أنشطة وقضايا
الإعدامات والاحتجاجات تعمّقان قلق طهران..
تصاعد القمع واتساع الغضب الاجتماعي يضعان النظام الإيراني أمام اختبار داخلي
يتزامن هذا التصعيد مع احتجاجات اقتصادية واجتماعية شهدتها مدن إيرانية عدة يومي 20 و21 سبتمبر/أيلول
صعّدت السلطات الإيرانية وتيرة الإعدامات بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات المعيشية في عدد من المدن، في تطور تراه المعارضة الإيرانية جزءاً من سياسة أمنية تستهدف ترهيب المجتمع ومنع عودة التظاهرات الواسعة، بينما تكشف تصريحات مسؤولين أمنيين عن قلق متزايد من الوضع الداخلي واحتمال تجدد الاضطرابات.
وقالت أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في بيان صدر في 22 سبتمبر/أيلول 2026، إن السلطات أعدمت ما لا يقل عن سبعة سجناء، بينهم امرأتان، في سجن دستكرد بمدينة أصفهان خلال عشرة أيام.
وبحسب البيان، أُعدمت رضوان أصغر زاده، البالغة من العمر 45 عاماً والأم لستة أطفال، في 14 سبتمبر/أيلول، فيما أُعدمت زينب رجبي، البالغة 46 عاماً والأم لثلاثة أطفال، قبل ذلك بيوم واحد.
وأضافت المقاومة الإيرانية أن عدد الذين أُعدموا في سجن دستكرد خلال شهر شهريور الإيراني، الذي بدأ في 23 أغسطس/آب، ارتفع إلى ما لا يقل عن 14 سجيناً، بينهم ثلاث نساء، بينما بلغ عدد النساء اللواتي نُفذت بحقهن أحكام الإعدام في إيران خلال الشهر نفسه ست نساء على الأقل.
وفي 19 سبتمبر/أيلول، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية إعدام حسين پدران بعد إدانته بالتجسس والتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل، وفق ما نشرته وكالة «ميزان» التابعة للقضاء الإيراني. ولم يورد بيان المعارضة تفاصيل بشأن المحاكمة أو الضمانات القانونية التي أُتيحت له.
كما أُعدم عبد الرحيم نارويي روزانه ووحيد وفائي في 14 سبتمبر/أيلول، بينما نُفذ حكم الإعدام بحق هوشنك سلطاني وخليل أفغان في أصفهان في اليوم السابق، بحسب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
وامتدت الإعدامات إلى مدن أخرى؛ إذ أُعدم هادي حسنلو، البالغ 36 عاماً، شنقاً في شيراز في 20 سبتمبر/أيلول. وسبق ذلك إعدام مهرداد أسدي في سجن قزل حصار ونعمت مقامي، البالغ 32 عاماً، في الأهواز في 16 سبتمبر/أيلول، فضلاً عن إعدام فريدون أكبر زاده في إيلام وأمير حسين همتي في جيرفت في اليوم السابق.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع الأسماء والأرقام التي أوردتها المعارضة، في ظل القيود المفروضة على تدفق المعلومات المتعلقة بالسجون والمحاكمات وتنفيذ أحكام الإعدام داخل إيران.
وتعتقد المقاومة الإيرانية أن التصاعد في تنفيذ الأحكام يعكس محاولة من جانب السلطات لتخويف المجتمع، ولا سيما في أصفهان التي شهدت نشاطاً احتجاجياً خلال الانتفاضات السابقة. ودعت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الإعدامات وإنقاذ السجناء المحكوم عليهم بالموت.
ويتزامن هذا التصعيد مع احتجاجات اقتصادية واجتماعية شهدتها مدن إيرانية عدة يومي 20 و21 سبتمبر/أيلول، وشارك فيها متقاعدون وعمال وشباب عاطلون عن العمل ومتضررون من مؤسسات مالية وشركات مرتبطة بجهات رسمية.
وقال المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إن متقاعدي الضمان الاجتماعي نظموا تجمعات في طهران والأهواز وشوش ورشت وكرمانشاه، احتجاجاً على تدني الرواتب واتساع الفجوة بينها وبين معدلات التضخم وتكاليف المعيشة.
وردد المحتجون شعارات تطالب باستعادة حقوقهم وتحسين أجورهم، من بينها: «لن نحصل على حقوقنا إلا في الشارع»، و«أيها المتقاعد ارفع صوتك واهتف بحقك»، في تعبير عن تراجع الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية على معالجة الأوضاع الاقتصادية.
وفي أصفهان، سار متقاعدون من صناعة الصلب من منطقة «دروازه دولت» نحو مبنى المحافظة، مطالبين بتسوية مستحقاتهم التأمينية وتعديل رواتبهم بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار.
وشهدت مشهد وطهران وهمدان تجمعات لمواطنين قالوا إن أموالهم تضررت أو احتُجزت لدى مؤسسات استثمارية وعقارية وشركات تجارية. وتجمع متضررون من مؤسسة «أسهم فجر» أمام محكمة في مشهد، بينما احتج متضررون من شركة «يونيك فاينانس» في طهران بعد أربع سنوات من المطالبات غير المثمرة.
كما نُظمت احتجاجات لمتضررين من منصة «إكسكوينو» ومشروع صالحية السكني، إلى جانب عملاء طالبوا بتسليم سياراتهم أمام المقر المركزي لشركة كرمان موتور. وفي همدان، تجمع عدد من المتقدمين إلى مشروع الإسكان الوطني أمام هيئة التفتيش، مطالبين بحسم ملفاتهم.
