بحوث ودراسات

تجارة البحر..

المقاييس والسلطة في تجارة عدن والمخا.. قراءة تاريخية مقارنة في ضوء دراسة المقاييس القديمة في سبليت

تقدم وثائق عدن صورة لاحقة زمنياً عن تعدد الوحدات - أرشيف

ملخص" تبحث هذه الورقة في علاقة المقاييس بتنظيم التجارة وتوزيع السلطة داخل الموانئ، من خلال شواهد تتصل بعدن والمخا وبيت الفقيه، مع الاستعانة بدراسة المقاييس القديمة في مدينة سبليت على الساحل الدلماسي. وتنطلق من أن تحديد كمية السلعة جزء من تحديد قيمتها، وأن اختلاف الوحدات بين الأسواق يؤثر في قراءة الأسعار والحسابات والرسوم. 

تعتمد الورقة قراءة تاريخية مقارنة لوثائق تجارية وإدارية منشورة، وتفصل بين المعلومات التي تصرح بها المصادر والاستنتاجات المستخلصة منها. وتخلص إلى أن تعدد المقاييس يمكن أن يستمر داخل شبكات تجارية واسعة، وأن توحيدها يحتاج إلى مرجعية مؤسسية وإجراءات تحقق، فضلاً عن اعتماد وحدة مشتركة. كما تؤكد ضرورة التعامل النقدي مع الوثائق الأجنبية، واستكمالها بالمصادر المحلية قبل تعميم نتائجها على تاريخ المنطقة.

الكلمات المفتاحية: عدن، المخا، بيت الفقيه، سبليت، المقاييس، التجارة البحرية، السلطة.

الميناء بوصفه مكاناً للحساب

تصل السفينة إلى الميناء محملة ببضاعة يمكن رؤيتها وعدّ طرودها، لكن تحويل هذه البضاعة إلى قيمة مالية يتطلب معرفة أكثر تفصيلاً. ينبغي تحديد ما يحتويه الطرد، وكيف توزن محتوياته، وأي وحدة يعتمدها البائع والمشتري، وما يدخل في حساب الكمية وما يستبعد منها. عند هذه النقطة يبدأ جانب من تاريخ التجارة قلما يحظى بما تحظى به السفن والطرق البحرية من اهتمام: تاريخ المقاييس التي تجعل الصفقة قابلة للحساب.

فإذا ورد في سجل تجاري سعر قنطار من البن، بقي الرقم ناقص الدلالة حتى نعرف القنطار المقصود. وقد تتفق وثيقتان في اسم الوحدة، بينما تختلفان في الكمية التي يمثلها الاسم. كذلك لا يكفي أن نعرف عدد الأكياس المشحونة لاستنتاج الوزن، ولا أن نقرأ قيمة البضاعة لنحكم على ارتفاع سعرها. تتوقف المقارنة على العلاقة بين الاسم والكمية ومكان التعامل وتاريخه، وعلى شروط القياس التي اعتبرها الأطراف ملزمة.

تتناول هذه الورقة تلك العلاقة من خلال عدن والمخا، وتستحضر بيت الفقيه بوصفها سوقاً داخلياً تظهر في الوثائق المتصلة بتجارة المخا. وتستعين بحالة سبليت لتوسيع السؤال عن استمرار المقاييس المحلية تحت سلطات متعاقبة. أما البحر الأحمر وخليج عدن فيشكلان الإطار الجغرافي للمناقشة، من دون ادعاء تقديم مسح شامل لموانئهما. وتتباعد الشواهد زمنياً، لذلك تستخدم المقارنة لفهم مسائل مشتركة، مع الحفاظ على خصوصية كل حالة.

وتقترح الورقة أن موضع القوة في المعاملة قد يرتبط بالقدرة على تعيين المرجع الذي تقاس به السلعة وتفسير نتيجته. وتظل هذه فرضية تحتاج إلى اختبار في سجلات النزاع والتسوية. فوجود وحدة رسمية لا يكشف وحده من امتلك سلطة تطبيقها، كما أن استمرار وحدة محلية لا يثبت استقلال السوق. ويتحدد الحكم من خلال ما تبينه الوثائق عن إجراءات التعامل وأطرافه.

