ترجمة
تركته وحيداً أمام الحوثيين..
السعودية أرادت هزيمة طارق صالح في المخا ومستقبله السياسي على المحك (ترجمة)
السعودية حجبت الإسناد عن طارق صالح وتركت مشروعه يسقط في المخا
قالت مجلة أمريكية إن تأخر السعودية في إسناد قوات طارق صالح خلال الهجوم الحوثي على الساحل الغربي أسهم في خسارته المخا وانهيار مشروعه العسكري، مشيرةً إلى أن مستقبله السياسي بات مرهوناً بقرار الرياض وما إذا كانت لا تزال ترى فيه حليفاً مفيداً.
وقالت مجلة «نيو لاينز» الأمريكية إن سيطرة الحوثيين على مواقع رئيسية في الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب تمثل تحولاً جذرياً في الحرب اليمنية المستمرة منذ 12 عاماً، وتعيد تشكيل ميزان القوى الداخلي، فيما تمنح إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة، إلى جانب نفوذها القائم حول مضيق هرمز.
وأوضحت المجلة، في تقرير مطول للصحفي والمحلل السياسي اليمني محمد القاضي، أن خريطة الحرب تغيرت في سبتمبر/أيلول بوتيرة أسرع من قدرة القوى السياسية والعسكرية على استيعابها، بعدما تمكن الحوثيون من استعادة مناطق احتاجت القوات المدعومة من التحالف العربي إلى أسابيع للسيطرة عليها عام 2017.
وأضافت أن امتداد الحوثيين إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم فتح بعداً استراتيجياً جديداً للصراع، ووضع السعودية ودول البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية أمام تحدٍ يتجاوز حدود الحرب الداخلية في اليمن.
وعلى مدى سنوات، مثّل الاحتفاظ بالساحل الممتد من المخا إلى باب المندب واحداً من أهم الإنجازات العسكرية للقوات المناهضة للحوثيين. ففي عام 2017، شقت القوات المدعومة من التحالف، ولا سيما القوات التي دعمتها وقادتها الإمارات، طريقها على امتداد الساحل ضمن عملية «السهم الذهبي».
وبدأت العملية في 7 يناير/كانون الثاني 2017، وأُعلن استعادة المخا في 23 من الشهر نفسه. وأمّنت مرحلتها الأولى نحو 50 ميلاً من الساحل، مع استمرار عمليات تطهير المناطق المحيطة من جيوب الحوثيين لعدة أسابيع إضافية. واحتاجت القوات حينها إلى نحو 16 يوماً للوصول إلى المخا، بينما انتقلت الجغرافيا ذاتها، بعد نحو عقد، إلى الحوثيين خلال سبعة أيام فقط.
وذكرت «نيو لاينز» أن الحوثيين شنوا، في 4 سبتمبر/أيلول، هجوماً خاطفاً واسعاً اجتاح حيس والخوخة، وأعاد قواتهم إلى المخا ومدخل باب المندب. ولم تشهد المدن معارك طويلة، إذ انسحبت قوات المقاومة الوطنية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، بصورة مفاجئة عند فجر 10 سبتمبر/أيلول.
وقال كاتب التقرير إنه تابع التطورات وتحدث إلى مسؤولين كبار وقادة ميدانيين قبل انهيار الجبهة وأثناءه، وإن المعلومات التي تلقاها أظهرت أن الانسحاب لم يكن نتيجة تفوق القوات المهاجمة في الساعات الأخيرة وحده، بل جاء بعد اتخاذ قرار بالانسحاب، ما يثير أسئلة بشأن الجهة التي اتخذت القرار، وكيفية تنفيذه، وأسباب انهيار تشكيل عسكري بُني على مدى سنوات بهذه السرعة.
وبحسب التقرير، بدأت مقدمات الانهيار قبل أشهر، عندما شرع الحوثيون في إعداد ساحة المعركة. فقد أمضت الجماعة قرابة عامين في التجنيد وحشد القوات والاستعداد لاندفاعة عسكرية كبيرة، فيما قدرت قوات المقاومة الوطنية حجم التعبئة الحوثية بأكثر من 76 ألف مقاتل.
واستغل الحوثيون المواجهة مع إسرائيل لحشد مقاتلين وإرسالهم إلى الساحل الغربي، بهدف تغيير الميزان العسكري والسيطرة على المناطق المحيطة بباب المندب.
وتنبع أهمية الساحل، وفق المجلة، من أنه يمنح الحوثيين قدرة مباشرة على التأثير في المضيق. وخلال حرب غزة، هاجمت الجماعة السفن العابرة بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة، لكنها أصبحت، بعد مكاسبها البرية، قادرة على استخدام أسلحة أقصر مدى وأقل كلفة ضد السفن.
وكان الحوثيون يسيطرون بالفعل على الساحل الممتد من حجة إلى الحديدة، وأدت مكاسبهم الجديدة إلى توسيع نطاق سيطرتهم على الشريط الساحلي. وقد تساعدهم هذه السيطرة أيضاً على تهريب الأسلحة وتعزيز صلاتهم بجهات مسلحة من غير الدول، بينها حركة الشباب في الصومال.
وقالت المجلة إن الحوثيين افتتحوا المرحلة الرئيسية من هجومهم في 9 أغسطس/آب، بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على مقر قوات المقاومة الوطنية. وسقطت أربعة صواريخ في محيط مقر طارق صالح، لكنه نجا من الهجوم.
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة على الاستعدادات أن قيادة الحوثيين اتخذت، قبل أسابيع من الهجوم، قراراً استراتيجياً بالقضاء على صالح والقوات التي بناها على امتداد الساحل الغربي.
