تحليلات

من إدارة النفوذ إلى خسارة المضيق..

إخفاق الاستراتيجية السعودية في اليمن وصعود الحوثيين إلى باب المندب

منشق سعودي يقف امام تظاهرة للحوثيين مناهضة للوصاية السعودية على البلاد قبل سنوات - أرشيف

تكشف التطورات التي انتهت بسيطرة الحوثيين على المخا وجزيرة ميون واقترابهم من التحكم العملياتي بباب المندب عن حصيلة تراكمية لسياسة سعودية تعاملت مع اليمن بوصفه ساحة لإدارة التوازنات أكثر من كونه مسرحاً يحتاج إلى استراتيجية عسكرية وسياسية متماسكة. فمنذ التدخل في مارس/آذار 2015، جمعت الرياض تحت مظلتها قوى متعارضة، ثم استخدمت التسويات المؤقتة لإعادة توزيع النفوذ من دون حل أسباب الصراع. وعندما تعارض المشروع الجنوبي مع تصورها لوحدة اليمن، انتقلت من رعاية التوافق إلى استهداف القوات الجنوبية التي كانت أكثر فاعلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.

بدأ هذا المسار بتمكين حزب التجمع اليمني للإصلاح داخل مؤسسات السلطة والقوات المتمركزة في مأرب وتعز وشبوة، وظهر أثره في الحرب التي خاضتها تلك القوات ضد المجلس الانتقالي الجنوبي في شبوة وأبين خلال عامي 2019 و2020. حاول اتفاق الرياض احتواء المواجهة، لكنه بقي إطاراً لتجميدها، فيما عالجت آليته التنفيذية إعادة الانتشار وتقاسم الحكومة من دون بناء قيادة عسكرية موحدة. ثم جاءت مشاورات الرياض عام 2022 ونقل الرئيس عبدربه منصور هادي صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، لتنشئ مظلة جديدة جمعت خصوماً داخل هيئة واحدة، من دون حسم سؤال السيادة أو دمج القوات.

بلغ التناقض ذروته في يناير/كانون الثاني 2026، عندما استخدمت السعودية القوة ضد المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية بعد تحركها في حضرموت والمهرة. حققت الرياض سيطرة سياسية سريعة، لكنها أزالت شبكة عسكرية وأمنية كانت تؤدي وظيفة الردع في الجنوب والساحل. وخلال الأشهر التالية، أخفقت عملية إعادة الهيكلة في إنشاء بديل متماسك، وظلت القوات الجديدة خاضعة عملياً للقيادة السعودية أكثر من خضوعها لمؤسسة يمنية موحدة.

راهنت الرياض لاحقاً على استنزاف الحوثيين عبر الضغط الاقتصادي والجوي والتحشيد البري، لكن الجماعة نقلت الاستنزاف إلى المنشآت السعودية والممرات البحرية. ومنع طائرة إيرانية من الهبوط في صنعاء، وقصف مدرج المطار، ثم الهجمات على العبر والوديعة ومنشآت الطاقة السعودية، رسمت سلسلة تصعيد انتهت بهجوم الحوثيين على الساحل الغربي والسيطرة على المخا وميون. وعندها ظهر التحالف البحري الذي أعلنته السعودية عاجزاً عن منع تغير الخريطة البرية، بينما رفضت باكستان تحويل اتفاق مكة الدفاعي إلى مشاركة قتالية. وتخلص الدراسة إلى أن أمن الملاحة لا يمكن تعويضه بتحالفات بحرية معلنة إذا انهارت القوة المحلية التي تحمي الساحل، وأن معالجة المأزق تتطلب إعادة بناء شراكة سياسية وأمنية مع الجنوب، لا استخدام قواته مجدداً وقوداً لمعركة شمالية بلا تسوية نهائية.

