الاقتصاد
الإمارات تبني بدائلها الاستراتيجية..
الإمارات تتجه نحو «صفر اعتماد» على هرمز بمشاريع نقل وطاقة عملاقة
وزير التجارة الإماراتي
تشير التصريحات الأخيرة لوزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي إلى أن دولة الإمارات لا تنظر إلى اتفاق التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره نهاية للمخاطر التي كشفتها الحرب الأخيرة، بل تعتبره محطة تدفعها إلى تسريع خطط استراتيجية كانت قيد الدراسة منذ سنوات. فالإمارات التي وجدت نفسها خلال الأشهر الماضية أمام اختبار حقيقي لأمن الطاقة والتجارة، تسعى اليوم إلى تحويل الدروس المستخلصة من الأزمة إلى مشاريع بنية تحتية قادرة على إعادة رسم خريطة حركة الصادرات والواردات بعيداً عن نقاط الاختناق الجيوسياسية.
لقد أعادت الحرب الإيرانية الأميركية المؤقتة، وما رافقها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، التذكير بحجم الاعتماد العالمي على هذا الممر البحري الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والتجارة الدولية. كما أظهرت الأزمة أن أي اضطراب في المضيق لا يهدد أسواق الطاقة فقط، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد العالمية والقطاعات الصناعية والتجارية المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تبدو الإمارات من بين الدول الخليجية الأكثر استعداداً للتعامل مع هذا التحدي، نتيجة استثماراتها المبكرة في ميناء الفجيرة وخط الأنابيب الممتد من حقول النفط في أبوظبي إلى الساحل الشرقي. إلا أن التجربة الأخيرة دفعت صناع القرار إلى التفكير في مرحلة جديدة تتجاوز مجرد تخفيف الاعتماد على هرمز، وصولاً إلى هدف أكثر طموحاً يتمثل في تحقيق ما وصفه الزيودي بـ"صفر اعتماد" على المضيق.
وتستند هذه الرؤية إلى توسيع الموانئ الواقعة على خليج عُمان، وفي مقدمتها الفجيرة وخورفكان ودبا، بما يتيح تحويل جزء متزايد من حركة الصادرات والواردات إلى الساحل الشرقي للدولة. كما تشمل الخطة إنشاء موانئ جديدة وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها، بما يضمن قدرة أكبر على استيعاب حركة التجارة والطاقة بعيداً عن أي تهديد محتمل في الخليج العربي.
ولا تقتصر الاستراتيجية الإماراتية على الموانئ فقط، بل تشمل شبكة متكاملة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق الحديثة. فالتوسع في خطوط نقل النفط والغاز يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة صادراتها، ويقلل من تأثير أي اضطرابات جيوسياسية على تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية. كما أن تطوير شبكات النقل البرية يعزز الترابط بين الحقول النفطية والمناطق الصناعية والموانئ الجديدة، ما يرفع كفاءة منظومة التصدير والتوزيع.
ومن الناحية الاقتصادية، تمثل هذه المشاريع استثماراً ضخماً في مستقبل الإمارات كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية. فالموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز لا توفر فقط بديلاً آمناً لصادرات الطاقة، بل تمنح الدولة فرصة لتعزيز موقعها في حركة التجارة الدولية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكاتها اللوجستية المتطورة.
كما تعكس الخطة تحولاً في مفهوم الأمن الاقتصادي الإماراتي. فبدلاً من الاعتماد على استقرار الممرات البحرية التقليدية، تتجه الدولة نحو بناء خيارات متعددة تقلل من المخاطر وتمنحها قدرة أكبر على التكيف مع الأزمات. وهو نهج يتماشى مع التوجهات العالمية التي باتت تركز على تنويع مسارات الإمداد وتعزيز المرونة في مواجهة التوترات الجيوسياسية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. فرغم الاتفاق المؤقت الذي مهّد لإعادة فتح مضيق هرمز، لا تزال المنطقة تعيش على وقع توازنات هشة، كما أن ملفات الخلاف الأساسية بين الطرفين لم تُحسم بصورة نهائية. ولذلك يبدو أن أبوظبي لا ترغب في رهن مصالحها الاقتصادية بأي تطورات سياسية قد تعيد المنطقة إلى مربع التصعيد.
ومن زاوية أخرى، تكشف الخطة الإماراتية عن قراءة استراتيجية أوسع لمستقبل الطاقة العالمية. فمع تنامي الاستثمارات في الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والطاقة النظيفة، تحتاج الدولة إلى بنية تحتية قادرة على خدمة مختلف القطاعات، وليس النفط الخام فقط. ولهذا فإن مشاريع الأنابيب والموانئ الجديدة تبدو جزءاً من رؤية متكاملة تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الإماراتي خلال العقود المقبلة.
ورغم أن تنفيذ هذه المشاريع سيتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وجداول زمنية طويلة نسبياً، فإن الرسالة التي تحملها واضحة: الإمارات تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي من عامل تأثر بالأزمات إلى مصدر قوة يمنحها خيارات أوسع وقدرة أكبر على حماية مصالحها الوطنية.
وفي المحصلة، لا تبدو خطة الإمارات مجرد استجابة ظرفية لإغلاق مضيق هرمز، بل مشروعاً استراتيجياً لإعادة تشكيل منظومة التجارة والطاقة في الدولة. فبينما ينشغل العالم بعودة الملاحة إلى المضيق، تعمل أبوظبي على بناء واقع جديد تكون فيه قادرة على الحفاظ على تدفق تجارتها وصادراتها حتى في أصعب الظروف، وهو ما يعكس رؤية بعيدة المدى تقوم على استباق الأزمات بدلاً من انتظار نتائجها.