تقارير

كواليس التراجع السريع في الساحل والغارات التي تلت السقوط..

مأزق الملاحة بالمندب.. الحوثيون يعززون مواقعهم في ذُباب وميون وسط غارات متفرقة

استهدف القصف الجوي عتاد الحوثيين

الحديدة

شنت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية، السبت، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع ومركبات تابعة للحوثيين في مدينتي المخا وذُباب، بعد ساعات من سيطرة الجماعة على المدينتين وتوسعها باتجاه جزيرة ميون عند مضيق باب المندب.

وقالت مصادر يمنية إن القصف استهدف مركبات وتجمعات حوثية فجر السبت، بعد غارات نُفذت مساء الجمعة على مطار المخا ومينائها. ولم تُعلن حصيلة رسمية للخسائر، كما لم تتضح طبيعة الطائرات التي نفذت العمليات أو ما إذا كانت تعمل ضمن تشكيل يمني مستقل أو بدعم سعودي مباشر.

وأفادت وسائل إعلام حوثية بأن طائرات سعودية استهدفت مطار المخا، بينما نسبت مصادر في القوات المحلية الغارات إلى سلاح الجو التابع لها. ولم تصدر وزارة الدفاع السعودية أو قيادة التحالف بياناً يوضح الجهة المنفذة أو عدد الضربات والأهداف التي أصابتها.

ويمثل القصف أول محاولة جوية واسعة لتعطيل انتشار الحوثيين داخل المخا بعد سقوطها، لكنه جاء بعدما أكملت الجماعة نقل قواتها إلى المدينة وسيطرت على المطار والميناء ومخازن عسكرية تركتها الوحدات المنسحبة.

وقالت مصادر محلية إن الحوثيين شرعوا في تفريغ مخازن الأسلحة ونقل محتوياتها بشاحنات باتجاه محافظتي الحديدة وحجة، خشية تعرضها للقصف. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حجم الأسلحة التي استولت عليها الجماعة أو عدد الشاحنات التي غادرت المخا.

ويشير استهداف المركبات وطرق النقل إلى أن الأولوية الجوية تتمثل في منع الحوثيين من تحويل الأسلحة المستولى عليها إلى مخزون يمكن استخدامه في جبهات أخرى، إلى جانب إعاقة وصول التعزيزات والذخائر اللازمة لتثبيت مواقعهم في المخا وذُباب.

غير أن الغارات تكشف أيضاً مفارقة عسكرية لافتة. فقد غاب التدخل الجوي المؤثر عندما كانت أرتال الحوثيين تتحرك عبر المرتفعات والسهل الساحلي، ثم بدأ القصف بعد دخول الجماعة المدن والمنشآت العسكرية. وبذلك أصبحت الطائرات تستهدف داخل مناطق مأهولة ومرافق كانت قبل يومين تحت سيطرة القوات المحلية الموالية للسعودية.

وقال مسؤول عسكري يمني لوكالة أسوشيتد برس إن القوات المدافعة عن المخا فوجئت بعدم تدخل الطيران السعودي خلال تقدم الحوثيين نحو المدينة، مرجحاً أن الرياض لم تحصل على موافقة أمريكية لشن حملة جوية واسعة. وبعد سقوط المخا، تحدثت مصادر عن غارات سعودية استهدفت المطار ومناطق قريبة منه.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رفض طلباً سعودياً لتنفيذ ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» وأكدته رويترز عن مصادر مطلعة. وعرضت واشنطن بدلاً من ذلك تقديم معلومات استخبارية وبيانات للاستهداف، مع إبقاء العمليات القتالية في عهدة السعودية وشركائها المحليين.

ويبدو أن الغارات الأخيرة تستفيد من هذا النوع من الدعم، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى حملة جوية واسعة قادرة على إجبار الحوثيين على الانسحاب. كما أن القصف المتقطع يمنح الجماعة وقتاً لتوزيع قواتها وإخفاء المركبات والأسلحة داخل الأحياء السكنية والمناطق الجبلية المحيطة.