وأفادت روايات أوردها التقرير بأن «مجلس الجهاد» الحوثي، برئاسة عبدالملك الحوثي، اتخذ القرار بمشاركة أعضاء ومستشارين إيرانيين في التخطيط. ولم يكن الهدف إضعاف خصم عسكري فقط، بل إزالة العقبة التي تحول دون وصول الجماعة إلى باب المندب، إذ كانت قوات الساحل تعترض سفناً تستخدم في تهريب الأسلحة عبر القرن الأفريقي.
وكان الهجوم جزءاً من جهد أوسع لانتزاع زمام المبادرة قبل أن تتمكن الحكومة وحلفاؤها الإقليميون من تنفيذ عملياتهم الخاصة.
وسبق للحوثيين مهاجمة معسكرات ومجمعات بين مأرب الغنية بالنفط وحضرموت، بذريعة أن السعودية والحكومة اليمنية تستعدان لإطلاق عملية لاستعادة صنعاء. وبدلاً من انتظار تلك المواجهة، سعت الجماعة إلى فرض معركة بشروطها.
وفي المقابل، نفذت الحكومة، بدعم من الرياض، تعبئة إعلامية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقدمت انطباعاً بأن المعركة المرتقبة ستنهي نفوذ الحوثيين. لكن الجماعة بادرت إلى التحرك، ودمرت معسكرات تابعة لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية في مناطق نائية بين مأرب وحضرموت، ثم صعّدت مواجهتها مع الرياض بعد إعلان ما سمته حصاراً على السفن السعودية العابرة للمضيق.
وأشارت «نيو لاينز» إلى أن التصعيد بدأ قبل ذلك. ففي 3 يوليو/تموز، أقلعت طائرة تشغلها شركة «ماهان إير» الإيرانية من طهران إلى صنعاء، وبقيت في المطار نحو ثلاث ساعات، قبل أن تنقل وفداً حوثياً إلى إيران لحضور جنازة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي كانت إسرائيل قد قتلته.
وبعد عشرة أيام، عادت الطائرة نفسها وعلى متنها الوفد الحوثي وخبراء إيرانيون ومعدات عسكرية متطورة، بينها محركات طائرات مسيّرة ورؤوس صواريخ، وفقاً للمصادر التي استند إليها التقرير.
وسرعان ما أصبحت الطائرة جزءاً من المواجهة المتصاعدة بشأن مطار صنعاء. فقد قصفت مقاتلات المطار، واتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراء الهجوم، بينما أعلنت الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنه. واضطرت الطائرة الإيرانية إلى تحويل مسارها نحو الحديدة على البحر الأحمر.
وكان مدرج الحديدة قد دُمر عام 2015، غير أن إعادة تأهيله، إلى جانب تجهيز مهابط جوية أخرى، أشارت، وفق التقرير، إلى أن الحوثيين كانوا يستعدون لمرحلة جديدة من التصعيد. وقالت مصادر إن الجماعة أنشأت مدارج أيضاً في صعدة وذمار ومناطق أخرى.
وقال الحوثيون إن رحلة «ماهان إير» كانت تهدف إلى كسر الحصار السعودي، مع أن مطار صنعاء لم يكن معزولاً بالكامل، إذ استمرت الرحلات إلى عمّان، بالتزامن مع مناقشات بشأن توسيع عملياته قبل مشاركة الجماعة في حرب غزة وأثناءها.
وفي مايو/أيار 2025، قصفت إسرائيل طائرات يمنية في مطار صنعاء رداً على ضربات حوثية استهدفت الأراضي الإسرائيلية. ورفض الحوثيون نقل الطائرات إلى دول مجاورة، مثل جيبوتي، لتجنب تدميرها خلال المواجهة مع إسرائيل، قبل أن تُدمر ثلاث طائرات دفعة واحدة ويُغلق المطار.
ورأت المجلة أن قصف مطار صنعاء في يوليو/تموز ساعد على دفع المواجهة إلى مرحلة جديدة. وأعلن الحوثيون ما سموه «الحصار مقابل الحصار»، فمنعوا السفن السعودية وبدأوا في استهدافها، بعد أن كان التفاهم السعودي–الحوثي لعام 2022 قد جمّد خطوط الجبهة الرئيسية إلى حد بعيد.
وبحلول صيف 2026، كانت العلاقة بين الحوثيين والسعودية تتحرك مجدداً نحو مواجهة مفتوحة.
وعندما بدأ الهجوم البري، كان الحوثيون قد أمضوا أسابيع في تهيئة ساحة المعركة. ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، أطلقت الجماعة، بين 9 أغسطس/آب و9 سبتمبر/أيلول، نحو 130 صاروخاً باليستياً و145 طائرة مسيّرة انتحارية و15 زورقاً مفخخاً ضد القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
وتعرض ميناء المخا للتدمير، فيما تحملت القوات المدافعة عن الساحل الغربي حملة متواصلة مع قدر ضئيل من الإسناد الجوي الفعلي.
وحشد الحوثيون عشرات الآلاف من المقاتلين، بمن فيهم أفراد من وحدات النخبة، ونشروا قادة كباراً في الحوبان، شمال شرقي تعز. وكان من بينهم محمد العاطفي، وزير الدفاع في حكومة الحوثيين؛ ويوسف المداني، رئيس هيئة الأركان وقائد جبهة البحر الأحمر؛ وعبداللطيف المهدي، المعروف باسم أبو نصر الشاعف، قائد المنطقة العسكرية الرابعة؛ إلى جانب ضباط كبار في الاستخبارات والجيش.
