تقارير
حشود حوثية في صعدة تنذر بفتح جبهة مباشرة مع الرياض..
معركة الحدود اليمنيّة: هل تنجح القوات المحلية في احتواء التهديد قبل اختراق الأراضي السعودية؟
تعود محافظة صعدة إلى صدارة المشهد العسكري في اليمن، وسط مؤشرات على حشد جماعة الحوثيين مقاتلين وأسلحة ومعدات قرب الحدود السعودية، بالتزامن مع تصاعد العمليات التي تنفذها القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية ضد مواقع الجماعة وخطوط إمدادها داخل المحافظة.
وتعيد هذه التحركات فتح ملف الجبهات الحدودية التي شكلت، منذ تدخل التحالف بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، إحدى أكثر ساحات الحرب حساسية، بعدما شهدت هجمات صاروخية ومدفعية ومحاولات تسلل وتوغلات حوثية باتجاه نجران وجازان.
وتكتسب جبهات صعدة أهميتها من موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بالأراضي السعودية. فمديرية كتاف والبقع تمتد بمحاذاة منطقة نجران وتضم منفذ البقع الحدودي، بينما يقع محور علب في مديرية باقم، ما يجعل هذه المناطق مداخل محتملة لأي تحرك عسكري باتجاه المملكة.
وقالت مصادر عسكرية ومحلية لـ«العربي الجديد» إن الحوثيين كثفوا، خلال الأيام الأخيرة، عمليات نقل المقاتلين والأسلحة والمعدات إلى المناطق القريبة من الحدود. وترى مصادر في القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية أن حجم التعزيزات وطبيعتها يشيران إلى استعداد يتجاوز دعم المواقع الدفاعية، وقد يمهد لتنفيذ هجمات داخل الأراضي السعودية.
وقال مصدر عسكري يعمل في المناطق الحدودية إن الحوثيين «يعدّون لمواجهة على الحدود» ويسعون إلى تحقيق اختراق داخل المملكة، مستفيدين من الطبيعة الجبلية الوعرة وشبكات الطرق التي تربط معاقلهم في صعدة بمحاور كتاف والبقع وعلب.
وفي المقابل، يتهم الحوثيون السعودية بتنفيذ غارات على صعدة ومحافظات يمنية أخرى، بينما تقول القوات اليمنية المحلية الموالية للرياض إن جزءاً كبيراً من الضربات الجوية والمدفعية المعلنة تنفذه وحداتها ضد مواقع الجماعة وتعزيزاتها.
وظهر الحضور المتزايد لجبهات صعدة في البيانات العسكرية الصادرة خلال الأيام الماضية. وقال الناطق باسم القوات المسلحة التابعة لحكومة المنفى اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، إن القوات نفذت، خلال 72 ساعة، 756 عملية استهداف شملت كتاف والبقع ومحور علب، إلى جانب مواقع في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز.
وفي اليوم التالي، أعلن النزيلي تنفيذ 356 عملية خلال 24 ساعة، شملت أيضاً جبهات الساحل وحرض والطوال في محافظة حجة. وقال إن الضربات استهدفت تعزيزات حوثية ومراكز للقيادة والسيطرة ومستودعات أسلحة ومواقع مدفعية وآليات عسكرية.
وبحسب مصدر عسكري في المناطق الحدودية، بدأت العمليات في صعدة بكثافة أقل مقارنة بجبهات أخرى، قبل أن تتوسع مع رصد تحركات وتعزيزات حوثية باتجاه المناطق المحاذية للسعودية.
وأوضح أن العمليات شملت غارات نفذتها الطائرات التابعة للقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية، إلى جانب القصف المدفعي واستخدام الطائرات المسيّرة وراجمات الصواريخ ضد مواقع الجماعة وخطوط تحركها.
ويمثل استهداف المخازن والآليات والتعزيزات داخل صعدة محاولة لتعطيل شبكة الإمداد الحوثية قبل وصولها إلى الحدود. فالمحافظة تعد المركز السياسي والعسكري والتعبوي للجماعة، ومنها تتحرك وحدات قتالية وأسلحة نحو جبهات الشمال والساحل والمناطق الحدودية.
ويتزامن التصعيد الميداني مع ارتفاع نبرة الخطاب الحوثي تجاه الرياض. فقد تحدثت قناة «المسيرة» التابعة للجماعة، في مقدمة نشرتها يوم 27 سبتمبر/أيلول، عن الانتقال من «ضبط النفس إلى الردع بالهجوم»، ملوحة بإدخال السعودية في «حالة حرب شعواء».
وأشارت القناة إلى أن خيارات كانت مستبعدة في مراحل سابقة أصبحت مطروحة، في رسالة توحي بأن الجماعة قد تتجه إلى توسيع عملياتها باتجاه العمق السعودي، بدلاً من الاكتفاء باستهداف القوات المنتشرة داخل اليمن.
وربط الحوثيون تحركاتهم العسكرية بما يصفونه بـ«الحصار السعودي»، واتهموا الرياض بشن غارات على محافظات يمنية والتسبب في سقوط ضحايا مدنيين. وركزت وسائل إعلام الجماعة خلال سبتمبر/أيلول على صعدة بوصفها إحدى أكثر المحافظات تعرضاً للضربات.
وأعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع، في 28 سبتمبر/أيلول، تعرض صعدة وتعز وحجة لما قال إنها 38 غارة وضربة صاروخية، قبل أن يتحدث في اليوم التالي عن 35 غارة أخرى استهدفت صعدة ومحافظات يمنية عدة.