وتشير طبيعة الأهداف إلى محاولة احتواء نتائج الانهيار أكثر من كونها بداية هجوم مضاد بري. فلم تعلن القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية تحرك وحدات منظمة لاستعادة المخا أو ذُباب، بينما تواصلت الضربات من الجو من دون تقدم معلن على الأرض.

ولا تستطيع الغارات وحدها تغيير خريطة السيطرة ما لم تترافق مع قوة برية قادرة على استثمارها. فقد أظهرت سنوات الحرب أن الحوثيين يستطيعون امتصاص القصف وإعادة توزيع قواتهم، مستفيدين من التضاريس وشبكات الأنفاق والقدرة على إخفاء المعدات بين المناطق السكنية.

وتمتلك المخا أهمية تتجاوز كونها مدينة ساحلية. فهي كانت المركز العسكري والسياسي للمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، كما تضم ميناء ومطاراً ومنشآت لوجستية استخدمت لإسناد قوات الساحل الغربي. ويمنح سقوطها الحوثيين قاعدة متقدمة بالقرب من مضيق باب المندب، ويقطع جزءاً مهماً من خطوط الاتصال بين تعز والساحل.

أما ذُباب فتقع قبالة جزيرة ميون وتطل على الجزء الشرقي من المضيق، ما يجعل السيطرة عليها مكملة للوجود الحوثي داخل الجزيرة. ومن خلال الجمع بين المواقع البرية والجزيرة، تستطيع الجماعة مراقبة حركة السفن ونشر أسلحة قصيرة ومتوسطة المدى قرب مسارات العبور.

وأكدت مصادر يمنية لرويترز أن الحوثيين وصلوا إلى ميون بعد انسحاب القوات المحلية منها. كما سيطروا على جزر حنيش وزُقر ومناطق واسعة من الساحل، في أكبر تغير ميداني منذ انحسار العمليات العسكرية الكبرى عقب الهدنة الأممية عام 2022.

وقالت المصادر التي تحدثت إلى سكاي نيوز عربية إن الحوثيين استكملوا سيطرتهم على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر وعلى الجزر التابعة لمحافظة الحديدة. ويظل هذا التوصيف بحاجة إلى تدقيق ميداني، نظراً إلى اتساع الساحل وتعدد الجزر الصغيرة، وصعوبة التحقق من وجود قوات مستقرة في كل جزيرة.

وتضم محافظة الحديدة أكثر من 40 جزيرة، تختلف أهميتها العسكرية ومساحتها وإمكان استخدامها. وتبرز بينها جزر كمران وحنيش الكبرى وزُقر، إضافة إلى ميون التابعة إدارياً لمحافظة تعز والواقعة في قلب باب المندب.

وقالت مصادر يمنية إن الحوثيين حولوا جزيرة كمران إلى قاعدة عسكرية يتمركز فيها خبراء من الحرس الثوري الإيراني. ولم تقدم المصادر أدلة مادية أو صوراً حديثة تثبت وجود الضباط الإيرانيين، كما تنفي طهران إدارة العمليات الحوثية مباشرة، رغم إقرارها بعلاقة التحالف والدعم السياسي للجماعة.

وسبق لتقارير أممية وغربية أن وثقت وصول تقنيات ومكونات أسلحة إيرانية إلى الحوثيين، بما يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما نقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري ساعد في توجيه الهجوم الأخير ووعد بتقديم تمويل وأسلحة وضباط إضافيين.

وتمنح الجزر الحوثيين منصات للمراقبة وتخزين المعدات وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، لكنها تظل مواقع مكشوفة نسبياً أمام الاستطلاع الجوي والبحري. وقد تسعى الجماعة إلى توزيع قدراتها بينها، بدلاً من تحويل جزيرة واحدة إلى قاعدة كبيرة يسهل استهدافها.