وشارك خبراء من الحرس الثوري الإيراني في العمليات، وفقاً للمصادر التي تحدث إليها القاضي، وأُدير الهجوم على المخا من الحوبان. ولم تكن الاستعدادات سراً، غير أن المعسكر المقابل لم يتخذ الإجراءات التي تمنع الانهيار.
وبالتوازي مع العمليات البرية، خاض الحوثيون معركة في مجال الاتصالات. وأفاد التقرير بأن الجماعة تخلت عن استخدام نظام أطلق عليه اسم «Claude»، خشية أن تكون الولايات المتحدة أو إسرائيل قد اخترقته، ثم جمعت فريقاً من الخبراء الحوثيين وعناصر من حزب الله والعراق.
وأرسلت الجماعة مركبات تحمل برمجيات اتصالات متطورة، بهدف اعتراض الاتصالات بين القوات الموجودة على خطوط الجبهة الممتدة من غرب تعز إلى المخا.
ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، رصدت وحدات الحرب الإلكترونية الحوثية 5,346 جهاز اتصال لاسلكياً بالقرب من خط الجبهة، وتمكنت من التنصت عليها، بينها 3,181 جهازاً حول جبهة البرح في تعز و2,165 جهازاً حول الحديدة.
وبحسب المعلومات التي أوردها كاتب التقرير، استُخدمت المنظومة لاحقاً في إرسال أوامر بالانسحاب إلى وحدات الخطوط الأمامية، بينما كانت المواقع نفسها تتعرض لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أحدث ارتباكاً واسعاً في صفوف المدافعين.
وبعد سقوط مديرية الوازعية في تعز، خشي بعض المقاتلين اقتحام الحوثيين منطقة ذباب وقطع خط الإمداد، ولا سيما أن عائلات عدد منهم كانت تقيم هناك، فتركوا بعض مواقع الخطوط الأمامية لمحاولة إنقاذ عائلاتهم.
وظن السكان أن الانسحاب نهائي، بينما اعتقد المقاتلون أنهم سيتمكنون من العودة إلى مواقعهم، غير أن الوقت لم يكن في صالحهم. وأُبلغ بعض الوحدات بقرار الانسحاب، فيما لم يصل القرار إلى وحدات أخرى، بمن فيها بعض القيادات.
ونقلت المجلة عن قائد بارز قوله إن المقاتلين خاضوا المعارك بشجاعة وضراوة طوال أيام، وإن بعضهم ظل محاصراً يومين وصد هجمات كبيرة رغم عدم النوم لساعات طويلة.
وأضاف القائد أن الطائرات المقاتلة لم تظهر، ولم تُفعّل جبهات أخرى في تعز أو المحافظات المجاورة لتشتيت قوات الحوثيين وقطع خطوط إمدادها، ولذلك جاء الانسحاب غير منظم وغير منضبط، وتحول إلى هزيمة ساحقة.
وكان الهدف الأساسي للحوثيين، وفقاً للمصادر، قتل طارق صالح والاستيلاء على المخا وباب المندب، بصرف النظر عن الكلفة. وأفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني منح العملية مهلة عشرة أيام، قبل أن يخفض عبدالملك الحوثي المهلة إلى 72 ساعة قبل الانهيار بأيام قليلة. وتمكنت القوات المهاجمة من الالتزام بالمهلة.
لكن التقرير رأى أن سرعة الهزيمة لا يمكن تفسيرها بالقوة العسكرية للحوثيين وحدها، إذ كانت الجبهة المقابلة منقسمة أصلاً.
وكان سقوط منطقة الكدحة في غرب تعز مؤشراً مبكراً إلى ما سيأتي. فقد كانت المنطقة تحت سيطرة لواء النصر التابع لمحور تعز العسكري، بينما كان قائد اللواء رامي الخليدي في عدن وقت الهجوم الحوثي على قواته محدودة العدد، وفقاً للتقارير.
وفي 6 سبتمبر/أيلول، سقطت المنطقة من دون مقاومة فعلية تُذكر. وكان طارق صالح قد حذر محور تعز العسكري، قبل أشهر، من الأهمية الاستراتيجية لخط الجبهة وحاجته إلى تعزيزات، لكن تحذيراته لم تؤد إلى الاستجابة التي طلبها، وفقاً لمصادر عسكرية.
وتحدث التقرير عن حالة عميقة من انعدام الثقة بين صالح وعناصر من قوات تعز، إلى جانب حزب الإصلاح ذي التوجه الإخواني.
ونظر بعضهم إلى صالح أساساً بوصفه حليفاً لأبوظبي، رغم إعادة تموضعه لاحقاً مع الرياض، عقب التطورات السياسية والعسكرية التي أدت إلى خروج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في أواخر ديسمبر/كانون الأول وأوائل يناير/كانون الثاني، عندما قصفت السعودية قوات المجلس الانتقالي ومركبات عسكرية إماراتية في حضرموت، ومنحت الإمارات مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن.
ولم يكن أمام حلفاء الإمارات، بمن فيهم طارق صالح، سوى إعادة التموضع مع النظام الجديد الذي أصبحت السعودية تقوده منفردة.
وكان لهذه الشكوك السياسية أثر مباشر عندما بدأ القتال. وما إن سيطر الحوثيون على الكدحة حتى قطعوا الطريق الرابط بين المخا ومدينة تعز، الذي شُيد بتمويل إماراتي.
وعدّ خبراء عسكريون سقوط الكدحة تطوراً حاسماً، لأنه عزل المخا عن مدينة تعز وقطع أي إمدادات محتملة أو ضغط عسكري يمكن أن يساند القوات في المخا والساحل الغربي عموماً.