يعتمد البحث على دراسة ماريا زانينوفيتش رومورا عن سبليت، وفهرسة سجلات شركة الهند الشرقية المرتبطة بالمخا، وبعض الوثائق المفردة من المجموعة نفسها، ودليل بريطاني عن عدن ومحيطها، وتقرير إداري عن عدن في الثلاثينيات، وتقرير تجاري أمريكي صدر سنة 1946. وهذه مواد متفاوتة في غاياتها ودقتها؛ فلا تعامل باعتبارها سلسلة إحصائية واحدة، ولا يستخرج منها جدول موحد للأوزان يمتد عبر القرون.

ما الذي تتيحه المقارنة مع سبليت

نشرت ماريا زانينوفيتش رومورا سنة 2010 دراسة بعنوان «المقاييس القديمة في سبليت من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر». تجمع الدراسة بين الوثائق المكتوبة وشواهد متصلة بالعمران، وتبحث وحدات الطول والمساحة وتغيراتها في مدينة انتقلت بين أطر سياسية وإدارية مختلفة. وتمنح هذه المقاربة المقاييس موقعاً داخل التاريخ الاجتماعي للمدينة، إذ تربطها بالبيع والبناء وتحديد الممتلكات، وبالحاجة العملية إلى تفسير العقود القديمة.[1]

تظهر قيمة الدراسة في تتبعها العلاقة بين الوحدات المحلية والوحدات التي حملتها السلطة البندقية، ثم التحولات اللاحقة في العهد النمساوي. فقد دخلت سبليت تحت الحكم البندقي سنة 1420، لكن هذا التحول لم يجعل جميع المعاملات تجري فوراً وفق نظام واحد. وتتابع الباحثة استمرار وحدات محلية وتغير بعض قيمها، وصولاً إلى إدخال المقاييس النمساوية سنة 1856. ويكشف هذا المسار أن تاريخ الوحدة يحتاج إلى قراءة مستقلة عن التاريخ السياسي العام.[1]

تساعد هذه النتيجة على صياغة سؤال يمكن اختباره في موانئ أخرى: كيف تتغير الممارسة التجارية عندما تتغير السلطة؟ قد يصدر أمر باعتماد وحدة جديدة، لكن إنفاذه يحتاج إلى أدوات قياس متاحة، وحسابات يمكن مراجعتها، ومعرفة يتشاركها المتعاملون. وقد يحتفظ عقد قديم بوحدة تعود إلى نظام سابق، فيصبح تفسيره ضرورياً لتسوية حق قائم. ولهذا ينبغي البحث عن تاريخ التطبيق الفعلي، إلى جانب تاريخ القرار الإداري.

وتبرز دراسة سبليت مسألة أخرى تتصل بتكوين وحدات المساحة من وحدات الطول. فالقدم أو الذراع لا يقتصر استعماله على قياس قطعة قماش؛ يمكن أن يدخل في تحديد أبعاد الأرض، ثم في حساب مساحتها. وعند تحويل القياسات القديمة إلى المتر، قد ينتقل الخطأ من تقدير الطول إلى تقدير مساحة الملكية. ويكتسب ضبط القيمة هنا أثراً يتجاوز الشرح اللغوي، لأنه يغير فهم الحدود والحقوق المثبتة في الوثيقة.[1]

مع ذلك، لا تسمح حالة سبليت بإسقاط قيم وحداتها على عدن أو المخا، ولا بإثبات اتصال مباشر بين أنظمتها وأنظمة جنوب الجزيرة العربية. ما يمكن نقله هو طريقة طرح السؤال: تحديد الوحدة في سياقها، ومقارنة النصوص التي استخدمتها، وتتبع علاقتها بالمؤسسات والممارسات. ومن هذا المنطلق تصبح الدراسة ركيزة منهجية للورقة، فيما تستمد المناقشة المحلية شواهدها من الوثائق الخاصة بالمنطقة.