 التدخل العسكري وبناء تحالف غير متجانس

دخلت السعودية الحرب اليمنية في 26 مارس/آذار 2015 تحت عنوان إعادة الحكومة المعترف بها دولياً وإجبار الحوثيين على التراجع عن انقلابهم. غير أن التدخل جمع منذ بدايته أهدافاً متباينة: حماية الحدود السعودية، إعادة السلطة إلى صنعاء، كبح إيران، تأمين باب المندب، ومنع قيام كيان سياسي جنوبي مستقل. ولم تكن هذه الأهداف قابلة للتحقق بالوسائل نفسها أو بالشركاء أنفسهم.

ركزت الإمارات على بناء قوات محلية في الجنوب والساحل، وربطت الدعم بالتدريب والانضباط والقدرة على مكافحة القاعدة والحوثيين. وأسهمت هذه القوات في تحرير عدن والمكلا ومناطق واسعة من الساحل، وظهرت لاحقاً في تشكيلات الحزام الأمني والنخب وألوية العمالقة والقوات التهامية. أما السعودية فاعتمدت بدرجة أكبر على السلطة المعترف بها دولياً، وشبكات عسكرية وقبلية مرتبطة بحزب الإصلاح في مأرب وتعز ووادي حضرموت.

لم يكن التقارب السعودي مع الإصلاح تحالفاً أيديولوجياً معلناً؛ فالعلاقة بين الرياض والإخوان المسلمين ظلت ملتبسة إقليمياً. لكنه أصبح تحالف ضرورة داخل اليمن، لأن الحزب امتلك بنية تنظيمية وقادة عسكريين وقبليين ومؤسسات محلية جاهزة. تحولت مأرب إلى مركز الثقل لهذا الترتيب: قاعدة للسلطة، ومصدراً للموارد، ومقراً لتشكيلات عسكرية بقي معظمها بعيداً عن جبهات الساحل والجنوب.

أنتج هذا التوزيع جيشاً متعدد الولاءات. ففي الأوراق الرسمية كانت جميع القوات جزءاً من معسكر واحد، لكن غرف العمليات والتمويل والتعيينات بقيت موزعة بين الرياض وأبوظبي والرئاسة والأحزاب والقيادات المحلية. ومع غياب مشروع سياسي جامع، أصبح كل طرف يحمي منطقته ونفوذه، وانتقل التنافس من هامش الحرب على الحوثيين إلى مركزها.

شبوة وأبين واتفاق الرياض المؤجل

انفجرت التناقضات في أغسطس/آب 2019 بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن. ولم تكن المواجهة منفصلة عن حرب شبوة، حيث تقدمت قوات موالية للرئيس هادي يغلب عليها نفوذ الإصلاح ضد قوات النخبة الشبوانية والمجلس الانتقالي. وانتقلت المواجهات لاحقاً إلى أبين، فتحولت المحافظات المحررة من قاعدة للحرب على الحوثيين إلى ساحة صراع داخل المعسكر نفسه.

رعت السعودية اتفاق الرياض، الذي وُقّع في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بهدف وقف القتال وتشكيل حكومة مناصفة وإعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية. ونص الاتفاق على مشاركة المجلس الانتقالي في وفد التسوية النهائية، وعودة الحكومة إلى عدن، وإعادة الانتشار ودمج التشكيلات تحت وزارتي الدفاع والداخلية. رحبت الأمم المتحدة بالاتفاق باعتباره فرصة لتوحيد الجبهة المناهضة للحوثيين.^1

لكن التنفيذ تعثر منذ البداية. فالتوقيتات المحددة للانسحاب والتعيينات والدمج لم تُحترم، واستمر التنافس على شبوة وأبين وعدن. وفي 2020 استؤنف القتال على جبهة شقرة وأبين بين القوات الجنوبية وتشكيلات موالية للحكومة تضم وحدات مرتبطة بالإصلاح. طرحت الرياض في يوليو/تموز آلية لتسريع التنفيذ، ثم تشكلت حكومة جديدة في ديسمبر/كانون الأول، لكن الجزء العسكري والأمني بقي ناقصاً.^2

عملياً، حقق الاتفاق وقفاً متقطعاً للنار وتقاسماً للحكومة، لكنه لم ينتج مؤسسة عسكرية واحدة. وكانت الرياض قادرة على الضغط لتشكيل حكومة، لكنها لم تستخدم الوزن نفسه لإخراج القوات القادمة من مأرب ووادي حضرموت أو لتسوية ملف شبوة بصورة مستدامة. وهكذا تحول الاتفاق إلى وسيلة لإدارة الانقسام، لا إنهائه.