وفي محافظة خوزستان، تجمع شباب من قريتي موران وعميشية احتجاجاً على البطالة وغياب فرص العمل، رغم قرب مناطقهم من منشآت ومصادر اقتصادية مهمة. وقال بيان المعارضة إن قوات الأمن أطلقت النار واستخدمت رذاذ الفلفل لتفريق المحتجين، الذين رددوا: «ماذا يريد شباب خوزستان؟ العمل أم الرصاص؟».
ولم تصدر السلطات الإيرانية، بحسب المعلومات المتاحة في المادة المصدرية، رواية تفصيلية بشأن المواجهات أو توضح ما إذا كان إطلاق النار قد أدى إلى سقوط ضحايا.
وفي المنطقة الجنوبية، احتج عمال صيانة خطوط ومنشآت السكك الحديدية على تأخر مستحقاتهم، بينما تجمع أصحاب الأكشاك في ياسوج أمام مبنى المحافظة. كما نظم شبان يبحثون عن العمل في منطقة صلاح الدين، التابعة لمدينة دزفول، اعتصاماً أمام شركة بهشتي للزراعة والصناعة، مطالبين بمنح الأولوية في التوظيف للسكان المحليين.
وتأتي هذه التحركات مع حلول الذكرى الرابعة لانتفاضة عام 2022، التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، قبل أن تتسع إلى احتجاجات رفعت مطالب سياسية واجتماعية أوسع وواجهتها السلطات بحملة أمنية واسعة.
ويعكس الخطاب الصادر عن كبار المسؤولين الأمنيين أن السلطة الإيرانية ما تزال تتعامل مع احتمالات تجدد الاحتجاجات بوصفها تهديداً قائماً. فقد وصف قائد قوى الأمن أحمد رضا رادان الأوضاع التي تمر بها البلاد بأنها «ظروف حربية»، محذراً من أن أي تحرك تربطه السلطات بخصومها سيُقابل بإجراءات أمنية صارمة.
وأولى رادان اهتماماً خاصاً بمنظمة مجاهدي خلق وما يُعرف بـ«وحدات المقاومة»، متحدثاً عن تعرض وحدة أمنية لضربة في إحدى المحافظات واعتقال ثلاثة أشخاص اتُّهموا بالانتماء إلى المنظمة، مع استمرار البحث عن آخرين.
ويكشف تكرار الإشارة إلى المنظمة في الخطاب الأمني موقع المعارضة المنظمة في حسابات السلطة، ولا سيما في ظل خشيتها من أن تتقاطع الاحتجاجات الناتجة عن البطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية مع شبكات قادرة على تحويل الغضب المتفرق إلى تحرك سياسي أكثر تنظيماً واستمراراً.
كما تحدث رادان عن مقتل مئات من عناصر الأمن خلال الأشهر الماضية أثناء تنفيذ مهماتهم. وبصرف النظر عن ظروف هذه الحالات ودقة الأرقام المعلنة، فإن عرضها في هذا التوقيت يشير إلى أن المؤسسات الأمنية ترى البيئة الداخلية أكثر اضطراباً مما تعكسه رسائل الاستقرار الرسمية.
وتنظم السلطات، في المقابل، مناورات وتجمعات واسعة تشارك فيها قوات التعبئة والتشكيلات الموالية لها. وتقدم طهران هذه الأنشطة باعتبارها دليلاً على الجاهزية، لكنها تؤدي كذلك وظيفة داخلية تتمثل في إظهار الحضور الأمني وردع أي محاولة لإحياء الاحتجاجات.
غير أن استمرار التظاهرات المطلبية في مدن متفرقة يشير إلى أن الإجراءات الأمنية لم تعالج الأسباب التي تدفع الإيرانيين إلى الشارع. فالتضخم والبطالة وتأخر الأجور وتراجع القدرة الشرائية وأزمات الإسكان والاستثمار تعيد إنتاج الاحتجاج، حتى عندما تظل التحركات محدودة جغرافياً أو محصورة في فئات مهنية واجتماعية بعينها.
وتضع هذه التطورات النظام الإيراني أمام اختبار يتجاوز قدرته على الانتشار الأمني. فزيادة الإعدامات قد ترفع كلفة النشاط المعارض وتفرض حالة من الخوف، لكنها قد تعمق أيضاً الفجوة بين المجتمع والسلطة، خصوصاً عندما تترافق مع غياب حلول اقتصادية وانسداد المجال السياسي.
وتبدو حساسية المرحلة مرتبطة باحتمال التقاء ثلاثة مسارات: تدهور الأوضاع المعيشية، واستمرار الاحتجاجات الفئوية، ونشاط المعارضة المنظمة داخل البلاد. وهذا الاحتمال، أكثر من الذكرى الرمزية لانتفاضة 2022، يفسر تصاعد الخطاب الأمني واستمرار استحضار مجاهدي خلق ووحدات المقاومة في تصريحات المسؤولين الإيرانيين.
فالسلطات لا تواجه ذكرى مضت بقدر ما تتحسب لإمكان تحولها إلى نقطة تعبئة جديدة. وفي بلد يعاني تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى الخطر الأكبر بالنسبة إلى النظام هو انتقال الغضب من احتجاجات متفرقة على الرواتب والبطالة إلى حركة سياسية أوسع يصعب احتواؤها بالأدوات الأمنية وحدها.