المخا وبيت الفقيه في السجل التجاري

تتضمن مجموعة «رسائل وحسابات من المخا» المحفوظة ضمن سجلات مكتبة بريطانيا وثائق يفهرسها الأرشيف تحت عناوين تتعلق بالأوزان والمقاييس والعملات في المخا وبيت الفقيه. ومن بينها بيان للمقاييس والعملات المستخدمة في السوقين، وسجل مؤرخ في 12 يوليو 1724 عن الأوزان والعملات والمقاييس في المخا، وحساب لمتوسط أوزان جمرك بيت الفقيه مؤرخ في يناير 1723. يستند الاستشهاد هنا إلى العناوين والبيانات الأرشيفية، ولا يفترض قراءة جميع القيم العددية الواردة في المخطوطات.[2]

تفيد هذه العناوين في تحديد مشكلة كان على الموظف التجاري التعامل معها. فجمع الوزن والمقياس والعملة في بيان واحد يوحي بالحاجة إلى ربط كمية البضاعة بمبلغ الدفع. وتسمية السوق في عنوان السجل تعني أن المعرفة المطلوبة مرتبطة بمكان محدد. أما الإشارة إلى أوزان الجمرك فتفتح سؤالاً عن المرجع الذي كانت الحسابات تعتمد عليه: وزن السوق، أم وزن المؤسسة التي تستوفي الرسم، أم العلاقة بينهما؟

لا يكفي عنوان حساب المتوسط لإثبات وجود تلاعب أو نزاع بين التجار والجمرك. فالسبب قد يتعلق بالمقارنة أو التدقيق أو توثيق فروق بين أدوات القياس. ولهذا تظل قراءة المخطوط نفسه ضرورية للحكم على تفاصيل الواقعة. غير أن وجود وثيقة مخصصة لهذه المسألة يتيح استنتاجاً أضيق: كانت الأوزان موضوعاً يستحق التسجيل والحساب داخل العمل التجاري، ولم تكن معرفتها أمراً مفروغاً منه لدى جميع الأطراف.

وتوضح وثيقة أخرى من المجموعة جانباً من ربط البضاعة بالحساب البحري. فهي تسجل التكلفة الأولية للبن وغيره والحمولة المتصلة بسفينتي دونيغال وبلينهايم، وتعود إلى نحو أغسطس 1710. يتيح وصف الوثيقة النظر إلى الشحنة بوصفها موضوعاً لحساب الكلفة والنقل معاً، دون استخراج متوسطات سعرية من بيانات لم تراجع تفصيلياً.[3] ومن الناحية التحليلية، ينبغي الفصل بين كمية السلعة التي اشتريت والحيز الذي شغلته والنفقة المدفوعة لنقلها.

أما الرسالة العامة من المخا إلى مديري الشركة، التي تعود إلى عشرينيات القرن الثامن عشر، فيذكر وصفها الأرشيفي أسعار البن في بيت الفقيه، ومشتريات وديوناً، ومحاولة لفرض رسم قاومها موظفو الشركة.[4] تكشف هذه العناصر اجتماع الشراء والائتمان والجباية داخل علاقة تجارية واحدة. وتبقى الرسالة تعبيراً عن منظور الشركة؛ لذلك لا تعد مقاومتها للرسم دليلاً كافياً على عدم مشروعيته من وجهة نظر السلطة المحلية.

عدن وتعايش وحدات القياس

تقدم وثائق عدن صورة لاحقة زمنياً عن تعدد الوحدات. ففي دليل «ملاحظات ميدانية عن عدن» الصادر سنة 1917، يرد قسم للأوزان والمقاييس، يذكر الرطل والفرسلة وغيرها، ويميز بين ما يستخدم وزناً وما يستخدم أيضاً لقياس الحبوب. كما يسجل مقاييس مرتبطة بمناطق من الداخل.[5] وهذه مادة ينبغي قراءتها ضمن نطاق الدليل العسكري والجغرافي، مع الحذر من تحويل ملاحظاته عن مناطق متعددة إلى نظام موحد خاص بمدينة عدن.

ويقدم تقرير وزارة التجارة الأمريكية عن الدائرة القنصلية لعدن، الصادر في أبريل 1946، مثالاً عددياً واضحاً. فهو يذكر شيوع المقاييس الإمبراطورية وبعض الأوزان الهندية، واستخدام «التولة» في وزن الرسائل الداخلية و«الأونصة» للرسائل الخارجية. ويحدد منّ بومباي بوزن 82.28 رطلاً، بينما يذكر منّاً محلياً يزن 28 رطلاً فقط.[6] وتخص هذه القيم التقرير وتاريخه، ولا تصلح وحدها لتفسير كل استعمال سابق لكلمة «المنّ».