 مشاورات 2022 وإزاحة هادي

عقدت السعودية مشاورات يمنية في الرياض خلال ربيع 2022، في وقت تزامن مع هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة. وفي 7 أبريل/نيسان أعلن الرئيس هادي من الرياض نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي من ثمانية أعضاء، برئاسة رشاد العليمي، وإقالة نائبه علي محسن الأحمر. رحب مجلس الأمن بالانتقال السلمي، لكن الحوثيين رفضوا المجلس باعتباره نتاجاً سعودياً.^3

كان إنشاء المجلس اعترافاً ضمنياً بأن صيغة الرئاسة السابقة فقدت قدرتها على إدارة الحرب. إلا أن الهيئة الجديدة ورثت التناقضات نفسها: ضمت المجلس الانتقالي والمقاومة الوطنية وألوية العمالقة وقادة مرتبطين بمأرب والإصلاح، من دون تحديد آلية ملزمة لاتخاذ القرار أو دمج القوات. أصبح التوافق شرطاً نظرياً، بينما احتفظ كل عضو بتشكيلاته ومصادر دعمه.

أتاحت هدنة 2022 انخفاضاً ملموساً في القتال والهجمات العابرة للحدود، واستمرت آثارها بعد انتهاء مدتها الرسمية. واستغلت السعودية الهدوء لفتح اتصالات مباشرة مع الحوثيين، خصوصاً بعد الاتفاق السعودي–الإيراني في بكين عام 2023. وتركزت المحادثات على الرواتب وفتح الطرق والموانئ وخروج الرياض من الحرب وترتيبات خارطة الطريق.

لكن المسار التفاوضي همش القوى المحلية التي ستتحمل نتائج التسوية. تعاملت الرياض مع الحوثيين بوصفهم الطرف القادر على ضمان حدودها، ومع مجلس القيادة بوصفه مظلة قانونية لإدارة مناطق نفوذها. أما القضية الجنوبية فبقيت مؤجلة، رغم أنها تمثل جوهر الصراع على شكل الدولة وحدودها وتوزيع الموارد.

 حرب يناير وتفكيك قوة الجنوب

في ديسمبر/كانون الأول 2025 وسّع المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته في حضرموت والمهرة، قائلاً إن تحركه يستهدف تأمين الجنوب وقطع مسارات تهريب السلاح إلى الحوثيين ومكافحة الجماعات المتطرفة. طالبت السعودية قواته بالانسحاب، ثم دعمت هجوماً مضاداً وشن طيرانها ضربات على مواقع جنوبية. وفي نهاية ديسمبر أعلنت الإمارات سحب قواتها المتبقية بعد تصاعد التوتر وضربة سعودية على ميناء المكلا قالت الرياض إنها استهدفت شحنة عسكرية، بينما نفت أبوظبي توصيف الشحنة.^4

خلال الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 2026، استعادت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية مناطق في حضرموت وتقدمت نحو عدن تحت غطاء جوي سعودي. أُبعد عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة، وأعلن وفد موجود في الرياض حل المجلس الانتقالي، لكن قيادات وقواعد جنوبية رفضت الإعلان وقالت إنه صدر تحت الإكراه. واحتفظ المجلس بحضور شعبي وتنظيمي رغم خسارته المؤسسات والمواقع.^5

قدمت الرياض العملية باعتبارها إعادةً لسلطة الدولة، لكنها كانت في جوهرها إعادة هندسة قسرية للمشهد الجنوبي. أُقيل قادة، وجرى استيعاب بعض الوحدات، ودُفعت أخرى إلى الاختفاء أو التفكك. ووفق مركز صنعاء، أصبحت لجنة إعادة هيكلة القوات خاضعة رسمياً لقيادة التحالف السعودي أكثر من خضوعها للحكومة اليمنية نفسها.^6