ولم تُفعّل جبهات أخرى حول تعز لقطع خطوط إمداد الحوثيين أو تشتيتهم عن أهدافهم، لكن الانقسام كان أعمق من طريق واحد أو جبهة عسكرية واحدة.
فقد تشكلت العلاقة بين حزب الإصلاح وحلفائه وخصومه على وقع جراح عام 2011، وأنتجت سنوات الحرب تحالفات جديدة، لكنها لم تمحُ الخصومات القديمة.
وعندما انهار الساحل الغربي، عادت تلك المظالم إلى الظهور. وطالب بعض المنتمين إلى الإصلاح وناشطون آخرون بمحاكمة صالح، وحمّلوه مسؤولية الهزيمة، بحجة أن قواته كانت مسلحة بكثافة وكان يفترض أن تكون قادرة على الدفاع عن المنطقة.
وذهب آخرون، بينهم كتاب سعوديون، إلى اتهام أبوظبي بأن لها يداً فيما حدث، رغم أن القيادة العسكرية والسياسية للمعسكر المناهض للحوثيين كانت قد انتقلت بصورة أوضح إلى السعودية.
ورأت المجلة أن المشكلة الأساسية تكمن في أن القوات المناهضة للحوثيين لم تكن في أي وقت جيشاً واحداً.
فقد تلقت قوات المقاومة الوطنية خلال القتال دعماً من ألوية العمالقة، وهي قوات سلفية أسستها الإمارات، وقوات درع الوطن، وهي قوات ذات توجه سلفي أيضاً أنشأتها السعودية، لكن هذه التشكيلات لم تكن تعمل بالضرورة تحت قيادة ميدانية موحدة.
ولم يتلق بعض أفرادها رواتبهم منذ أشهر، وفقاً للتقرير، فيما لم يقبل آخرون بصورة كاملة سلطة صالح بوصفه قائداً للساحل الغربي.
وكانت النتيجة وجود قوات تمتلك السلاح والعدد والأرض وتقاتل على جبهات متعددة، لكنها افتقرت، في اللحظة الحاسمة، إلى قيادة عسكرية موحدة وفاعلة.
أما وزير الدفاع، الذي كان يفترض أن يوجد في جبهة ساخنة مثل الساحل الغربي، فقد اختار، بحسب منتقديه، الجبهة الخطأ في التوقيت الخطأ، إذ توجه إلى الضالع، معقل الانفصاليين الجنوبيين، حيث نُصب كمين لموكبه واحتُجز فترة من الوقت. ووصف التقرير الزيارة بأنها كانت بلا معنى.
وفي المقابل، واجه الحوثيون وضعاً مختلفاً. فقد كانت قيادتهم مركزية، وهدفهم واضحاً، وتمكنوا من حشد عشرات الآلاف من المقاتلين في جبهة واحدة، وهو فارق أثبت أنه حاسم.
وكانت كلفة الانهيار وعواقبه على السيطرة الإقليمية هائلة. فقد استولى الحوثيون على نحو ألفي ميل مربع في هجوم واحد، وعادوا إلى باب المندب بعد ما يقرب من عقد.
ولم تقتصر مكاسبهم على الأرض، إذ كان الساحل الغربي يضم بنية تحتية عسكرية طُورت خلال سنوات بدعم إماراتي كبير، بينها مخازن أسلحة وذخيرة ومجمعات عسكرية وأنظمة اتصالات ومواقع استراتيجية تحيط بالمخا.
ومن بين المنشآت التي سقطت في أيدي الحوثيين ميناء المخا، الذي دمرته صواريخهم لاحقاً، والمطار، ومحطة للطاقة الشمسية، والمنظومة الأمنية والعسكرية المحيطة بجبل النار، الذي يضم قاعدة عسكرية ومركزاً للقيادة والسيطرة بنته الإمارات.
كما سيطر الحوثيون على مجمع العمري العسكري المطل على المناطق القريبة من المضيق، والمواقع الجبلية المحيطة بالمخا.
وكانت المخا قد شهدت تنمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، وتزايد عدد سكانها، وأصبحت، إلى جانب مأرب، نموذجاً للتنمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
واستولى الحوثيون أيضاً على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. ووصف رئيس استخبارات سابق بارز المنظومة التي تركتها القوات المنسحبة بأنها «منظومة عسكرية وأمنية لدولة»، وهي عبارة قال التقرير إنها تلخص حجم ما فُقد خلال أيام قليلة.
ولم يكن الانهيار تخلياً عن خط دفاعي فقط، بل مثّل اختفاء بنية عسكرية استغرق بناؤها سنوات.
ورأى التقرير أن من بين الأخطاء الفادحة إنشاء قاعدة استراتيجية للقيادة والسيطرة في جبل النار، على مسافة 11 ميلاً فقط من خط الجبهة مع الحوثيين، ربما للاستفادة من غطاء الجبل في تجنب الضربات.
وعلى الرغم من تحصين القاعدة بما يكفي لحمايتها من الصواريخ الحوثية، فإنها كانت هشة أمام تقدم القوات البرية.
وبمجرد الاستيلاء عليها، سقطت غرفة قيادة العملية وانقطع الاتصال بالوحدات العسكرية. ووفقاً لأشخاص من المنطقة وروايات عن المعركة، تركز القتال الحاسم في القطاع الأوسط من الجبهة الغربية.
وكان المحور الحرج يمر عبر البرح ومفرق المخا ومعسكر خالد وجبل النار. وبدأ الانهيار بتعرض مفرق البرح للضغط، ثم اختراق المنظومة الدفاعية حول معسكر خالد، وتهديد جبل النار وهيكل القيادة، وتدهور الاتصالات والتنسيق، قبل أن تبدأ القوات الانسحاب.