وفي المخا، قال سكان إن مسلحين حوثيين اقتحموا منازل ونهبوا ممتلكات واعتقلوا عشرات الأشخاص بتهمة التعاون مع المقاومة الوطنية أو معارضة الجماعة. وأضافوا أن عمليات مماثلة وقعت في حيس والخوخة جنوبي الحديدة.

ولم يتسنَّ التحقق مستقلاً من أعداد المعتقلين أو حجم المنازل المنهوبة. ولم تصدر الجماعة تعليقاً تفصيلياً على هذه الاتهامات، بينما تشير تجارب سابقة في مناطق سيطرت عليها إلى تنفيذ حملات اعتقال ومداهمات للبحث عن أفراد مرتبطين بخصومها العسكريين والسياسيين.

وإذا تأكدت عمليات نقل الأسلحة ونهب المنازل والاعتقالات، فإنها تعكس انتقال الجماعة سريعاً من الهجوم العسكري إلى فرض السيطرة الأمنية وإعادة ترتيب المجتمع المحلي. وعادة ما تبدأ هذه المرحلة بحصر أسماء العسكريين والناشطين وتفتيش المقار والمنازل والاستيلاء على الوثائق والمعدات.

كما يمكن أن تؤدي الاعتقالات إلى موجة نزوح إضافية، خصوصاً بين عائلات المقاتلين والموظفين المحليين الذين عملوا مع المقاومة الوطنية. وتقول مصادر إن عدداً كبيراً من سكان المخا اتجهوا نحو عدن ومناطق جنوبية أخرى قبل دخول الحوثيين وبعده.

وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 18,500 شخص من محافظتي تعز والحديدة خلال 72 ساعة من التصعيد الذي بدأ في الثالث من سبتمبر/أيلول. وتشير تقديرات أوسع إلى أن عدد النازحين من مناطق الساحل وغرب تعز اقترب من 50 ألفاً مع اتساع الهجوم وتغير خطوط السيطرة.

وتواجه الأسر النازحة نقصاً في المأوى والغذاء والرعاية الصحية، في وقت تعاني فيه خطة الاستجابة الإنسانية لليمن من نقص حاد في التمويل. كما أن إغلاق الطرق وتعدد نقاط التفتيش ووجود الألغام يعرقل وصول المساعدات إلى بعض المناطق.

وأسفرت المعارك الأخيرة عن مقتل وإصابة المئات من الطرفين، وفق مصادر محلية وعسكرية، لكن لا توجد حصيلة مستقلة ونهائية. ويصعب التمييز بين المقاتلين والمدنيين في الأرقام التي تنشرها الأطراف، خصوصاً مع استمرار الاشتباكات وتبادل القصف.

وتعد المواجهات الحالية الأعنف منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022. وعلى الرغم من انتهاء المدة الرسمية للهدنة، حافظت الجبهات الرئيسية على مستوى منخفض نسبياً من القتال خلال السنوات التالية، قبل أن يعيد التصعيد الإقليمي فتح جبهات الساحل وتعز والجوف والبيضاء.

وتقول مصادر القوات المحلية إن الغارات شملت أيضاً مواقع حوثية في التحيتا والصليف وجزيرة كمران، ما يشير إلى محاولة توسيع نطاق الضغط على امتداد الساحل، وليس الاكتفاء باستهداف المخا. لكن تشتت الضربات على رقعة واسعة قد يقلل أثرها إذا لم تكن جزءاً من خطة عملياتية موحدة.

ومن المرجح أن يركز الحوثيون خلال المرحلة المقبلة على تثبيت دفاعاتهم حول المخا وذُباب، وزرع الألغام في مداخل المدن، ونشر وحدات صاروخية ومسيّرة قرب الساحل، وتأمين الطريق نحو الحديدة. كما سيحاولون نقل أكبر قدر ممكن من الأسلحة قبل تكثيف الغارات.