كان الثمن الأمني كبيراً. فالقوات التي تعرضت للتفكيك لم تكن جهازاً حزبياً فقط؛ لقد ضمت وحدات راكمت خبرة في مكافحة القاعدة وحماية عدن والساحل والمنشآت. وإزالتها السريعة خلقت فجوة بين السيطرة السياسية والقدرة الفعلية على حفظ الأمن. ولم تتمكن التشكيلات البديلة، خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى نهاية أغسطس/آب، من بناء قيادة موحدة أو استعادة مستوى الجاهزية السابق.

ظهر الفشل في تأخر الرواتب، وتعدد مراكز القرار، وتراجع الخدمات، وعودة الاحتجاجات، وبقاء المجلس الانتقالي فاعلاً في الشارع رغم إعلان حله. كما استمرت عمليات إعادة توزيع الإيرادات والتعيينات العسكرية وفق الولاء للرياض. وأصبح الجنوب منطقة تديرها سلطة منقسمة وقوات أعيد تركيبها على عجل، فيما كانت جبهات الحوثيين تستعيد نشاطها.

من التهدئة إلى دورة التصعيد

راهنت السعودية على أن الضغط الاقتصادي والضربات المحدودة والتحشيد البري ستدفع الحوثيين إلى قبول تسوية بشروط أفضل. وفي المقابل، رأى الحوثيون في القيود الجوية والبحرية محاولة لإدامة الحصار وانتزاع التنازلات. وهكذا تحولت خارطة الطريق من مسار لإنهاء الحرب إلى سقف لإدارة التهديد المتبادل.

في يوليو/تموز 2026، حاولت طائرة إيرانية التوجه إلى صنعاء من دون إذن السلطات المعترف بها دولياً. استُهدف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوطها، قبل أن تهبط طائرة إيرانية لاحقاً في مطار الحديدة. وسجل مبعوث الأمم المتحدة الواقعة ضمن سلسلة تصعيد ضمت ضرب المطار وهجمات صاروخية على مطار أبها ومنشآت نفطية سعودية.^7

حملت الأزمة دلالة تتجاوز رحلة جوية. فقد أرادت الرياض تأكيد استمرار سيطرتها على المجال الجوي اليمني ومنع تكريس خط مباشر بين طهران وصنعاء، بينما تعامل الحوثيون معها باعتبارها دليلاً على بقاء الحصار. وأعقب ذلك توسع في الهجمات على السفن والقواعد والمواقع المرتبطة بالسعودية.

خلال أغسطس/آب، تعرضت مواقع للقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية في حضرموت ومأرب لهجمات، شملت محاور العبر والوديعة والرويك ومناطق أخرى. ولا تتوافر رواية مستقلة كاملة لكل الوقائع، لكن إحاطات الأمم المتحدة سجلت تصاعد الهجمات الحوثية في حضرموت ومأرب والمخا، وحذرت من أن اليمن يواجه أعلى مخاطر العودة إلى الحرب الشاملة منذ هدنة 2022.^8

تزامن ذلك مع خطاب تعبئة لاستعادة صنعاء، شاركت فيه قوى قبلية وعسكرية مرتبطة بمأرب والإصلاح. واتخذ جزء من التعبئة لغة دينية ومذهبية، الأمر الذي منح الحوثيين مادةً لتقديم الحرب باعتبارها دفاعاً عن الهوية في مواجهة تحالف خارجي. والمشكلة هنا لا تتعلق بالدافع العقائدي فقط، بل بأن استدعاء التعبئة المذهبية عوّض غياب الهدف السياسي: لم توضح الرياض شكل السلطة بعد استعادة صنعاء، ولا موقع الجنوب، ولا مستقبل السلاح والموارد.