ولم تكن هناك خطة للانتقال إلى مواقع دفاعية بديلة، ما جعل المخا أكثر عرضة للسقوط.
وتكمن أهمية هذا التسلسل في أن الحوثيين لم يكونوا بحاجة إلى تدمير كل تشكيل عسكري في الوقت نفسه، بل ركزوا هجومهم على عقد القيادة والاتصال والمحاور الحساسة.
وقالت بعض المصادر إن الألوية التهامية، التي كانت تقاتل في مديريتي الخوخة وحيس بمحافظة الحديدة ضمن قوات المقاومة الوطنية، حافظت على قدر أكبر من التماسك، ونفذت انسحاباً في الوقت المناسب قبل أن تتعرض للتطويق الكامل.
ورجح التقرير أن تتولى هذه الوحدات دوراً قيادياً في أي ترتيبات عسكرية مستقبلية في تلك المناطق.
وكانت الخسائر البشرية فادحة. فوفقاً لتقارير وزارة الصحة، قُتل أكثر من 700 حوثي وأُصيب مئات، فيما تكبدت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية أكثر من 500 قتيل ونحو 1,500 مصاب.
ورغم احتمال أن تكون الأعداد الحقيقية أعلى، فإن الأهمية الاستراتيجية للهزيمة تتجاوز حجم الخسائر، إذ أصبح الحوثيون يمتلكون أسلحة وذخائر يمكن أن تدعم عملياتهم لأشهر.
وظل الطيران يمثل نقطة الضعف الرئيسية للحوثيين طوال الصراع، ولا سيما في المناطق المنبسطة، لأن مقاتلي الجماعة أكثر قدرة على القتال في التضاريس الجبلية الوعرة.
وقالت مصادر إن طارق صالح طلب مزيداً من الإسناد الجوي، لكن الضربات المحدودة لم تتمكن من وقف الأعداد الكبيرة من المقاتلين الحوثيين، ولم تفعل الكثير لإبطاء الانسحاب.
وبعد انسحاب قوات صالح والتشكيلات المساندة، تحركت القوات نحو خور عميرة في لحج، بينما لاحقها الحوثيون بضربات صاروخية.
وجاء الإسناد الجوي المكثف متأخراً، بعد اكتمال الانسحاب. وأُبلغ عن ضربات واسعة ضد أهداف حوثية على امتداد الساحل الغربي وفي مناطق أخرى، أدت إلى تدمير بعض الأسلحة التي تركتها قوات المقاومة الوطنية ومخازن داخل الجبال.
وأحصى الحوثيون 450 غارة جوية خلال أسبوع، فيما أفادت تقارير ميدانية بمقتل مئات من مقاتلي الجماعة.
وذكّرت الحملة الجوية بالأيام الأولى لعملية «عاصفة الحزم» في مارس/آذار 2015، عندما هيمنت القوة الجوية على ساحة المعركة. لكن المجلة أشارت إلى وجود فرق جوهري بين تدمير موقع والسيطرة عليه.
فالطائرات تستطيع ضرب مخازن الأسلحة ومراكز القيادة والمنشآت العسكرية، لكنها لا تستطيع احتلال جبل أو تأمين طريق أو الدفاع عن ميناء. وتتطلب هذه المهام قوات برية تعمل تحت قيادة واحدة.
ولم تكن هناك قوة بهذه المواصفات عندما انهارت جبهة الساحل الغربي.
ولا يزال شن هجوم مضاد ممكناً، وفق التقرير، لكنه يتطلب من القوات المتبقية إعادة التجمع وإنشاء هيكل قيادة متماسك قبل محاولة استعادة الأراضي المفقودة.
ويعمل الحوثيون على تثبيت مواقعهم في المناطق التي سيطروا عليها، وسط تقارير عن زرع الألغام، ما يجعل إخراجهم أكثر صعوبة كلما طال بقاؤهم.
كما تسعى الجماعة إلى السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة في تعز ولحج المطلة على المضيق لحماية خطوطها الخلفية، بالتزامن مع العمل على خطوتها التالية المحتملة باتجاه مأرب.
وسرعان ما تحول الانهيار العسكري إلى أزمة إنسانية، إذ نزح نحو 100 ألف شخص خلال فترة قصيرة.
وأفادت تقارير بأن بعض النازحين، من العسكريين والمدنيين، تعرضوا لمضايقات من قوات أمنية جنوبية أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً في عدن. وجاء النزوح الجديد بعد سنوات من النزوح المتكرر منذ اندلاع الحرب عام 2015.
وبالنسبة إلى المدنيين، لم يكن انهيار الساحل الغربي تغييراً في خريطة عسكرية، بل رحلة قسرية جديدة، وتركاً لمنزل آخر، وبحثاً محفوفاً بعدم اليقين عن الأمان.
أما بالنسبة إلى طارق صالح، فتحمل الهزيمة دلالة سياسية وشخصية ثقيلة. فالقوة التي بناها بدعم إماراتي، ويُقدر عددها بنحو 50 ألف مقاتل، اختفت فعلياً من الساحل الغربي.
وفقد صالح السيطرة على ساحة المعركة وانتقل إلى عدن، حيث أمضى بضعة أيام في القصر الرئاسي قبل السفر إلى الرياض. وكانت تلك عودته الأولى إلى عدن منذ عام 2022.