في المقابل، تحتاج القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية إلى إعادة بناء خطوطها الدفاعية جنوب باب المندب وشرق المخا، ومنع الحوثيين من مواصلة التقدم باتجاه المناطق الجنوبية. غير أن قدرتها على شن هجوم مضاد ستظل محدودة ما لم تُحل مشكلة تعدد القيادات التي أسهمت في انهيار الجبهة.

وكانت قوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة الجنوبية ومحور تعز تنتشر في قطاعات متجاورة، لكنها لم تعمل ضمن قيادة موحدة. وعندما هاجم الحوثيون عدة محاور في وقت متزامن، ظهرت الفجوات بين التشكيلات، وتحولت عمليات الانسحاب المحدودة إلى انهيار واسع امتد نحو الساحل والجزر.

وتفتح التطورات باب المساءلة عن مصير الأسلحة والمعدات التي تُركت في المخازن. فإذا تمكن الحوثيون من نقل كميات كبيرة منها، فستتحول الموارد التي قدمها الداعمون للقوات المناهضة للجماعة إلى إضافة جديدة لترسانتها، وقد تستخدم لاحقاً ضد السفن أو في جبهات يمنية أخرى.

كما يثير استهداف المطار والميناء بعد سقوطهما تساؤلاً بشأن غياب خطط تدمير أو إخلاء المعدات الحساسة قبل الانسحاب. فالقواعد العسكرية المعرضة للسقوط تحتاج عادة إلى إجراءات مسبقة لمنع استيلاء الخصم على الأسلحة والوثائق وأنظمة الاتصال.

ولا تعني الغارات أن قرار استعادة المخا قد اتُخذ فعلياً. فقد تكون العملية محدودة بهدف تدمير المعدات ومنع الحوثيين من استخدام المنشآت، بينما يتطلب تحرير المدينة حشداً برياً كبيراً وغطاء جوياً متواصلاً وخطة لإجلاء المدنيين وتأمين الساحل.

وتضع السيطرة الحوثية على باب المندب المملكة العربية السعودية أمام ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة. فقد تزامنت مع استهداف خط أنابيب الشرق–الغرب بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، واضطراب الصادرات عبر مضيق هرمز، ما جعل طريق البحر الأحمر أكثر أهمية وأشد تعرضاً للخطر في الوقت نفسه.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن حركة الملاحة في البحر الأحمر تراجعت بنحو 60 في المئة منذ بدء الهجمات الحوثية أواخر عام 2023. ومن شأن تثبيت مواقع للجماعة في ميون وذُباب أن يدفع شركات إضافية إلى تجنب المضيق، حتى إذا تعهد الحوثيون بعدم استهداف سوى السفن السعودية.

وتكشف الغارات الجوية الأخيرة أن الرياض وشركاءها انتقلوا من محاولة منع الهجوم إلى احتواء نتائجه. فالطيران يستطيع تدمير المركبات والمخازن وتعطيل الحركة، لكنه يتعامل الآن مع الحوثيين بعد وصولهم إلى المواقع التي كان يفترض حمايتها.

وكلما طال بقاء الجماعة في المخا وذُباب وميون، ارتفعت كلفة استعادتها وتحولت السيطرة المؤقتة إلى واقع عسكري وسياسي. ولهذا سيعتمد الحكم على جدية الغارات الحالية على ما إذا كانت ستتبعها عملية برية منسقة، أم ستظل ضربات متفرقة تمنع الحوثيين من الحركة نهاراً من دون أن تنزع منهم السيطرة.

خبير عسكري: تشتت الخصوم يمنح الحوثيين طريقاً مفتوحاً إلى "ميون"


واشنطن ترفض طلباً سعودياً لضرب الحوثيين عقب سقوط باب المندب


انتقال القيادة في منظمة مجاهدي خلق.. اختبارات الاستمرارية وهندسة المعارضة الإيرانية


مريم رجوي تطالب بإحالة انتهاكات إيران إلى مجلس الأمن بعد الملف النووي