الاستنزاف المعكوس ومنشآت النفط

بدلاً من استنزاف الحوثيين داخل جبهاتهم، نجحت الجماعة في نقل الضغط إلى العمق السعودي. ففي سبتمبر/أيلول شنت موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة على أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، واستهدفت منشآت للطاقة وقواعد عسكرية. وقالت السلطات السعودية إن الهجمات أصابت 73 مدنياً وأشعلت حرائق وأوقفت بعض العمليات مؤقتاً، بينما قال الحوثيون إنها رد على الغارات السعودية في اليمن.^9

ثم تعرض خط أنابيب شرق–غرب لهجوم بطائرات مسيّرة قالت الرياض إنها انطلقت من العراق. أُغلق الخط احترازياً، وهو يمتد من بقيق إلى ينبع وكان قد اكتسب أهمية مضاعفة بوصفه طريقاً لتجاوز اضطراب مضيق هرمز. ووفق تقارير دولية، كان ينقل في تلك المرحلة ما يعادل أربعة إلى خمسة بالمئة من الإمدادات النفطية العالمية.^10

هنا انقلب منطق الاستنزاف. فالسعودية، التي أرادت استخدام الحصار الجوي والضغط العسكري لتقليص خيارات الحوثيين، وجدت منشآتها وصادراتها تحت التهديد. وبدلاً من حصر الحرب داخل اليمن، نقل الحوثيون كلفتها إلى التأمين والشحن وأسعار النفط والبنية التحتية السعودية. ومع تجاوز أسعار النفط 100 دولار، أصبح التصعيد جزءاً من مواجهة الطاقة العالمية، لا نزاعاً حدودياً فقط.

معركة الساحل وسقوط باب المندب

بدأ الهجوم الحوثي الواسع في مطلع سبتمبر/أيلول على محاور تعز والحديدة، ثم امتد إلى حيس والخوخة والبرح والكدحة والمخا. وقال المبعوث الأممي هانس غروندبرغ لمجلس الأمن إن الحوثيين سيطروا على المخا، وإن القتال انتشر إلى مأرب والجوف والبيضاء، محذراً من أن الهدوء النسبي الذي استمر أكثر من أربع سنوات انتهى فعلياً.^11

كشفت سرعة الانهيار ضعف التنسيق بين المقاومة الوطنية ومحور تعز وبقية التشكيلات الموالية للسعودية. انسحبت قوات من مواقعها، وتبادلت الأطراف الاتهامات بشأن الأوامر والإسناد. ثم سيطر الحوثيون على ذباب وجزيرة ميون، التي تقسم المضيق إلى قناتين وتمنح من يتمركز فيها قدرةً متقدمة على المراقبة والتهديد.^12

لا تعني السيطرة على ميون امتلاك قدرة مضمونة على إغلاق باب المندب؛ فالممر الغربي أوسع وتوجد قوات بحرية دولية في المنطقة. لكنها تقلص المسافة بين منصات النيران وخطوط الملاحة، وتسمح باستخدام أسلحة أقل تعقيداً، وترفع أقساط التأمين حتى من دون هجوم واسع. ومن ثم فإن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق المضيق قانونياً أو عسكرياً كي يحققوا أثراً اقتصادياً.

سياسياً، مثل سقوط الساحل نتيجة مباشرة لتفكك الجبهة المقابلة بقدر ما كان انتصاراً حوثياً. فقرار السعودية تحييد القوات الجنوبية وإعادة تشكيلها أزال جزءاً من العمق الذي حمى باب المندب، بينما لم تنتقل قوات مأرب والإصلاح إلى الساحل بالقوة المطلوبة. وعندما وقع الاختبار، لم تكن الرياض تملك سوى تشكيلات متباعدة وغطاء جوي محدود.