يقارب الفرق بين القيمتين ثلاثة أضعاف. ولذلك يمكن أن يؤدي نقل سعر «المنّ» من جدول إلى آخر، دون تحديد نوعه، إلى نتيجة مضللة عن رخص السلعة أو غلائها. وكتوضيح حسابي، فإن صفقة افتراضية من عشرة أمنان تمثل 280 رطلاً إذا استخدمت الوحدة المحلية المذكورة، وتمثل 822.8 رطلاً إذا استخدمت وحدة بومباي. هذا مثال يشرح أثر الاختلاف، ولا يصف صفقة تاريخية موثقة أو واقعة غش.

ويدعو المثال إلى إعادة النظر في معنى اسم الوحدة داخل السجل. فذكر «المنّ» وحده أقل فائدة من ذكره مع مكان استعماله وقيمته وعلاقته بالوحدات الأصغر. وقد يعرف المتعامل المحلي هذه التفاصيل دون شرحها في كل فاتورة، بينما يحتاج الباحث اللاحق إلى إعادة بنائها. تنشأ هنا فجوة بين وضوح المصطلح لأهل السوق في زمنه وغموضه لقارئ الوثيقة بعد عقود أو قرون.

كذلك لا يثبت تعدد الوحدات عجز السوق عن العمل. يمكن للمتعاملين استخدام أكثر من نظام متى امتلكوا قواعد للتحويل واتفقوا على الوحدة المعتمدة في الصفقة. وما يحتاج إلى البحث هو كلفة هذه المعرفة، ومدى إتاحتها، والجهة التي يرجع إليها عند الخلاف. بهذا المعنى يصبح التعدد مدخلاً لدراسة التنظيم التجاري والخبرة، مع بقاء الحكم على كفاءة الممارسة مشروطاً بأدلة أوسع من مجرد وجود أسماء مختلفة.

الوزن والثمن والخبرة التجارية

تبدأ قراءة السعر التاريخي بتحديد ما يدفع المشتري مقابله. فالوزن الإجمالي قد يشمل العبوة، بينما يستبعدها الوزن الصافي؛ وعدد الطرود قد يعبر عن ترتيب الشحن دون بيان محتواها. وفي أي بحث عن البن أو الحبوب أو غيرهما، ينبغي فحص ما إذا كانت الوثيقة تشرح شروط الوزن. وحين تغيب هذه المعلومات، يجب إبقاء المقارنة محدودة، بدلاً من ملء الفراغ بتقدير يبدو دقيقاً لكونه مكتوباً بالأرقام.

يتداخل ذلك مع اختلاف جودة السلعة وشروط البيع. فمقارنة سعرين تستلزم، إلى جانب توحيد الوزن، معرفة الصنف وطريقة الدفع وما إذا كان الثمن يشمل النقل أو التأمين أو الرسوم. وقد يكون اختلاف السعر نتيجة اختلاف هذه الشروط. وهذه قاعدة منهجية للمقارنة، لا وصفاً لإجراء واحد ثبت تطبيقه في كل الأسواق المذكورة. فالمصادر المستخدمة تتيح طرح الأسئلة، لكنها لا تجيب عنها جميعاً لكل شحنة.

وتمنح معرفة الوحدات أصحابها وظيفة اقتصادية محتملة. فالشخص القادر على تفسير حساب صادر في سوق آخر يستطيع مساعدة المتعاملين في مقارنة العروض ومراجعة المطالبات. ويتيح ذلك التفكير في دور الكاتب والوسيط والمترجم التجاري، شريطة البحث عن شواهد مباشرة على أعمالهم. ولا تكفي فروق الأوزان لإثبات أنهم احتكروا المعرفة أو استغلوها؛ إنها تحدد مجالاً يمكن أن تنشأ فيه تفاوتات بين الأطراف بحسب الخبرة وإمكان الوصول إلى المعلومات.

