرات، بيئة أكثر ملاءمة لإعادة بناء القدرات اللوجستية والعسكرية للتنظيم.
ومن منظور أوسع، فإن هذه التطورات تعكس أحد أهم الآثار غير المباشرة للتحولات التي شهدتها الاستراتيجية السعودية في اليمن خلال السنوات الأخيرة. فمع انتقال الأولوية من المواجهة العسكرية الواسعة إلى البحث عن ترتيبات تهدئة وتسويات سياسية، تراجع الاهتمام بالملفات الأمنية المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة مقارنة بما كان عليه الحال في سنوات سابقة. كما أن انشغال القوى المحلية والإقليمية بإعادة ترتيب موازين القوى السياسية والعسكرية خلق فراغات أمنية يمكن أن تستفيد منها الجماعات المتشددة لإعادة تنظيم صفوفها.
قد تكون هناك علاقة مباشرة بين مسار التهدئة مع الحوثيين ونشاط تنظيم القاعدة، فالوقائع الميدانية تشير إلى أن أي تراجع في الجهود الأمنية المنظمة ضد التنظيمات الإرهابية جراء الحملة العسكرية السعودية الأخيرة على الجنوب، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها على إعادة التموضع واستعادة جزء من نشاطها السابق. ولذلك فإن التحدي الأمني الذي يواجه الجنوب خلال المرحلة المقبلة قد لا يقتصر على مستقبل العلاقة بين الحوثيين والقوى المناهضة لهم، بل يمتد أيضاً إلى احتمال عودة تنظيم القاعدة كلاعب أمني وعسكري أكثر نشاطاً إذا استمرت الظروف الحالية دون معالجة فعالة.
ووفق التقديرات الأمنية المتعلقة بإعادة بناء القدرات العسكرية للتنظيم، فإن الأشهر التي تلي انتهاء الهدنة المفترضة قد تشهد تصاعداً في مستوى التهديدات الأمنية، خصوصاً في المحافظات الجنوبية التي ظلت تمثل ساحة المواجهة الرئيسية بين التنظيم والقوات المحلية خلال السنوات الماضية. وهو ما يجعل ملف مكافحة الإرهاب أحد أكثر الملفات حساسية في أي نقاش يتعلق بمستقبل الاستقرار في الجنوب واليمن عموماً.
تفسير مسار التدخلات السعودية في اليمن
من خلال تحليل مسار التدخلات السعودية في اليمن خلال الفترة (2011–2025)، يمكن تفسير طبيعة الأزمة اليمنية الحالية، والعلاقة بين السياسات السعودية ومسارات الصراع والتحولات التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير، حيث يتضح أن الإخفاق السعودي في اليمن لم يكن نتيجة التعقيدات الميدانية أو التدخلات الخارجية فحسب، بل ارتبط بصورة جوهرية بخلل في تشخيص طبيعة الأزمة اليمنية، حيث جرى التعامل معها باعتبارها تهديداً أمنياً وعسكرياً، في حين كانت تمثل أزمة بنيوية تتعلق بشكل الدولة وطبيعة النظام السياسي والعلاقة بين مكونات المجتمع اليمني.
فالمبادرة الخليجية نجحت في منع الانهيار الفوري للنظام السياسي عام 2011، لكنها أخفقت في معالجة الأسباب العميقة للأزمة، وأسهمت في إعادة إنتاج مراكز النفوذ التقليدية وإدامة الاختلالات التي قادت لاحقاً إلى انهيار العملية الانتقالية.
ويمثل تجاهل القضية الجنوبية شكّل أحد أبرز أوجه القصور في المقاربة السعودية منذ بداية الأزمة، إذ جرى التعامل مع الجنوب باعتباره ملفاً فرعياً داخل الأزمة اليمنية، رغم كونه أحد أهم محددات الاستقرار السياسي ومستقبل الدولة.
مؤتمر الحوار الوطني الذي مثّل فرصة مهمة لمعالجة التناقضات البنيوية داخل اليمن، إلا أن ضعف الرعاية السياسية وغياب آليات التنفيذ الفعالة وتعنت الأطراف المتصارعة نتيجة للدور السعودي الواضح أدى إلى إفشاله وتحويل مخرجاته إلى وثائق غير قابلة للتطبيق.
