تقارير

إعلان حرب على وقع الهزيمة..

حكومة المنفى اليمنية تبدأ حرباً ضد الحوثيين والجماعة تُسقط التربة

حكومة المنفى اليمنية المدعومة سعودياً تعلن بدء عمليات عسكرية مفتوحة لاستعادة مناطق الحوثيين

الرياض

قالت حكومة المنفى اليمنية المدعومة سعودياً إنها بدأت حرباً واسعة ضد الحوثيين بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، لكن إعلانها جاء في توقيت كشف الفجوة بين خطابها السياسي وما يجري على الأرض، إذ دخلت الجماعة مدينة التربة الاستراتيجية جنوبي تعز، بعد انهيار مواقع عسكرية وانسحاب القوات الموجودة فيها باتجاه لحج.

وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي المؤقت رشاد العليمي، في خطاب متلفز ألقاه من السعودية، بدء عمليات عسكرية لاستعادة ما وصفه بـ«المناطق المتبقية» وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.

ورغم أن العليمي لم يستخدم الصيغة القانونية المباشرة لإعلان الحرب، فإن مضمون خطابه نقل المواجهة من مرحلة التعبئة والاستعداد إلى إعلان حملة عسكرية مفتوحة. ووصفت وكالتا «رويترز» و«أسوشيتد برس» الخطوة بأنها إطلاق عملية عسكرية كبيرة ضد الحوثيين تشمل الجبهات النشطة وتهدف إلى استعادة مناطق الجماعة.

غير أن الحوثيين ردوا على إعلان العليمي بتقدم جديد في محافظة تعز، بدلاً من التراجع أو الانتقال إلى الدفاع. ودخلت قواتهم مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين وأهم مدن منطقة الحجرية، بعد أيام من السيطرة على مرتفعات ومواقع تشرف على الطرق المؤدية إليها.

وأكدت وسائل إعلام محلية دخول الحوثيين إلى مركز المدينة وانتشارهم قرب المجمع الحكومي والمرافق الأمنية، فيما أظهرت مقاطع مصورة مقاتلين تابعين للجماعة داخل التربة. كما تحدثت مصادر عن انسحاب آليات عسكرية محملة بالأسلحة والذخيرة باتجاه طور الباحة ومحافظة لحج.

وبذلك انتقلت التربة خلال ساعات من قاعدة خلفية للقوات المناهضة للحوثيين إلى نقطة تقدم جديدة للجماعة على الطريق بين تعز وعدن. ولا تكمن أهمية المدينة في مساحتها أو عدد سكانها فقط، بل في موقعها الذي يربط مدينة تعز بالمحافظات الجنوبية، ويوفر أحد أهم خطوط الإمداد القادمة من لحج وعدن.

وكان الحوثيون قد سيطروا قبل دخول التربة على مناطق الصافية والبركاني والسمسرة، ووصلوا إلى الطريق الرئيسي بين تعز والتربة. وأفادت وكالة «شينخوا» الصينية بأن الجماعة سيطرت على مناطق مهمة في ريف المحافظة، بينها طريق استراتيجي ومنطقة تضم منزل رئيس مجلس النواب سلطان البركاني.

ومع سقوط التربة، أصبحت مدينة تعز مهددة بعزلة أشد عن مناطق الجنوب، بينما بات الحوثيون أقرب إلى التحكم بالطرق التي تربطها بلحج وعدن. كما يمنحهم التقدم موقعاً متقدماً للضغط على الحدود الشمالية للجنوب، إذا قرروا توسيع عملياتهم إلى ما بعد مناطق الحجرية.

وقالت «رويترز» إن الحوثيين حققوا خلال الساعات الثماني والأربعين السابقة لإعلان العليمي مكاسب في المرتفعات الاستراتيجية المحيطة بتعز، وتقدموا نحو آخر طريق يربط المدينة بعدن. وحذرت الوكالة من أن سقوط جنوب غربي تعز سيمنح الجماعة قبضة أقوى على شمال اليمن والساحل الغربي، وطرقاً أسهل باتجاه الجنوب.

وأقر مستشار الرئيس اليمني عبدالملك المخلافي بسقوط مناطق في تعز، وإن وصفه بأنه «مؤقت»، وحمّل نقص السلاح والذخيرة وما سماه «الخذلان» مسؤولية التراجع. ويكشف حديثه حجم الاستياء داخل القوى اليمنية المحلية من غياب الدعم الكافي، في وقت كانت فيه القيادة السياسية تعلن بدء حرب لاستعادة صنعاء وبقية المناطق الشمالية.

ولا تزال الروايات متباينة بشأن حدود السيطرة الحوثية في مديرية الشمايتين والمناطق المحيطة. فالإعلام التابع للجماعة أعلن السيطرة الكاملة على التربة وسامع والشمايتين، بينما تحدثت مصادر مناهضة للحوثيين عن استمرار الاشتباكات في بعض الأطراف ومحاولات لإعادة تنظيم القوات المنسحبة.