تحالف بحري بلا أثر بري

أعلنت السعودية في أغسطس/آب تحالفاً بحرياً من 14 دولة لحماية حرية الملاحة في باب المندب وخليج عدن، ضم مصر وتركيا وباكستان والبحرين ودولاً أخرى.^13 كان الإعلان محاولة لتدويل كلفة التهديد وإظهار أن حماية المضيق مسؤولية عالمية. غير أن التحالف لم يظهر بفاعلية تمنع الهجمات أو تغير السيطرة على اليابسة، وهو ما وصفته «الغارديان» بأن وجوده ظل غير مرئي حتى بعد سقوط ميون.^14

تعاني الفكرة من خلل بنيوي: تستطيع السفن الحربية مرافقة بعض الناقلات واعتراض مسيّرات، لكنها لا تستطيع إزالة منصات الصواريخ أو حماية الساحل من دون قوة برية. كما أن الدول المشاركة تختلف في علاقتها بإيران واستعدادها لتحمل الخسائر، ما يجعل الإعلان السياسي أوسع من القدرة العملياتية.

ظهر هذا التباين بوضوح في موقف باكستان. فإسلام آباد لم تعلن الانسحاب من اتفاق مكة الدفاعي مع السعودية وتركيا، لكنها قالت في 10 سبتمبر/أيلول إنه لا توجد مناقشات بشأن رد عسكري على هجمات الحوثيين، وإن الاتفاق يركز على حماية الأراضي السعودية. لذلك فالتوصيف الأدق ليس «اعتذار باكستان»، بل امتناعها عن تحويل الالتزام الدفاعي إلى مشاركة هجومية في اليمن.^15

كما تحتفظ باكستان بعلاقة مهمة مع إيران وتفضل دور الوسيط، خصوصاً بسبب حدودها المشتركة وحساسياتها الداخلية. وهذا يحد من قدرتها على الانضمام إلى حرب تُفسر إقليمياً بوصفها امتداداً للمواجهة الأمريكية–الإيرانية. أما تركيا، فاكتفت حتى الآن بالدعم السياسي ولم تقدم قوة تعوض غياب الشريك المحلي.

يكشف استخدام الرياض باب المندب لحشد الدول اعترافاً ضمنياً بأن قدرتها المنفردة على تأمين الملاحة تراجعت. لكنه يكشف أيضاً خطأ ترتيب الأولويات: فقبل البحث عن تحالف دولي، كان يمكن الحفاظ على القوات الجنوبية والقوات الساحلية التي امتلكت الأرض والخبرة. وبعد تفكيكها، أصبح المطلوب من دول بعيدة أن تعوض فراغاً صنعته السياسة السعودية نفسها.

 حصيلة استراتيجية وخيارات المرحلة المقبلة

لا يعود الفشل السعودي إلى نقص الموارد. فقد امتلكت الرياض التفوق الجوي والتمويل والاعتراف الدولي، لكنها استخدمت هذه الأدوات في إدارة الحلفاء أكثر من بناء مؤسسة قادرة على هزيمة الخصم. وتكرر النمط من اتفاق الرياض إلى مجلس القيادة: تسويات سياسية واسعة، تنفيذ جزئي، وقوات تحتفظ بولاءاتها المنفصلة.

كذلك أخطأت الرياض في افتراض أن التفاهم مع الحوثيين يمكن فصله عن توازن القوة داخل اليمن. فالتهدئة من دون إعادة بناء الجبهة المقابلة منحت الجماعة فرصة لترسيخ حكمها وتطوير قدراتها. وعندما عادت الحرب، وجد الحوثيون خصماً أكثر انقساماً مما كان عليه عام 2022.

أما الرهان على الإصلاح ومأرب، فقد وفر للسعودية حليفاً سياسياً وقبلياً، لكنه لم ينتج قوة قادرة على تأمين الساحل أو استعادة صنعاء. وبقيت تشكيلات الحزب مرتبطة بحسابات السلطة والموارد المحلية، فيما تحملت القوات الجنوبية العبء الأكبر في المعارك السابقة. وعندما استهدفت الرياض هذه القوات، لم تنتقل قوة مأرب لملء الفراغ.

ويظل الخيار العسكري لاستعادة المخا وميون مكلفاً. فالضربات الجوية تستطيع تعطيل الإمداد الحوثي، لكنها لن تستعيد الموانئ والجزر. وأي هجوم بري يحتاج إلى قيادة موحدة وشراكة مع القوى الجنوبية والساحلية، وإلى إجابة سياسية عن مستقبل الجنوب. استخدام المقاتلين الجنوبيين لاستعادة مناطق شمالية ثم العودة إلى تجاهل قضيتهم سيعيد إنتاج الأزمة.