لقد كانت التقديرات السعودية لطبيعة جماعة الحوثي وقدراتها السياسية والعسكرية كانت تقديرات غير دقيقة، الأمر الذي انعكس على مجمل السياسات التي اتُبعت خلال مرحلتي الحوار والحرب، فالتدخل العسكري الذي بدأ عام 2015 افتقر منذ لحظاته الأولى إلى رؤية سياسية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب، وهو ما أدى إلى تحول العمليات العسكرية من مشروع حسم سريع إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.
لقد تحالفت السعودية مع قوى الإسلام السياسي والجماعات الدينية الوهابية متباينة المصالح والولاءات وهو ما أسهم في إضعاف فعالية الجهود العسكرية والسياسية، وأدى إلى نشوء صراعات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فالحرب أسهمت في تعزيز نفوذ الحوثيين على المدى البعيد، إذ تمكنت الجماعة من تطوير قدراتها العسكرية والسياسية وفرض نفسها طرفاً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
والتدخلات السعودية لم تؤدِّ إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية، بل ساهمت في بعض المراحل في تعميق الانقسامات المؤسسية وتعدد مراكز القرار والسلطة، حيث أن السياسات السعودية المتبعة تجاه الجنوب اتسمت بمحاولة احتواء القوى الجنوبية أكثر من السعي لمعالجة جوهر القضية الجنوبية، وهو ما أدى إلى استمرار حالة التوتر وعدم الثقة بين الأطراف المختلفة.
وبات من المؤكد أن اتفاق الرياض لم ينجح في تحقيق أهدافه الرئيسية المتعلقة بتوحيد القوى المناهضة للحوثيين أو بناء شراكة سياسية مستقرة، بسبب غياب آليات التنفيذ الملزمة واستمرار الخلافات الجوهرية بين الأطراف المشاركة فيه، فالأزمة الاقتصادية التي تعيشها اليمن اليوم تمثل إحدى النتائج المباشرة وغير المباشرة لاستمرار الصراع وتعثر مشاريع بناء الدولة والاستقرار.
وتبين أن التدهور الإنساني الواسع الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب لم يكن نتيجة العمليات العسكرية وحدها، بل نتج أيضاً عن انهيار مؤسسات الدولة وتعطل الاقتصاد وتراجع الخدمات الأساسية، فالتحول السعودي من استراتيجية المواجهة العسكرية مع الحوثيين إلى استراتيجية التفاهمات المباشرة معهم يعكس تغيراً في أولويات السياسة السعودية من استعادة الدولة اليمنية إلى البحث عن ترتيبات أمنية تقلل من كلفة الصراع على المملكة.
ومثلت التفاهمات السعودية الحوثية الحالية إدارة للصراع أكثر مما تمثل حلاً نهائياً له، لأنها تركز على الجوانب الأمنية المباشرة دون معالجة القضايا السياسية البنيوية التي أنتجت الأزمة.
وتظل أي تسوية مستقبلية تتجاهل القضية الجنوبية أو تتعامل معها باعتبارها مسألة إدارية أو تمثيلية محدودة ستكون معرضة للفشل أو لإعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة.
ويشكل التراجع النسبي للجهود الأمنية والعسكرية الموجهة ضد التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة خلق بيئة أكثر ملاءمة لإعادة تموضع بعض هذه التنظيمات واستعادة جزء من نشاطها السابق.
واستناداً إلى إفادات مصادر أمنية وعسكرية، عن وجود مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن احتمالات تنامي نشاط تنظيم القاعدة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التغيرات التي شهدتها بنية قوات مكافحة الإرهاب وتراجع مستوى الرقابة على بعض مناطق التحرك والتهريب.
وتحولت الأزمة اليمنية خلال السنوات الماضية من أزمة انتقال سياسي إلى صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل معالجتها عبر تفاهمات ثنائية أو مقاربات أمنية ضيقة أمراً غير كافٍ لتحقيق الاستقرار.
وتظل التدخلات السعودية، رغم امتلاكها موارد سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، في تعثر دائم لأنها لم تنجح في بناء تسوية مستدامة أو إعادة تأسيس الدولة اليمنية، بل انتهت إلى واقع جديد تتراجع فيه أهداف الحرب الأولى لصالح ترتيبات تهدف إلى إدارة الأزمة وتقليل كلفتها، بينما تبقى الأسباب الجوهرية للصراع دون معالجة حقيقية.