لكن وجود مقاتلي الجماعة داخل مركز التربة لم يعد مجرد ادعاء إعلامي، بعد ظهور المقاطع المصورة وتطابق روايات عدة مصادر محلية بشأن دخول المدينة وانسحاب القوات التي كانت تتمركز فيها.

وكانت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية قد أعلنت، قبل سقوط التربة، تحقيق مكاسب في حصن سامع والتصدي لهجمات حوثية غربي مدينة تعز. كما قالت إنها نفذت عشرات الضربات على مواقع الجماعة وأسقطت طائرات مسيّرة.

غير أن هذه العمليات لم توقف الهجوم الحوثي الرئيسي، ولم تمنع الجماعة من الالتفاف على مواقع خصومها والوصول إلى التربة. وأظهر الانسحاب السريع أن خطوط الدفاع لم تكن مترابطة، وأن التشكيلات الموجودة في المنطقة افتقرت إلى قيادة قادرة على إدارة معركة طويلة أو تنظيم تراجع يحافظ على المواقع والأسلحة.

وأثار سقوط المدينة تساؤلات بشأن دور القوات التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح في المنطقة، ولا سيما اللواء الرابع مشاة جبلي بقيادة أبوبكر الجبولي. وتحدثت وسائل إعلام محلية عن انسحاب وحدات اللواء من مواقعها قبل دخول الحوثيين، بينما طرحت تقارير تساؤلات عن أسباب عدم تعزيز الجبهات وإمداد المقاتلين بالسلاح والذخيرة رغم اقتراب الحوثيين من المدينة منذ أيام.

ولا توجد حتى الآن معلومات موثقة تثبت وجود اتفاق مسبق لتسليم التربة، لكن سرعة الانسحاب وترك مواقع استراتيجية من دون معركة حاسمة فتحا الباب أمام اتهامات متبادلة بالخيانة والتخاذل وسوء القيادة.

ويتكرر المشهد الذي رافق سقوط المخا ومناطق الساحل الغربي في سبتمبر/أيلول؛ تقدم حوثي سريع، وانسحاب لتشكيلات محلية، وتأخر في الإسناد، ثم تبادل للاتهامات بعد تغير خريطة السيطرة.

وبينما كان الحوثيون يدخلون التربة، حاولت حكومة المنفى تقديم إعلان العليمي بوصفه بداية مرحلة عسكرية جديدة. ودعا متحدث عسكري تابع لها مقاتلي الجماعة إلى إلقاء السلاح، مؤكداً أن العمليات ستستمر حتى استعادة جميع المناطق.

لكن الخطاب لم يوضح كيف ستُدار الحرب، وما الجبهات التي ستتحرك أولاً، ومن يقود العمليات المشتركة، وما إذا كانت السعودية ستشارك بقواتها الجوية مباشرة أو ستكتفي بالتمويل والتسليح والمعلومات الاستخباراتية.

كما لم يوضح الإعلان موقع القوى الجنوبية من الحرب الجديدة، في ظل رفض شعبي واسع داخل الجنوب لإرسال القوات إلى جبهات الشمال، خصوصاً بعد الحرب التي شنتها السعودية مطلع العام ضد المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية.

ولا يملك مجلس القيادة جيشاً موحداً يمكنه التحرك بأمر مركزي. فالتشكيلات العسكرية موزعة بين قوات طارق صالح وحزب الإصلاح وتشكيلات مرتبطة بقيادات محلية، إلى جانب قوات جنوبية ترفض الانخراط في حرب جديدة لا تتضمن حلاً سياسياً واضحاً لقضية الجنوب.

ولهذا بدا إعلان العليمي أكبر من القدرات العسكرية المتاحة له. فاستعادة مناطق الحوثيين، من باب المندب والساحل الغربي وصولاً إلى صنعاء وصعدة، تتطلب قيادة موحدة وقوة برية متماسكة وخطوط إمداد مستقرة، وهي عناصر لم توفرها السلطة المدعومة سعودياً حتى الآن.

وتقول «رويترز» إن السعودية كانت تدرس خيارين قبل خطاب العليمي: شن عملية محدودة لاستعادة باب المندب، أو إطلاق هجوم أوسع يشمل بالتزامن جبهات تعز ومأرب والبيضاء والجوف. ويشير اتساع صيغة الإعلان إلى أن الرياض اختارت، نظرياً على الأقل، الخيار الثاني، مع استخدام مجلس القيادة واجهة سياسية يمنية للحملة.

وتزامن التصعيد البري مع حملة جوية على صنعاء وصعدة ومواقع أخرى. وقالت قناة «المسيرة» التابعة للحوثيين إن صنعاء تعرضت لعشرات الغارات، بينها 26 ضربة في موجة واحدة، بينما قال متحدث عسكري تابع لحكومة المنفى إن الضربات استهدفت «أهدافاً حيوية» للجماعة، من دون أن يقدم تفاصيل عن المواقع أو النتائج.