وتزداد الحاجة إلى هذا التمييز عند استخدام سجلات الشركات الأجنبية. فقد يسجل الموظف سعراً أو وزناً يخدم أغراض الحساب الداخلي للشركة، بينما تكون الصفقة الأصلية قد جرت وفق ترتيب مختلف. لذلك يفيد البحث عن نسختين للعملية نفسها: مستند الشراء، ثم قيدها في الدفتر. وعند توفرهما يمكن تتبع التحويلات والاستقطاعات. أما إذا بقي أحدهما وحده، فالأدق بيان ما يمثله الرقم، وتجنب اعتباره وصفاً كاملاً للممارسة المحلية.

ويمكن تحويل هذه الأسئلة إلى برنامج بحث قابل للتنفيذ. يبدأ بتجميع معاملات مؤرخة لسلعة واحدة في سوق محددة، ثم تسجيل اسم الوحدة وقيمتها المعروفة والعملة وشروط التسليم. بعد ذلك تقارن المعاملات المتقاربة زمنياً، مع فصل الأرقام المحققة عن التقديرات. وتسمح هذه الطريقة بقياس أثر اختلاف الوحدات فعلياً، بدلاً من افتراض أنه يفسر وحده كل تفاوت في الأسعار أو كل خلاف بين المتعاملين.

ويستدعي البحث تمييز الوزن عن الكيل والمساحة والطاقة الاستيعابية للسفينة. فالوزن يحدد كتلة البضاعة، بينما يحدد الكيل حجماً قد تتغير علاقته بالوزن باختلاف المادة وظروفها. أما مساحة الأرض فتتعلق بأبعادها، والحمولة البحرية قد ترد في سياق حسابي يحتاج إلى تفسير خاص. لذلك لا تجمع هذه المقادير في جدول واحد لمجرد ظهور كلمة «مقياس» في وصفها. وتفيد الدراسة المقارنة حين توضح وظيفة كل مقدار قبل محاولة تحويله، وبذلك تمنع تشابهاً لغوياً من إنتاج مساواة عددية غير صحيحة.

وتبرز أهمية هذا التمييز عند دراسة الحبوب. فإذا كانت الوحدة وعاءً يملأ، فإن تحويله إلى وزن يحتاج إلى معرفة المادة المقيسة وكيفية ملء الوعاء، ولا يكفي معرفة سعته وحدها. ويمكن اختبار المسألة بأدوات محفوظة وتجارب موثقة، لكن نتائج التجربة الحديثة تبقى تقريبية بالنسبة إلى معاملة تاريخية مجهولة الشروط. وهذا يفسر ضرورة فصل التحويل المباشر الموثق عن التحويل التقديري، وتجنب عرضهما بالطريقة نفسها داخل الجداول، حتى لا يكتسب التقدير يقيناً لم يمنحه المصدر.

كذلك يحتاج التعامل مع الكسور إلى عناية. فذكر نصف وحدة أو ربعها لا يزيل الغموض ما دامت قيمة الوحدة الأصلية غير محسومة. وإذا اختيرت قيمة اعتماداً على وثيقة لاحقة، وجب تفسير سبب صلاحيتها للمعاملة الأقدم. ويستحسن، عند تعارض الشواهد، عرض نطاق محتمل أو إبقاء الكمية بوحدتها الأصلية. فالامتناع عن تحويل غير مأمون يحافظ على إمكان المقارنة لاحقاً، بينما قد يؤدي رقم غير محقق إلى بناء استنتاجات عن الإنتاج أو الربح يصعب تصحيحها بعد تداولها.

سلطة المعيار وحدود الميناء الحر

تتصل المقاييس بالسلطة حين يصبح اعتماد وزن معين أساساً لاستحقاق مالي أو حسم خلاف. فالمؤسسة التي تحدد المرجع وتتحقق من أدوات القياس تشارك في تنظيم العلاقة بين الأطراف. وقد تتوزع هذه الوظائف بين جهات مختلفة، أو تستند بعض المعاملات إلى العرف. لذلك فإن البحث عن سلطة المعيار يقتضي تحديد المؤسسة والإجراء في كل حالة، دون افتراض حضور شكل واحد من الرقابة في جميع الموانئ.