مسار معقد من التحولات السياسية والعسكرية
التدخلات السعودية في اليمن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2025 عن مسار معقد من التحولات السياسية والعسكرية التي لم تفضِ في نهاية المطاف إلى تحقيق الأهداف التي أعلنتها الرياض في مختلف مراحل تدخلها. فبعد أكثر من عقد من المبادرات السياسية والعمليات العسكرية والوساطات الدبلوماسية والتفاهمات الأمنية، لا تزال اليمن تعاني من انقسامات عميقة وأزمات متراكمة، بينما ما زالت القضايا الجوهرية التي فجرت الصراع قائمة دون معالجة حقيقية.
لقد انطلقت السياسة السعودية من فرضية مفادها أن الأزمة اليمنية يمكن احتواؤها عبر إدارة التوازنات السياسية ومنع الانهيار الشامل للدولة، ثم انتقلت لاحقاً إلى فرضية أخرى تقوم على إمكانية استعادة الدولة عبر القوة العسكرية وإجبار الحوثيين على التراجع. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية أثبتت أن الأزمة اليمنية كانت أكثر تعقيداً من أن تُختزل في بعدها الأمني أو العسكري، وأن جذورها ترتبط ببنية الدولة اليمنية نفسها، وبطبيعة العلاقة بين مكوناتها السياسية والاجتماعية والجغرافية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية التي ظلت حاضرة في قلب الأزمة رغم محاولات تهميشها أو تجاوزها.
ولم تنجح التدخلات السعودية في بناء مؤسسات دولة قادرة على فرض الاستقرار أو استعادة احتكار السلطة، بل أسهمت في بعض المراحل في إعادة إنتاج الانقسامات القائمة وتعميقها. فالمبادرات السياسية المتعاقبة لم تتمكن من بناء عقد سياسي جديد، والحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، والتسويات اللاحقة لم تعالج الأسباب التي أدت إلى اندلاع الصراع منذ البداية.
ومن المفارقات الكبرى التي تكشفها التجربة أن الحرب التي بدأت تحت شعار مواجهة الحوثيين انتهت إلى مرحلة أصبحت فيها التفاهمات المباشرة معهم إحدى الركائز الأساسية للمقاربة السعودية الجديدة. كما أن المشروع الذي رفع شعار استعادة الدولة اليمنية أفضى إلى واقع تتوزع فيه السلطة بين قوى متعددة ومراكز نفوذ متباينة، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.
وتشير المعطيات التي تناولتها الورقة إلى أن التحول السعودي نحو التهدئة مع الحوثيين لا يمثل بالضرورة نهاية للأزمة اليمنية، بل يعكس انتقالاً من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة نتائجها. فالتفاهمات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها إنتاج سلام مستدام ما لم تترافق مع معالجة سياسية شاملة للقضايا التي راكمتها سنوات الصراع الطويلة. كما أن تجاهل الملفات المؤجلة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية وإعادة بناء مؤسسات الدولة ومواجهة التهديدات الإرهابية المتجددة، يحمل في طياته مخاطر إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات القلق المرتبطة بإعادة تنشيط بعض التنظيمات الإرهابية، مستفيدة من التحولات الأمنية والعسكرية التي شهدتها مناطق عدة في الجنوب، الأمر الذي يؤكد أن الفراغات التي تتركها الصراعات غير المحسومة سرعان ما تتحول إلى بيئات مناسبة لنمو الفاعلين العنيفين وإعادة تشكيل التهديدات الأمنية.
وعليه، فإن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية يتمثل في أن القوة العسكرية، مهما بلغت إمكاناتها، لا تستطيع وحدها بناء استقرار دائم أو فرض تسوية تاريخية على مجتمع يعيش أزمات بنيوية عميقة. كما أن إدارة التوازنات السياسية المؤقتة قد تؤجل الانفجار لكنها لا تعالج أسبابه. ولذلك فإن مستقبل اليمن سيظل رهناً بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق معالجة جذورها، ومن البحث عن تهدئة مؤقتة إلى بناء تسوية سياسية عادلة ومستدامة تعالج أسباب الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجه.
ويمكن الوصول إلى حقيقة أن التدخل السعودي في اليمن، رغم ما امتلكه من أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية، لم ينجح في تحقيق الاستقرار أو بناء الدولة أو إنهاء الصراع، بل انتهى إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها أهداف الحرب الأولى لصالح ترتيبات تهدف إلى تخفيض كلفة الأزمة وإدارتها. أما اليمن، فما يزال يقف أمام استحقاق تاريخي مؤجل يتمثل في بناء مشروع سياسي جديد يعالج اختلالات الماضي ويؤسس لسلام حقيقي يشارك في صياغته جميع الفاعلين دون استثناء.