ولم تصدر الرياض بيانات تفصيلية تتبنى فيها جميع الغارات، لكن الحوثيين وصفوها بأنها هجمات سعودية، وأعلنوا الرد عليها بضرب منشآت نفطية داخل المملكة.

وقالت الجماعة إنها هاجمت منشآت تابعة لشركة «أرامكو» في الرياض ومنطقة خريص بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة. وأفادت «رويترز» بأن شهوداً شاهدوا ألسنة لهب ودخاناً قرب منشأة في الرياض، بينما لم تصدر السلطات السعودية أو «أرامكو» تأكيداً شاملاً لحجم الأضرار عند نشر التقرير.

وتحاول الجماعة من خلال استهداف قطاع الطاقة نقل كلفة الحرب إلى داخل السعودية، والضغط على الرياض لوقف الغارات أو العودة إلى المفاوضات. كما يمنحها وجودها قرب باب المندب أداة إضافية لتهديد الملاحة وصادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر.

وفي المقابل، تسعى السعودية إلى توسيع التحالف الذي يدعمها. ومن المقرر أن تستضيف الرياض اجتماعاً للجنة السياسية والدفاعية في اتفاق مكة، بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان، لبحث التصعيد الحوثي وآليات التعاون العسكري.

وأعلنت باكستان استعدادها للدفاع عن السعودية «بكل الوسائل»، لكنها لم تؤكد مشاركة قواتها في الحرب داخل اليمن. وفي الوقت نفسه، نقلت مقترحاً إيرانياً يدعو إلى فتح حوار سياسي مع الحوثيين، ما يعكس استمرار التباين بين الرغبة في مساندة الرياض والخشية من الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران وحلفائها.

كما لم تعلن الولايات المتحدة استعدادها للانخراط المباشر في الحملة. وتقدم واشنطن دعماً استخباراتياً ودفاعياً للسعودية، لكنها تواصل تجنب حرب جوية مفتوحة ضد الحوثيين، بما يترك الرياض مسؤولة عن إدارة المواجهة العسكرية وتأمين غطائها الإقليمي.

وترسم وسائل الإعلام الغربية صورة لحرب تتجاوز الحدود اليمنية. فقد ربطت «واشنطن بوست» بين سيطرة الحوثيين على مواقع باب المندب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، معتبرة أن السعودية تواجه ضغطاً متزامناً على طريقي صادراتها النفطيين شرقاً وغرباً.

أما صحيفة «إلباييس» الإسبانية، فرأت أن الهجوم الحوثي يهدد في الوقت نفسه تعز ومأرب، وأن نجاح الجماعة في السيطرة على الطرق الاستراتيجية والمناطق النفطية سيمنحها موقعاً حاسماً في أي مفاوضات مقبلة مع السعودية.

إنسانياً، بدأت الحرب الجديدة في إنتاج موجة نزوح واسعة. وتحدثت تقارير غربية عن نزوح أكثر من 130 ألف شخص منذ تجدد المعارك، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 230 ألفاً، في بلد يعاني فيه أكثر من 18 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي.

وتبدو المفارقة واضحة بين الإعلان السياسي والواقع العسكري. فقد قالت حكومة المنفى إنها بدأت حرباً لاستعادة صنعاء ومناطق الحوثيين، لكن الجماعة ردت بإسقاط التربة وعزل تعز عن طريقها الجنوبي، بالتزامن مع استهداف منشآت الطاقة في قلب السعودية.

ولا يعني ذلك أن نتائج الحملة حُسمت منذ يومها الأول، لكنه يكشف أن الحوثيين دخلوا هذه المرحلة وهم يمتلكون زمام المبادرة البرية، بينما ما تزال القوى المناهضة لهم تعاني تعدد القيادات وتضارب المصالح وغياب المشروع السياسي الجامع.

ويضع سقوط التربة إعلان العليمي أمام أول اختبار فعلي: فإذا عجزت حكومته وحليفتها السعودية عن استعادة المدينة وفتح الطريق بين تعز وعدن، فسيكون الحديث عن تحرير صنعاء وبسط سلطة الدولة على كامل اليمن أقرب إلى شعار سياسي لا تسنده موازين الميدان.

أما إذا نجحت الرياض في توحيد القوات وتوفير الإسناد ووقف الهجوم الحوثي، فقد تتحول التربة إلى نقطة بداية لمعركة مضادة. وحتى ذلك الحين، يبقى الثابت أن الحوثيين أجابوا عن إعلان الحرب بالتقدم، وأن حكومة المنفى بدأت حملتها بخسارة واحدة من أهم مدن جنوب تعز.

مريم رجوي تدعو طلاب إيران إلى تحويل الجامعات لساحات مقاومة


تصريحات جديدة للحرس الثوري تبقي استهداف ترامب في قلب التوتر بين طهران وواشنطن


من النفوذ إلى التنصل.. ماذا وراء رسائل طهران لإسلام آباد بشأن الحوثيين ومضيق هرمز؟


منال تعود بعرض أكبر.. حفل مرتقب في مركب محمد الخامس بالدار البيضاء