ويفيد تقرير إدارة عدن لسنة 1933–1934 في اختبار اختزال سلطة الميناء في الجمارك. فهو يذكر إعلان عدن ميناءً حراً سنة 1850 وعدم استيفاء رسوم جمركية، لكنه يورد رسوماً انتقائية وضوابط وترخيصاً مرتبطاً بمواد منها الأسلحة والذخيرة والنفط والمتفجرات.[7] ويعني ذلك أن وصف «الميناء الحر» لا يلخص وحده علاقة الإدارة بالتجارة. يثبت التقرير استمرار وظائف رقابية، من دون أن يثبت بذاته نظاماً بعينه لمعايرة الأوزان.

ويمكن، على هذا الأساس، التمييز بين حرية دخول البضائع وشروط التعامل بها داخل السوق. فإلغاء رسم حدودي لا يحسم قواعد البيع أو توثيق الدين أو تسوية المنازعات. وهذه نتيجة تحليلية تستدعي البحث في لوائح الميناء وسجلات المحاكم والمراسلات التجارية. وتزداد أهمية التمييز حين تستخدم صفة الميناء الحر لتفسير ازدهار التجارة، إذ ينبغي بحث أثرها إلى جانب النقل والائتمان والخدمات والقواعد التي تنظم المعاملات.

ولا يختزل أثر المعيار في حماية الإدارة أو التاجر الكبير. فعندما تكون أداة القياس متاحة للفحص، ويعرف المتعاملون مرجعها، تتحسن إمكانية الاعتراض على كمية مسلمة أو مطالبة مالية. أما إثبات استفادة فئة اجتماعية محددة من إجراء تاريخي، فيحتاج إلى سجل تطبيق أو نزاع يبين ما حدث بالفعل. ومن ثم فإن وظيفة المعيار في العدالة التجارية تمثل سؤالاً للبحث، مع الفصل بين إمكاناتها النظرية ونتائجها الموثقة.

كيف نقرأ الوثيقة الأجنبية

تجمع المصادر المستخدمة بين موظفي شركة يسجلون حساباتهم، وإدارة استعمارية تصف أوضاع المنطقة، وجهة أمريكية تقدم معلومات اقتصادية. ولكل منها جمهور مقصود وحاجة عملية تحدد ما تسجله وما تهمله. وقد يكون الرقم دقيقاً في مجاله، بينما يكون الوصف العام للسكان أو السوق متأثراً بأحكام الجهة الكاتبة. لذلك ينبغي تقويم المعلومات مفردة، مع معرفة الغرض الذي أدرجت من أجله داخل الوثيقة.

وتتضح المشكلة حين تتحول ملاحظة مرتبطة بمكان محدود إلى حكم على مجتمع كامل. فدليل أعد للاستخدام الميداني قد يركز على ما يحتاجه ضابط في التحرك والتموين، ويهمل تفسير العرف التجاري لدى السكان. كما أن بيان المقاييس الذي أعدته شركة يوضح ما احتاج موظفوها إلى تعلمه، لكنه لا يستوعب بالضرورة معرفة المتعاملين المحليين. ومن المفيد قراءة هذا النقص بوصفه حدّاً للمصدر، بدلاً من اعتباره نقصاً في السوق نفسه.

ولهذا ينبغي استكمال المادة الأجنبية بدفاتر التجار المحليين وعقود البيع ووثائق المحاكم والمراسلات العربية، متى أمكن الوصول إليها. وقد تساعد أدوات الوزن الباقية في المجموعات والمتاحف، إذا ثبت تاريخها ومكان استعمالها. فاجتماع النص والأداة يتيح اختبار معنى الوحدة وقيمتها. أما الأداة المعزولة عن سياقها أو الرواية الشفوية غير المؤرخة، فتبقى قرينة تحتاج إلى المقارنة، ولا تتحول تلقائياً إلى معيار لتفسير وثائق أقدم.