واستعرض التقرير الخلفية السياسية والعسكرية لطارق صالح، مشيراً إلى أنه عجز، في 3 يونيو/حزيران 2011، عن حماية عمه الرئيس آنذاك علي عبدالله صالح، عندما انفجرت عبوة من مادة «C4» داخل مسجد النهدين عقب صلاة الجمعة.
وأُصيب الرئيس السابق بجروح خطيرة ونُقل إلى السعودية للعلاج. وبعد ست سنوات، في 2 ديسمبر/كانون الأول 2017، انقلب علي عبدالله صالح على الحوثيين بعد سنوات من التحالف معهم، فاندلع القتال في صنعاء وقتلته الجماعة بعد أيام من انتفاضته.
وتمكن طارق صالح من مغادرة صنعاء والوصول إلى منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة، ثم بدأ، بدعم من أبوظبي، بناء القوة التي عُرفت لاحقاً باسم قوات المقاومة الوطنية، واتخذ من المخا ومحيطها قاعدة رئيسية لها.
ومنذ ذلك الحين، حاول تجاوز الصراعات السياسية السابقة، وقدم الحوثيين بوصفهم العدو الرئيسي، مع التأكيد أن صنعاء ينبغي أن تظل الهدف النهائي.
لكن الذكريات السياسية لم تختفِ مع تغير التحالفات. وبالنسبة إلى بعض خصومه، ظلت جراح عام 2011 والخصومة القديمة بين معسكر صالح وحزب الإصلاح حاضرة، وعادت تلك التوترات إلى الظهور عند انهيار الساحل الغربي، في اللحظة التي كان فيها المعسكر المناهض للحوثيين في أمسّ الحاجة إلى الوحدة.
وكان طارق صالح قد تولى قيادة وحدة الحماية الخاصة التابعة للحرس الجمهوري واللواء الثالث حرس جمهوري، قبل أن يقيله الرئيس السابق عبدربه منصور هادي في أبريل/نيسان 2012، بعد انتخاب هادي من دون منافس لخلافة علي عبدالله صالح في خضم احتجاجات الربيع العربي.
وعارض طارق صالح قرار الإقالة وتمرد عليه، قبل أن يتعرض لضغوط دفعته إلى قبول العزل، ضمن إجراءات استهدفت عدداً من القادة المقربين من علي عبدالله صالح، بينهم نجله أحمد.
وظل طارق صالح موالياً لعمه بعد تسليم الأخير السلطة إلى نائبه. وحافظ علي عبدالله صالح على موقعه القيادي داخل حزب المؤتمر الشعبي العام، بينما كان طارق مساعده الرئيسي خلال الفترة التي حاول فيها الرئيس السابق تقويض سلطة هادي، ودخل في تحالف مع الحوثيين، أعدائه السابقين.
وتعزز الارتباط بين معسكر صالح والحوثيين، وكان الهدف المشترك إيصال الجماعة إلى صنعاء وإطاحة هادي وحلفائه، بمن فيهم حزب الإصلاح، الذي وصفه التقرير بأنه ائتلاف من القبائل والقوى العسكرية والإخوان المسلمين.
وعندما قادت السعودية تحالفاً ضد الحوثيين عقب سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، كان طارق صالح وعمه يدعمان الجماعة.
وشكل علي عبدالله صالح حكومة مع الحوثيين لمواجهة حكومة هادي المدعومة آنذاك من السعودية والإمارات. وظل طارق يقاتل إلى جانب الجماعة حتى ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما انفصل عمه عنها وقُتل لاحقاً.
وقال التقرير إن منتقدي طارق صالح يرون أنه لم يتعلم من أخطاء عمه خلال سنوات حكمه الثلاث والثلاثين، وإن دائرته الضيقة من المنتفعين كانت تنتمي إلى قبيلته.
وحتى أبريل/نيسان 2022، لم تكن لطارق صالح علاقة بالحكومة المركزية. وعندما أبرمت السعودية تفاهمات مع الحوثيين، أُنشئ مجلس القيادة الرئاسي المؤلف من ثمانية أعضاء، بينهم صالح، لتسلم السلطة من هادي.
وكان الهدف المعلن للمجلس تجسير الانقسامات العميقة داخل الكتلة المناهضة للحوثيين، غير أن تلك الانقسامات استمرت.
ورأى التقرير أن صالح خسر المعركة وربما خسر معها مستقبله السياسي والعسكري، لأن القادة الذين يتعرضون لهزيمة بهذا الحجم يُجبرون غالباً على الاستقالة أو يواجهون عواقب أشد.
واستحضر الكاتب هزيمة مصر في حرب عام 1967، عندما أعلن الرئيس جمال عبدالناصر استقالته، قبل أن ينزل ملايين المصريين إلى الشوارع للمطالبة ببقائه، فيتراجع عن القرار.
وقال إن طارق صالح لا يمكن أن يكون عبدالناصر، ولا توجد مؤشرات على أن الناس سيطالبونه بالبقاء أو قيادة المعركة مرة أخرى.
ولذلك، لا يعتمد مستقبله على التطورات العسكرية فقط، بل أيضاً على ما إذا كانت الرياض ستقرر أنه ما يزال مفيداً من الناحية الاستراتيجية. وقد تحدد المرحلة المقبلة ما إذا كانت الهزيمة انتكاسة مؤقتة أم نهاية مشروع صالح العسكري والسياسي.
ويرى بعض خصومه، ولا سيما المنتمين إلى حزب الإصلاح، أن صالح خان المعركة بسبب الانهيار السريع لقواته. وقد صدم سقوط الجبهة الجميع، بمن فيهم خصومه في تعز ومناطق أخرى، لأنهم كانوا ينظرون إلى قواته بوصفها الحصن الرئيسي في مواجهة الحوثيين.