أما التسوية المنفردة بين السعودية والحوثيين فقد تحمي الحدود مؤقتاً، لكنها قد تكرس سيطرة الجماعة على الساحل وتحول باب المندب إلى ورقة ابتزاز دائمة. لذلك ينبغي أن تشمل أي تسوية ضمانات للملاحة، وترتيبات أمنية للجزر والموانئ، ومشاركة حقيقية للقوى الجنوبية، وآلية دولية للمراقبة.

وتشير خلاصة الدراسة إلى أن باب المندب لم يسقط بسبب هجوم خاطف وحده؛ لقد سبقه عقد من إدارة متناقضة للحرب، واتفاقات لم تنفذ، وتحالفات محلية جرى تفكيكها عندما تعارضت مع رؤية الرياض السياسية. واستفاد الحوثيون من الدعم الإيراني، لكن الفرصة التي أتاحت لهم الوصول إلى المضيق صنعتها هشاشة خصومهم.

إن استعادة أمن البحر الأحمر وخليج عدن تبدأ بإعادة بناء القوة المحلية على ضفتي المضيق، لا بإعلانات تحالفات بحرية وحدها. ويتطلب ذلك من السعودية مراجعة حرب يناير، ووقف التعامل مع الجنوب كساحة خاضعة، وفتح حوار ملزم حول حقه السياسي وترتيبات أمنه. من دون ذلك ستظل الرياض أمام معادلة قاسية: الحوثيون يملكون المبادرة على الأرض، وإيران تحصد مكاسبها عند المضيق، والحلفاء الدوليون مستعدون للإدانة أكثر من استعدادهم للقتال.

الهوامش والمراجع

1. الأمم المتحدة، «اتفاق الرياض نموذج لتسوية النزاعات الداخلية»، 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2019؛ ونص اتفاق الرياض، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019: https://peaceadmin.languageofpeace.org/peace-agreements/riyadh-agreement

2. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، «اتفاق الرياض: السعودية تتولى الدفة»، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019: https://sanaacenter.org/publications/analysis/8320 ؛ والجزيرة، «اتفاق الرياض في اليمن: نظرة عامة»، 29 يوليو/تموز 2020: https://www.aljazeera.com/news/2020/7/29/yemens-riyadh-agreement-an-overview

3. رويترز، «رئيس المجلس اليمني الجديد يتعهد بإنهاء الحرب عبر عملية سلام»، 8 أبريل/نيسان 2022: https://www.reuters.com/world/middle-east/head-new-yemeni-council-promises-end-war-via-peace-process-first-speech-2022-04-08/ ؛ مجموعة الأزمات الدولية، «خلف الهدنة اليمنية ومجلس القيادة»، 8 أبريل/نيسان 2022: https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/yemen/behind-yemen-truce-and-presidential-council-announcements

4. رويترز، «الانفصاليون الجنوبيون يرفضون دعوة سعودية للانسحاب من محافظتين شرقيتين»، 26 ديسمبر/كانون الأول 2025: https://www.reuters.com/world/middle-east/uae-welcomes-saudi-efforts-support-security-yemen-foreign-ministry-says-2025-12-26/ ؛ فايننشال تايمز، «الإمارات تسحب قواتها من اليمن بعد تصاعد الخلاف مع السعودية»، ديسمبر/كانون الأول 2025: https://www.ft.com/content/04497002-ce04-4a0f-9562-09a6f59124af

5. رويترز، «انقسام داخل المجلس الانتقالي يعكس الخلاف السعودي–الإماراتي»، 10 يناير/كانون الثاني 2026: https://www.reuters.com/world/middle-east/yemens-separatists-appear-split-reflecting-saudi-uae-rift-2026-01-10/ ؛ رويترز، «التحالف يقول إن الزبيدي غادر اليمن»، 8 يناير/كانون الثاني 2026: https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-led-coalition-says-yemen-separatist-leader-boarded-vessel-somaliland-2026-01-08/

6. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، إليونورا أرديماني، «إعادة الهيكلة العسكرية والأمنية المدفوعة سعودياً في اليمن»، 31 يوليو/تموز 2026: https://sanaacenter.org/publications/analysis/25412

7. الأمم المتحدة، إحاطة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ إلى مجلس الأمن، 13 أغسطس/آب 2026: https://osesgy.unmissions.org/en/node/136496 ؛ رويترز كونكت، «طائرة إيرانية تهبط في الحديدة بعد استهداف مدرج صنعاء»، 13 يوليو/تموز 2026: https://www.reutersconnect.com/item/iranian-plane-lands-in-yemens-hudaydah-after-strike-on-sanaa-airport/

8. مركز صوفان، «اليمن يقترب من حرب شاملة»، 20 أغسطس/آب 2026: https://thesoufancenter.org/intelbrief-2026-august-20/ ؛ الأمم المتحدة، إحاطة مجلس الأمن بشأن اليمن، 13 أغسطس/آب 2026، المصدر السابق.

9. رويترز، «هجمات الحوثيين تعطل منشآت الطاقة السعودية وتصيب 73 شخصاً»، 8 سبتمبر/أيلول 2026: https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-led-coalition-yemen-says-73-injured-houthi-attacks-kingdom-2026-09-08/

10. رويترز، «السعودية تغلق خط النفط مع إحكام الحوثيين قبضتهم على الملاحة»، 12 سبتمبر/أيلول 2026: https://www.reuters.com/business/energy/saudis-shut-down-oil-pipeline-houthis-tighten-grip-red-sea-shipping-2026-09-12/

11. مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، إحاطة هانس غروندبرغ لمجلس الأمن، 10 سبتمبر/أيلول 2026: https://osesgy.unmissions.org/en/news/briefing-by-the-un-special-envoy-for-yemen-hans-grundberg-to-the-security-council-2

12. رويترز، «الحوثيون يصلون إلى جزيرة عند مدخل ممر ملاحي حيوي»، 11 سبتمبر/أيلول 2026: https://www.reuters.com/world/middle-east/yemens-houthis-reach-strategic-island-mouth-vital-shipping-lane-2026-09-11/ ؛ أسوشيتد برس، «تقدم الحوثيين يثير المخاوف بشأن ممر ملاحي رئيسي»، 12 سبتمبر/أيلول 2026: https://apnews.com/article/ab2e69eb2959979bae44eb4d45ae637e

13. الجزيرة، «السعودية تعلن بدء تحالف للدفاع عن البحر الأحمر»، 14 أغسطس/آب 2026: https://www.aljazeera.com/news/2026/8/14/saudi-arabia-announces-start-of-red-sea-defence-alliance

14. باتريك وينتور، «حلفاء إيران الحوثيون يسيطرون على جزيرة استراتيجية على طريق شحن النفط»، الغارديان، 12 سبتمبر/أيلول 2026: https://www.theguardian.com/world/2026/sep/11/iran-houthi-allies-capture-strategic-island-bab-al-mandab-strait

15. رويترز، «باكستان تقول إنه لا توجد مناقشات بشأن رد عسكري بموجب اتفاق مكة»، 10 سبتمبر/أيلول 2026: https://www.reuters.com/world/middle-east/pakistan-says-no-military-response-discussed-under-mecca-pact-over-houthi-2026-09-10/

«ياقوت بين الحياة والموت» يحوّل المعاناة الاجتماعية إلى صرخة سينمائية بالجديدة


في تسعين ثانية.. كيف جذبت المايكرو دراما جيل Z ونافست الشاشة الكبيرة؟


الحوثيون في قلب باب المندب.. ورقة إيرانية لخنق الطاقة وتحالف سعودي عاجز عن حماية الملاحة


«التايمز»: استهداف السعودية حلفاء الإمارات فتح باب المندب أمام الحوثيين