التوحيد الدولي ومسألة التطبيق

وتحتاج المقارنة بين المخا وعدن إلى ضبط زمني يوازي ضبط الوحدات. فوثيقة الشركة من القرن الثامن عشر وتقرير عدن من القرن العشرين يصفان وضعين مختلفين، ولا يشكلان شاهدين على ممارسة واحدة مستمرة. يتيح وضعهما جنباً إلى جنب ملاحظة تكرر الحاجة إلى تفسير المقاييس عبر السوق، لكنه لا يثبت بقاء قيمة معينة خلال المدة الفاصلة. ولإثبات الاستمرار يلزم العثور على وثائق وسيطة يمكن تتبع المصطلح وقيمته من خلالها، مع الانتباه إلى تبدل السلع ومجالات استعمال الوحدة.

وعلى المستوى المحلي، يمكن أن يبدأ توسيع البحث بملف صغير من عقود بيع أو دفاتر حسابات تعود إلى تاجر واحد. يفيد ذلك في معرفة ما إذا كان الشخص نفسه يستخدم وحدات مختلفة بحسب السلعة أو الطرف المقابل، وكيف يثبت التحويل داخل حسابه. ثم تقارن نتائجه بملف آخر من الفترة ذاتها. وهذه خطوة عملية تتيح بناء معرفة تراكمية؛ فهي تقلل احتمال نسبة عرف فردي إلى مدينة كاملة، وتكشف تدريجياً ما يتكرر في الوثائق وما يظل خاصاً بمعاملة محددة.

وتستطيع مجلة ثقافية معنية بتاريخ المنطقة أن تسهم في هذا المسار بنشر نماذج محققة من الوثائق، مع تعريف بمصدرها وتاريخها وشرح مصطلحاتها. ويصبح دور النشر هنا إتاحة مادة قابلة للمراجعة، لا الاكتفاء برواية عامة عن شهرة الميناء. كما يمكن لدعوة أصحاب الوثائق العائلية إلى التعريف بمقتنياتهم أن توسع قاعدة المصادر، بشرط توثيق ما ينشر واحترام حقوق أصحابه. وستظل كل نتيجة قابلة للتعديل عندما يظهر شاهد أقرب زمنياً أو أوضح دلالة من المادة المتاحة.

يضع تاريخ التوحيد الدولي هذه الأسئلة في إطار أوسع. فقد وقعت اتفاقية المتر في باريس يوم 20 مايو 1875 بمشاركة سبع عشرة دولة، وأنشأت المكتب الدولي للأوزان والمقاييس وهيكلاً مؤسسياً للتعاون بشأن وحدات القياس.[8] تبرز أهمية هذا الحدث في اقتران الاتفاق على الوحدات بترتيبات تحفظ المرجعية وتنظم العمل المشترك. غير أن تاريخه لا يحدد موعد تطبيق المقاييس المترية في عدن أو اليمن؛ فتلك مسألة تحتاج إلى مصادرها المحلية.

ويتيح هذا المثال فهم التوحيد باعتباره عملية تشمل تعريف الوحدة ونشرها والتحقق من استعمالها. وقد يتعلم التاجر اسم الوحدة الجديدة سريعاً، بينما تتطلب إعادة تنظيم دفاتره أو تفسير العقود القديمة وقتاً إضافياً. وتتوقف سرعة الانتقال على الظروف المحلية والأدوات المتاحة. لذلك يجب تتبع الفرق بين نص التشريع والممارسة، وعدم استنتاج اختفاء الوحدات السابقة فور صدور قرار يعتمد نظاماً آخر.

وتبقى المقاييس القديمة ذات قيمة بحثية بعد انتهاء استخدامها الرسمي. فهي جزء من اللغة التي كتبت بها الحقوق والحسابات، ولا يمكن قراءة تلك الوثائق قراءة دقيقة من دون تفسيرها. ومن المفيد إعداد معجم تاريخي يربط كل وحدة بمكانها وتاريخها ومصدر قيمتها، ويسجل الخلافات بين الشواهد. سيكون هذا العمل أكثر فائدة من جدول يقدم مقابلاً مترياً واحداً لكل اسم، لأنه يحفظ التغير الذي يحتاج الباحث إلى فهمه.