وفي المقابل، دافع عنه آخرون، وقالوا إنه قاتل الحوثيين، وربما كان العضو الوحيد في مجلس القيادة الرئاسي الموجود على الأرض بصورة مستمرة، بخلاف أعضاء يقيمون خارج البلاد.
لكن التقرير خلص إلى أن انهيار الساحل الغربي لا يمكن تحميل مسؤوليته لقائد واحد، لأنه كشف إخفاقاً أوسع في إنشاء بنية عسكرية موحدة من قوات جمعتها معارضة الحوثيين أكثر مما جمعها مشروع سياسي مشترك.
وكان يفترض أن يوفر مجلس القيادة الرئاسي إطاراً لهذا التنسيق. وأدى خروج المجلس الانتقالي الجنوبي وتقليص الدور الإماراتي المباشر إلى توقعات بأن يصبح التنسيق بين القوات المناهضة للحوثيين أكثر سهولة، ولا سيما أن التشكيلات المختلفة أصبحت خاضعة بصورة أوضح للقيادة السعودية المنفردة.
لكن معركة الساحل الغربي أظهرت أن الانقسامات لم تختفِ. فقد بقيت قوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة وقوات درع الوطن هياكل عسكرية منفصلة، لكل منها سلسلة ولاء وقيادة مختلفة، على الرغم من وجودها اسمياً في معسكر واحد.
واستغل الحوثيون هذا التشرذم، وغيّر انتصارهم جغرافية اليمن الاستراتيجية ومسار الصراع. فعلى مدى نحو عشر سنوات، أُبعدت الجماعة عن باب المندب، لكنها عادت إليه اليوم.
ولا تقتصر أهمية التطور على الحرب الداخلية، لأن المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وأصبح محورياً في المواجهة الأوسع المرتبطة بهجمات الحوثيين على حركة الملاحة.
ويمثل ذلك مكسباً استراتيجياً كبيراً لإيران وحلفائها. ففي أنحاء ما تسميه طهران «محور المقاومة»، أشاد حلفاء إيران في العراق ولبنان، إلى جانب مؤيدين مرتبطين بغزة، بالتقدم الحوثي.
ووصفت وسائل إعلام الاحتفالات في طهران وصنعاء بأنها «ليلة إيرانية يمنية». واليمن الذي احتفلت به تلك الأطراف هو، بصورة أساسية، الجزء الواقع في شمال غربي البلاد والخاضع لسيطرة الحوثيين، حيث تعيش أغلبية سكان اليمن.
وبالنسبة إلى طهران، ترتبط القيمة الاستراتيجية لليمن بالساحل الخاضع لسيطرة حليفها الحوثي، الذي يمتد قرابة 400 ميل من حجة إلى باب المندب. وتمنح عودة الجماعة إلى منطقة المضيق إيران ورقة ضغط إضافية تستخدمها إلى جانب مضيق هرمز.
وبدأت التداعيات الدولية تظهر بالفعل. فقد غيرت مشاركة الحوثيين في حرب غزة وهجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن الطريقة التي تنظر بها حكومات كثيرة إلى الجماعة.
فالدول التي كانت ترى الحوثيين سابقاً من زاوية الصراع اليمني الداخلي أصبحت تتعامل معهم بصورة متزايدة باعتبارهم تهديداً للنشاط البحري. وزادت سيطرتهم على المخا ومداخل المضيق وجزر البحر الأحمر الاستراتيجية من حدة هذا القلق.
لكن أهمية باب المندب الاستراتيجية تبدو لكثير من اليمنيين المقيمين حوله فكرة بعيدة عن واقعهم اليومي، الذي تحكمه سنوات من الفقر والحرمان والإهمال.
وتحدث كاتب التقرير عن زيارته الأخيرة للمنطقة، عندما قاد سيارته في الساعات الأولى من صباح 7 مارس/آذار 2022 عائداً من المخا إلى عدن برفقة زملاء.
وقال إن المجتمعات المحلية كانت تعيش بموارد شحيحة داخل مساكن مؤقتة، بينما يخرج الصيادون إلى البحر بقوارب صغيرة ويكافحون لتأمين ما يكفي لإعالة أسرهم.
ولم يقدم المشهد سوى دلائل محدودة على الأهمية الجيوسياسية الهائلة المنسوبة إلى المنطقة. ففي الوقت الذي تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على النفوذ في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، يكافح السكان المقيمون على ضفتيه لتوفير لقمة العيش.
وهذه هي مفارقة باب المندب: يجذب الشريط المائي الضيق اهتمام دول وجيوش بعيدة عن اليمن، لكن كثيراً من السكان الذين يعيشون حوله لم يحصلوا على الرخاء أو التنمية اللذين يفترض أن تنتجهما أهميته الاستراتيجية.
وبالنسبة إلى تلك المجتمعات، لا يمثل باب المندب ممراً جيوسياسياً فقط، بل هو موطنها الذي ارتبطت حياتها اليومية به.
وحاول الحوثيون، عقب تقدمهم، طمأنة العالم الخارجي. ففي اليوم التالي لانتصارهم على الساحل الغربي، وخلال اجتماع بين ممثلين عنهم ومسؤولي السفارة الأمريكية في مسقط، قالوا إنهم لا يعتزمون مهاجمة السفن الأمريكية.
كما قالوا إنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية، وإن المضيق سيظل آمناً، باستثناء السفن السعودية، إلى أن ترفع الرياض ما وصفوه بالحصار السعودي.
وتحدث الحوثيون مع الروس أيضاً، بينما أفادت التقارير بأن مصر رفضت إجراء مناقشات معهم بشأن الأمن البحري.