وتتباين الروايات بشأن الجهة التي تنفذ هذه العمليات. فالحوثيون ينسبون الضربات إلى السعودية، بينما تؤكد القوات اليمنية المحلية الموالية للرياض تنفيذها جانباً واسعاً من الغارات والقصف المدفعي ضد مواقع الجماعة.
ويقول مصدر عسكري حدودي إن البيانات الحوثية تخلط بين العمليات التي تنفذها القوات اليمنية وبين قصف مدفعي سعودي يرتبط بملاحقة محاولات التسلل وتهريب الأسلحة والمخدرات عبر الشريط الحدودي.
ويعيد احتمال انتقال الحوثيين إلى تنفيذ هجوم بري ذاكرة المواجهات التي شهدتها الحدود بعد عام 2015، عندما امتدت العمليات إلى مناطق داخل نجران وجازان، وتحولت المرتفعات والقرى الحدودية إلى ساحات اشتباك متكررة.
وخلال تلك المرحلة، نشر الحوثيون مشاهد لمقاتليهم داخل مواقع عسكرية وقرى سعودية، واستخدموا التوغلات المحدودة أداة للضغط السياسي والدعاية، حتى عندما لم يتمكنوا من الاحتفاظ بالمواقع التي وصلوا إليها لفترات طويلة.
وأظهرت تلك التجربة أن القيمة السياسية لأي اختراق حدودي قد تتجاوز حجمه العسكري. فظهور مقاتلين حوثيين داخل الأراضي السعودية يمنح الجماعة مادة دعائية، ويضع الرياض تحت ضغط داخلي، ويفرض عليها توزيع قواتها ومواردها بين حماية الحدود ومواجهة الهجمات الصاروخية والمسيّرة.
ولهذا، فإن انتقال الحشود الحالية من مرحلة الاستعداد إلى الهجوم سيشكل تحولاً يتجاوز التصعيد داخل اليمن. وسيعني ذلك عودة المواجهة المباشرة بين الحوثيين والسعودية، بما قد يدفع الرياض إلى توسيع تدخلها الجوي والبري في صعدة.
وتأتي التحركات الحدودية في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات حوثية متزايدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت منشآت عسكرية ونفطية ومدناً داخل المملكة، بالتزامن مع توسع الجماعة على الساحل الغربي وسيطرتها على مواقع مطلة على باب المندب.
ويمنح فتح جبهة صعدة الحوثيين فرصة لتوزيع الضغط على الرياض بين البحر الأحمر والحدود الجنوبية والعمق السعودي. كما يسمح للجماعة باستخدام المواجهة الحدودية لرفع كلفة استمرار الدعم السعودي لحكومة المنفى والقوات اليمنية المرتبطة بها.
وقد تكون الحشود جزءاً من استراتيجية ضغط تهدف إلى دفع الرياض نحو تفاوض مباشر يمنح الحوثيين اعترافاً سياسياً ومكاسب اقتصادية وأمنية، خصوصاً أن الحدود تمثل واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في الحسابات السعودية.
وفي المقابل، تسعى العمليات داخل صعدة إلى ضرب قدرات الجماعة قبل تحركها، وتدمير مخازن الأسلحة ومراكز القيادة وخطوط الإمداد التي تتيح لها نقل المقاتلين إلى محاور كتاف والبقع وعلب.
وتضع هذه المعادلة صعدة عند نقطة التقاء مسارين: حوثي يسعى إلى تحويل الحدود إلى أداة ضغط عسكري وسياسي، ومسار تقوده الرياض عبر قوات يمنية محلية لمحاصرة التحركات ومنعها من الوصول إلى الأراضي السعودية.
غير أن التعامل السعودي مع التهديد عبر وحدات يمنية محلية يطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه القوات على إدارة جبهة جبلية معقدة، خصوصاً أمام جماعة راكمت خبرة طويلة في القتال الحدودي وتتحرك داخل بيئة تعد من أبرز معاقلها الاجتماعية والعسكرية.
كما أن استمرار الغموض بشأن طبيعة القيادة والسيطرة على العمليات الجوية والمدفعية يجعل من الصعب الفصل بين الدور السعودي المباشر ودور القوات اليمنية المنتشرة على الجبهات، ولا سيما أن هذه القوات تعتمد على الرياض في التمويل والتسليح والتغطية الجوية.
ويظل العامل الحاسم مرتبطاً بالهدف الحقيقي للتعزيزات الحوثية. فإذا كانت مخصصة لتحصين صعدة وصد الضربات، فستبقى المواجهة ضمن مستوى التصعيد المتبادل داخل اليمن. أما إذا تحولت إلى قوة هجومية باتجاه نجران أو جازان، فإن الحرب ستدخل مرحلة مختلفة.
وسيفتح أي هجوم حدودي الباب أمام رد سعودي أوسع، وقد يعيد صعدة إلى موقعها بوصفها الجبهة الرئيسية للحرب، بعد سنوات انتقل فيها ثقل المواجهات إلى مأرب والساحل الغربي والبحر الأحمر.
وتشير الحشود والضربات المتبادلة والخطاب الحوثي التصعيدي إلى أن الحدود لم تعد جبهة ساكنة. ومع تعدد ساحات الصراع، تبدو صعدة مرشحة لتصبح الحلقة الجديدة في مواجهة تحاول فيها الجماعة نقل الضغط إلى داخل المملكة، بينما تسعى الرياض إلى إبقاء المعركة في الأراضي اليمنية وعبر قوات محلية تدور في فلكها.