خاتمة

تتيح الشواهد المتاحة قراءة المقاييس بوصفها عنصراً في تنظيم التجارة، وفي العلاقة بين معرفة السوق وسلطة المؤسسة. وتقدم سبليت مثالاً على تغير الوحدات واستمرار بعضها عبر تحولات سياسية، بينما تكشف وثائق المخا أهمية تسجيل المقاييس ضمن الحساب التجاري. أما تقرير عدن سنة 1946 فيوفر دليلاً واضحاً على أن اشتراك وحدتين في الاسم لا يضمن اتفاقهما في الوزن، وهو أمر مؤثر في تفسير الأسعار والكميات.

وتظل النتيجة محكومة بنطاق المصادر: لا تثبت الورقة نظاماً واحداً للمنطقة، ولا مساراً متصلاً بين جميع الفترات، ولا وقائع تلاعب تستنتج من اختلاف الوحدات وحده. لكنها تحدد مدخلاً مستقلاً لتاريخ عدن والمخا، يقوم على ربط السلعة بوحدتها وحسابها والمرجع الذي يقرها. ومن شأن توسيع هذا المدخل بالمصادر المحلية أن يجعل تاريخ الميناء أقرب إلى تفاصيل العمل الذي أتاح للتجارة أن تستمر، صفقة بعد صفقة.

الهوامش والمراجع

[1] Marija Zaninović-Rumora, “Stare mjere Splita od 15. do 19. stoljeća”, Radovi Zavoda za povijesne znanosti HAZU u Zadru, 52, 2010, pp. 173–188. تعتمد المناقشة على الدراسة المرفقة، ويتيح سجل المجلة التحقق من بيانات النشر والملخص. https://hrcak.srce.hr/en/63875

[2] British Library, Letters and Accounts from Mocha, IOR/G/17/1. الوثائق المفهرسة: Account of the Weights, Measures and Coins in Use at Mocha and Beetlefuckee [Bayt al Faqīh], Part 1, ff. 132–133؛ Calculate of the Medium of the Beetlefuckee Customhouse Weights taken January 23d 1723, Part 2, f. 210؛ Account of Weights Coins & Measures at Mocha 12th July 1724, Part 2, ff. 341–342. الاستشهاد بعناوين الفهرس وبياناته، دون نقل جداول المخطوطات. https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100000001251.0x000216

[3] British Library, “Acco.t of ye Prime Cost of ye Coffee &c by ye Donegall & Bleinheim and tonnage they cost”, نحو أغسطس 1710، IOR/G/17/1 Part 1, ff. 5–6، الوصف الأرشيفي. https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100188074253.0x00006f

[4] British Library, General Letter from Mocha to the Directors of the East India Company, IOR/G/17/1 Part 3, ff. 517–520، الوصف الأرشيفي. يحيل النص إلى عشرينيات القرن الثامن عشر بسبب اختلاف السنة بين حقل التأريخ والوصف في السجل الرقمي. https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100083570755.0x0000a3

[5] General Staff, India, Field Notes: Aden, 1917, IOR/L/MIL/17/16/7, pp. 24–25، British Library، Qatar Digital Library. https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023514026.0x000029 و https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100023514026.0x00002a

[6] U.S. Department of Commerce, “Aden Consular District: Summary of Current Economic Information”, International Reference Service, vol. 3, no. 18, April 1946, p. 2, “Weights and Measures”. Prepared by the Foreign Service of the United States of America. https://www.cs.cmu.edu/~kraut/Family_Photos/pages/Aden/Aden-info.pdf

[7] Report on the Administration of Aden for the Year 1933–34, Government of India Press, New Delhi, 1935، قسم الجمارك، British Library، Qatar Digital Library، الورقة 10ظ. https://www.qdl.qa/en/archive/81055/vdc_100151780576.0x00001a

[8] Bureau International des Poids et Mesures, “Official texts: The Metre Convention”. https://www.bipm.org/en/official-texts

تاريخ الاطلاع على المصادر الرقمية: 5 أكتوبر 2026.

أوروبا والإخوان.. كيف يعيد قرار البرلمان تشكيل معركة النفوذ المؤسسي؟


الزمالك يخسر أمام الأهلي وسط جدل تحكيمي ويستعد لمعركة أفريقيا


السعودية تضع حكومة المنفى في مرمى الحوثيين وتعز تقترب من السقوط


الحوثيون يهاجمون قصر معاشيق مقر حكومة المنفى اليمنية المؤقتة