غير أن تصريحات الناشطين والمقاتلين الحوثيين على الأرض عقدت الرسالة التي حاولت قيادة الجماعة توجيهها إلى الخارج. فقد وصل مقاتلون إلى جزيرة ميون، وتحدثوا عن إنشاء نقطة تفتيش بحرية وإيقاف السفن.
وبدت الرسالة الصادرة عن المقاتلين على الأرض أعلى صوتاً من خطاب التطمين السياسي الذي قدمته القيادة.
وبالنسبة إلى شركات الشحن، تخلق مثل هذه التصريحات حالة من عدم اليقين، حتى إذا أصرت قيادة الحوثيين على أن المضيق سيظل مفتوحاً.
ومن النتائج المحتملة أن تختار الشركات تحويل مسارات السفن حول القارة الأفريقية، بما يضيف وقتاً وكلفة كبيرين إلى الرحلات.
وفي الوقت نفسه، يعمل الحوثيون على ترسيخ وجودهم العسكري في الجبال المطلة على باب المندب. ويحفرون الخنادق ويعززون المواقع الجبلية ويستخدمون المجمعات العسكرية المهجورة.
وعادت الجماعة إلى مناطق أُخرجت منها قبل نحو عقد، لكنها تعود هذه المرة بخبرة متراكمة من سنوات الحرب، وفي بيئة إقليمية مختلفة.
ويدرك الحوثيون أن خصومهم والسعودية لن يقبلوا، على الأرجح، بالواقع الجديد إلى أجل غير مسمى.
ولذلك، قد تمثل الغارات الجوية التي أعقبت الانهيار أكثر من رد انتقامي أو محاولة لتدمير الأسلحة التي استولى عليها الحوثيون. وقد تكون بداية استعدادات لهجوم مضاد، ربما يهدف إلى استعادة المناطق المفقودة على امتداد الساحل الغربي وفتح جبهات ضغط أخرى، مع تزايد هجمات الجماعة على البنية التحتية السعودية.
وأيد بعض الدبلوماسيين الغربيين تحركات السعودية الأخيرة، رغم أنهم كانوا قد اعتبروا سابقاً عدم منع الهجوم المدعوم من السعودية والإمارات على الحديدة عام 2018 خطأً استراتيجياً.
وبالنسبة إلى المنظمات الإنسانية، ظل ميناء الحديدة شريان حياة لملايين اليمنيين. ولم يُنفذ بالكامل اتفاق ستوكهولم الذي أعقب هجوم عام 2018، وكان هدفه حماية وظيفة الميناء الإنسانية.
لكن مسؤولاً أجنبياً قدم وصفاً مختلفاً لدور الميناء، وقال إنه أصبح «شريان حياة لأسلحة الحوثيين».
وشكل هذا التناقض الساحل الغربي لليمن منذ سنوات؛ فالجغرافيا نفسها التي تجعل المنطقة حيوية للمدنيين تمنحها قيمة استراتيجية لكل طرف يسعى إلى توسيع نفوذه في البلاد.
ويبقى السؤال، وفق المجلة، ما إذا كانت القوات التي خسرت الساحل قادرة على التعافي من الهزيمة.
وقد يحاول طارق صالح إعادة بناء قواته، وقد تعمق السعودية تدخلها، وقد تسعى الحكومة إلى إعادة تنظيم الهياكل العسكرية التي انهارت.
وقد تستنتج فصائل يمنية أخرى أن خسارة باب المندب جعلت التنسيق العسكري ضرورة لا يمكن تجنبها.
لكن السؤال الأعمق يظل سياسياً: هل يستطيع المعسكر المناهض للحوثيين تجاوز الخصومات التي منعته مراراً من العمل بوصفه قوة موحدة؟
وأظهر الحوثيون ما يمكن أن تحققه قيادة مركزية وقوة بشرية مركزة وهدف محدد بوضوح في مواجهة خصم منقسم.
فقد استعادوا المخا والوصول إلى باب المندب، وسيطروا على بنية تحتية عسكرية بُنيت خلال سنوات لإبقائهم بعيداً عن الساحل.
وكان يفترض أن تكون المخا حاجزاً في وجه الحوثيين، لكنها تحولت، خلال سبعة أيام، إلى بوابتهم نحو باب المندب.
ونقلت «نيو لاينز» عن مصدر حكومي قوله إن لجنة لتقصي الحقائق ستُشكل للتحقيق فيما حدث، لكنه استبعد أن تحاسب اللجنة أي مسؤول، لأن المساءلة لم تكن جزءاً ثابتاً من التاريخ السياسي اليمني.
وفيما تتصاعد المطالب بمحاسبة طارق صالح، يرى آخرون أن المساءلة ينبغي أن تشمل جميع الشخصيات التي شاركت في الانتكاسات العسكرية المتعاقبة، منذ الفرار من صنعاء وسقوط جبهتي نهم والجوف وصولاً إلى انهيار الساحل الغربي.
لكن فريقاً آخر يرى أن المرحلة ليست مناسبة لتبادل الاتهامات والمشاحنات التي قد تزيد انقسام المعسكر المناهض للحوثيين، بل لمداواة الجراح والاستعداد للمواجهة المقبلة، خشية أن يواصل الحوثيون التوسع بينما ينشغل خصومهم بتصفية حساباتهم القديمة.
-------------------------------------------------------------------------------
المصدر: تقرير الصحفي اليمني محمد القاضي المنشور في مجلة «نيو لاينز» الأمريكية بعنوان: الهجوم الخاطف الذي استمر سبعة أيام وغيّر حرب اليمن.