تقارير
هيمنة السلطة التنفيذية تلاحق أديس أبابا..
انحياز لحكومة آبي أحمد أم ضعف كفاءة؟.. «ماعت» تكشف انتقائية اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان
قدمت مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريراً إلى اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد التابعة للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، طالبت فيه بخفض تصنيف اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان من مركز اعتماد «ألف» إلى مركز اعتماد «باء».
ويأتي التقرير قبل خضوع اللجنة الإثيوبية لعملية إعادة الاعتماد أمام اللجنة الفرعية، التي تستعد لعقد دورتها الثامنة والأربعين في جنيف خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ويعني التصنيف «ألف» أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان ممتثلة بصورة كاملة لمبادئ باريس، وهي المعايير الدولية التي تنظم استقلال هذه المؤسسات واختصاصاتها وتعددية تشكيلها وفاعلية عملها. أما التصنيف «باء» فيشير إلى أن الامتثال لهذه المبادئ لم يعد كاملاً.
واستندت مؤسسة ماعت في توصيتها إلى ما وصفته بتراجع استقلال اللجنة الإثيوبية، وعدم كفاءة أدائها، وانتقائية عمليات الرصد والتوثيق، إلى جانب عدم تنفيذها ملاحظات سابقة صادرة عن اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد.
وقالت المؤسسة إن الشكوك المتعلقة باستقلال اللجنة ازدادت بعد رحيل رئيسها السابق في يوليو/تموز 2024، وفي ظل وجود لجنة لترشيح الأعضاء والمفوضين يشارك فيها عضو من السلطة التنفيذية الإثيوبية.
وترى ماعت أن مشاركة ممثل للسلطة التنفيذية في ترشيح قيادات اللجنة تثير مخاوف بشأن استقلال عملية الاختيار، وقد تفتح الباب أمام التأثير الحكومي في مؤسسة يفترض أن تراقب أداء الدولة وتوثق الانتهاكات المنسوبة إلى أجهزتها.
وأضاف التقرير أن اللجنة الإثيوبية لم تفعّل بصورة كافية الآليات التي أنشأتها للتعاون مع منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي حدّ من قدرتها على توسيع مصادر المعلومات والوصول إلى الضحايا والمناطق المتأثرة بالنزاعات.
ويُعد التعاون مع المجتمع المدني من العناصر الأساسية في عمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، خصوصاً في البيئات التي تشهد صراعات مسلحة وقيوداً على الإعلام وصعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة.
وانتقدت مؤسسة ماعت ما وصفته بانتقائية اللجنة الإثيوبية في ممارسة ولايتها، وقالت إنها وثقت انتهاكات ارتكبتها مجموعات مسلحة في أقاليم إثيوبية مختلفة، لكنها لم توثق بالمستوى نفسه الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى الحكومة الفيدرالية برئاسة أبي أحمد.
كما أشار التقرير إلى ضعف تناول اللجنة للممارسات التعسفية والجرائم التي تتهم قوات الدفاع الوطني الإثيوبية بارتكابها ضد المدنيين، في وقت تشهد فيه البلاد تجدد الصراعات واتساع نطاق الانتهاكات المرتبطة بها.
ولا تعترض توصية ماعت على توثيق انتهاكات الجماعات المسلحة، وإنما على غياب التوازن في رصد مسؤولية أطراف النزاع، ولا سيما الطرف الحكومي الذي يمتلك مؤسسات الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.
وقال أيمن عقيل، الخبير الحقوقي الدولي ورئيس مؤسسة ماعت، إن اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان لم تنفذ ولايتها بالكفاءة المطلوبة، على الرغم من تفاعلها مع بعض الآليات الدولية التابعة للأمم المتحدة.
وأوضح أن اللجنة قدمت تقارير إلى لجان المعاهدات الدولية وآلية الاستعراض الدوري الشامل، لكنها لم تتابع بصورة فعالة مدى تنفيذ الحكومة الإثيوبية الملاحظات الختامية الصادرة عن لجان المعاهدات.
وأضاف أن اللجنة لم تضع خطة عمل لمتابعة تنفيذ التوصيات التي قبلتها إثيوبيا خلال الاستعراض الدوري الشامل، ما أضعف أثر مشاركتها في الآليات الدولية وحوّل تقديم التقارير إلى نشاط منفصل عن متابعة الالتزامات داخل البلاد.
وأكد عقيل أن اللجنة الإثيوبية لم تعد ممتثلة بصورة كاملة لمبادئ باريس، كما لم تطبق الملاحظات العامة الصادرة عن اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد، معتبراً أن خفض تصنيفها يمثل خطوة أولى لدفعها إلى معالجة أوجه القصور المؤسسية.
ولا يقتصر التقرير على المطالبة بخفض التصنيف، بل يتضمن توصيات لإصلاح عمل اللجنة وتعزيز استقلالها، وفي مقدمتها مواصلة الدعوة إلى تعديل القانون المنشئ لها بما يضمن توسيع ولايتها وحمايتها من التأثير الحكومي.
وطالبت ماعت بأن يتضمن القانون نصاً صريحاً يمنح اللجنة دوراً في تشجيع الحكومة الإثيوبية على التصديق على الاتفاقيات والصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي لم تنضم إليها بعد.
كما دعت إلى وقف الانتقائية في توثيق الانتهاكات، وضمان شمول عمليات الرصد جميع الأطراف، بما فيها الحكومة الفيدرالية والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة، وفق معايير واحدة تستند إلى طبيعة الانتهاك وليس إلى هوية مرتكبه.
وتكتسب مراجعة اعتماد اللجنة الإثيوبية أهمية خاصة مع تجدد الصراع داخل البلاد، إذ يفترض أن تؤدي المؤسسة الوطنية دوراً مستقلاً في توثيق الانتهاكات والوصول إلى الضحايا وإصدار تقارير قادرة على محاسبة جميع الأطراف.
غير أن فاعلية هذا الدور تبقى مرتبطة بمدى استقلال اللجنة مالياً وإدارياً، وشفافية اختيار أعضائها، وقدرتها على العمل دون تدخل السلطة التنفيذية أو الخشية من توثيق الانتهاكات المنسوبة إلى مؤسسات الدولة.
وسيكون قرار اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد مؤشراً على مدى اقتناعها بأن أوجه القصور الواردة في تقرير ماعت تمثل إخلالاً جوهرياً بمبادئ باريس، أو أنها ملاحظات يمكن معالجتها مع الإبقاء على التصنيف الحالي.
وفي حال خفض التصنيف إلى مركز «باء»، ستواجه اللجنة الإثيوبية ضغوطاً مؤسسية ودولية لإصلاح بنيتها وطرق عملها، وإثبات قدرتها على مراقبة السلطات الإثيوبية بالاستقلالية نفسها التي توثق بها انتهاكات الجماعات المسلحة.
وتضع المطالبة اللجنة الإثيوبية أمام اختبار يتجاوز مسألة التصنيف الإداري، ويتصل بقدرتها على أداء وظيفتها في بلد يشهد نزاعات متكررة واتهامات واسعة بانتهاكات ضد المدنيين، فيما تظل الحاجة قائمة إلى مؤسسة وطنية مستقلة تستطيع توثيق الوقائع ومساءلة مرتكبيها بصرف النظر عن مواقعهم السياسية والعسكرية.