تقارير
الجامعة تشعل هواجس النظام..
احتجاجات طلابية في طهران تربط الغلاء بالمطالبة برحيل الملالي
فتح احتجاج طلاب جامعة العلامة طباطبائي في طهران، الاثنين 28 سبتمبر/أيلول، نافذة جديدة على حجم التوتر الذي يحيط بالمشهد الداخلي الإيراني، بعدما تجاوزت الهتافات المطالب المرتبطة بتكاليف الدراسة لتصل إلى الدعوة الصريحة لرحيل النظام الحاكم.
وردد الطلاب شعارات من بينها: «الغلاء والتضخم بلاء على حياة الشعب» و«جامعة مقابل المال.. لا نريدها»، قبل أن يرتفع سقف الاحتجاج بهتاف «لن يصبح الوطن وطناً حتى يرحل الملالي»، في تحول نقل التحرك من نطاقه الجامعي إلى مواجهة سياسية مباشرة مع سلطة ولاية الفقيه.
ورفض المحتجون دعوات الحوار التي تطرحها المؤسسات الرسمية، مرددين «حواركم لا نريده»، في مؤشر إلى تراجع الثقة بقدرة النظام على معالجة الأزمات التي تضغط على الطلاب وقطاعات واسعة من الإيرانيين.
وتنبع حساسية التحرك من تزامنه مع بداية العام الدراسي، وهي مناسبة تتعامل معها السلطات الإيرانية بحذر متزايد، بالنظر إلى الدور الذي لعبته الجامعات في موجات احتجاج سابقة، وقدرتها على تحويل المطالب التعليمية والمعيشية إلى شعارات سياسية تنتقل سريعاً إلى الشارع.
وكشفت تصريحات إسماعيل أحمدي مقدم، القائد السابق لقوات الشرطة الإيرانية، عن طبيعة المخاوف داخل الأجهزة الأمنية. فقد دعا وزارة المخابرات والحرس الثوري وقوات الباسيج والشرطة إلى الحفاظ على جاهزيتها، محذراً من جهات قال إنها تسعى إلى تحويل «كل شرارة» إلى «لهب».
ويعكس استخدام هذا التعبير رؤية أمنية تعتبر أي تجمع محدود نقطة انطلاق محتملة لتحرك أوسع، خصوصاً في ظل التضخم وارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات الحاكمة.
وتحدثت تقارير معارضة عن نشر نحو 51 ألفاً من عناصر الأمن والقوات المكلفة بمواجهة الاحتجاجات في طهران الكبرى، وإلغاء الإجازات ورفع مستوى التأهب، بالتزامن مع تشديد الإجراءات حول الجامعات والمدارس، ولا سيما في طهران وأصفهان.
كما أفادت التقارير بإجراء عمليات تفتيش وفحص لهواتف بعض المواطنين في الشوارع، وإدخال معدات إضافية للسيطرة على التجمعات، فضلاً عن تقديم حوافز مالية لعناصر أمنية. ولم يصدر تأكيد مستقل لهذه الأرقام، إلا أن مظاهر الانتشار الأمني تشير إلى تعامل السلطات بجدية مع احتمالات اتساع الاحتجاجات.
وتحمل الجامعة الإيرانية إرثاً سياسياً يجعلها إحدى أكثر الساحات حساسية بالنسبة إلى النظام. فالطلاب يعيشون ضغطاً مزدوجاً يجمع بين القيود السياسية والاجتماعية من جهة، وارتفاع تكاليف التعليم وصعوبة الحصول على فرص عمل وبناء مستقبل مستقر من جهة أخرى.
وفي مثل هذه البيئة، تتقلص المسافة بين المطلب الاقتصادي والشعار السياسي. فالطالب الذي يحتج على الرسوم الجامعية يتحرك داخل المجتمع نفسه الذي يعاني فيه العمال من تآكل الأجور، والمتقاعدون من ضعف الرواتب، والأسر من الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
ويتمثل السيناريو الأكثر إقلاقاً للسلطات في انتقال الاحتجاجات بين هذه الفئات، بحيث لا تبقى التحركات جزرًا منفصلة يمكن احتواؤها، بل تتحول إلى موجة مترابطة تجمع الطلاب والعمال والمتقاعدين وسائر المتضررين من الأزمة الاقتصادية.
ويتقاطع هذا القلق مع تشديد الإجراءات ضد أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، في ظل مخاوف السلطة من التقاء الاحتجاجات الاجتماعية العفوية بشبكات معارضة منظمة قادرة على منحها قدراً أكبر من الاستمرارية والانتشار.
وتقول المنظمة إن وحدات المقاومة التابعة لها تنشط داخل المدن الإيرانية، وتعمل على نشر الشعارات المناهضة للنظام وتشجيع الاحتجاجات وربط المطالب الاجتماعية بمشروع التغيير السياسي. ولا تتوافر إمكانية مستقلة للتحقق من حجم هذا النشاط، لكن تكرار ورود اسم المنظمة في الخطاب الأمني الإيراني يكشف حضورها في حسابات السلطة.
وتزداد دلالة ذلك مع تقارير عن استئناف الإجراءات القضائية بحق أعضاء وأنصار مجاهدي خلق بعد توقف استمر نحو سبعة أشهر، بالتوازي مع تصاعد الاستنفار الأمني حول الجامعات والشوارع.
ويبدو أن السلطات تواجه معادلة معقدة تجمع أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وغضباً شعبياً يظهر في تحركات متفرقة، ومعارضة تسعى إلى تحويل هذا الغضب إلى مسار سياسي أكثر تنظيماً.
ولا يعني تحرك جامعة واحدة أن انتفاضة وطنية بدأت بالفعل، لكن حجم الإجراءات الأمنية ولغة التحذير التي يستخدمها مسؤولون حاليون وسابقون يكشفان أن النظام يتعامل مع احتمالات التصعيد باعتبارها خطراً قائماً.
لقد جمعت هتافات جامعة العلامة طباطبائي بين الغلاء والرفض السياسي، بينما ردت الأجهزة الأمنية بالحديث عن «الشرارة» و«اللهب» وضرورة منع المحتجين من تثبيت وجودهم في الشارع.
وبين المشهدين تقف إيران أمام تراكم من الأزمات التي لم تعد محصورة في قطاع واحد. ولذلك لا تخشى السلطة احتجاجاً طلابياً منفرداً بقدر ما تخشى اللحظة التي تلتقي فيها تحركات الطلاب والعمال والمتقاعدين مع شبكات معارضة تسعى إلى توحيدها ومنحها اتجاهاً سياسياً مستمراً.