"الأخطاء الدفاعية وفاعلية البدلاء"..
تصفيات كأس العالم 2026.. كيف أنقذت التعديلات الهجومية تعادل العراق أمام الكويت؟
يتأرجح الخطاب الإعلامي المحلي بين الدعم الموضوعي والنقد المتحامل، مما يعكس غياب حيادية كاملة في بعض الحالات. يبقى دور الجمهور حاسمًا في تمييز النقد البناء عن المغرض، وهو ما بدا جليًا في تفاعلهم الناقد للإعلام نفسه

تعادل منتخب العراق أمام نظيره الكويت بنتيجة 2-2 الخميس الماضي ضمن منافسات الجولة السابعة لتصفيات كأس العالم 2026

مدخل: تعادل منتخب العراق أمام نظيره الكويت بنتيجة 2-2 مساء الخميس ضمن منافسات الجولة السابعة لتصفيات كأس العالم 2026، وتقدم المنتخب الكويتي بهدفين عن طريق يوسف السلمان في الدقيقتين 39 و70 من عمر اللقاء.
وعاد أسود الرافدين بتعادل ثمين عن طريق أكام هاشم وإبراهيم بايش في الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء لتكون قمة في الإثارة والمتعة، حيث ارتفع رصيد المنتخب العراقي إلى 11 نقطة في المركز الثالث بجدول الترتيب فيما جاء منتخب الكويت في المركز قبل الأخير برصيد 4 نقاط.
المقدمة
دخل المنتخب العراقي مباراته أمام الكويت بخطة هجومية واضحة، حيث فرض سيطرته على مجريات الشوط الأول وشكّل تهديدًا مستمرًا لمرمى المنافس عبر الثنائي علي جاسم وبيتر كوركيس. اعتمد المدرب خيسوس كاساس على أسلوب الاستحواذ وبناء الهجمات المنظمة، لكن المنتخب الكويتي فاجأ أصحاب الأرض بهدف عكس مجريات اللعب قبل نهاية الشوط الأول. في الشوط الثاني، كررت الأخطاء الدفاعية نفسها، فاستقبل العراق هدفًا ثانيًا في الدقيقة 70، مما جعل المهمة أكثر تعقيدًا على أسود الرافدين. ورغم ذلك، لم يرفع المنتخب العراقي راية الاستسلام؛ فقد أبدى اللاعبون روحًا قتالية عالية في الدقائق الأخيرة، حيث نجح البديل أكام هاشم في تقليص الفارق بتسديدة رائعة عند الدقيقة 90+3، قبل أن يخطف إبراهيم بايش هدف التعادل الدراماتيكي في الدقيقة 90+11. هذا السيناريو المثير أبرز إصرار الفريق وعزيمته حتى اللحظة الأخيرة.
صرّح المدرب كاساس بعد المباراة أن العراق كان "الأفضل في التحكم بالمجريات"، مشيرًا إلى أن بعض الأخطاء كلفتهم الفوز واكتفوا بالتعادل، مؤكدًا أن الفريق قدم أداءً جيدًا بشكل عام وأن النتيجة لا تعكس المستوى الحقيقي. ويُذكر أن هذا التعادل أبقى المنتخب العراقي ضمن دائرة المنافسة على التأهل، رغم تراجعه إلى المركز الثالث في مجموعته بفارق الأهداف، مع الحفاظ على سجله الخالي من الهزائم على أرضه في التصفيات (خمسة انتصارات وتعادلان حتى الآن)، ما يعكس متانة الفريق في معقله.
من الناحية التكتيكية، أظهر المنتخب مرونة ملحوظة في تعديل أسلوبه خلال المباراة؛ فبعد التأخر بهدفين، دفع كاساس بمزيد من العناصر الهجومية مثل إبراهيم بايش وأكام هاشم، ما عزز الفاعلية في الثلث الأخير وأثمر عن هدفين متأخرين. على صعيد الأداء الفردي، تألق بايش كبطل للمباراة بتسجيله هدف التعادل وتأثيره الفوري بعد دخوله، بينما قدّم الظهير حسين علي ومحور الوسط أمجد عطوان أداءً دفاعيًا متميزًا في معظم فترات اللقاء، رغم بعض الهفوات التي تسببت في استقبال الأهداف. في المقابل، عانى خط الهجوم من ضعف الفعالية؛ إذ أهدر أيمن حسين رأسية قريبة في الدقيقة 80 كانت كفيلة بتغيير مسار المباراة مبكرًا، كما لم يتمكن علي جاسم من ترجمة انطلاقاته إلى أهداف.
بشكل عام، يمكن تقييم أداء العراق في هذه المباراة بأنه مقبول فنيًا – سيطرة ميدانية وفرص واضحة – لكنه عابه نقص التركيز في اللمسة الأخيرة وأخطاء دفاعية فردية كلفت الفريق هدفين. ومع ذلك، فإن الروح القتالية التي أبداها اللاعبون في الدقائق الحاسمة عكست إصرارًا كبيرًا ورغبة قوية في الحفاظ على آمال التأهل حتى النفس الأخير.
يتر كوركيس إضافة فنية بارزة
شكّل بيتر كوركيس إضافة فنية بارزة خلال المواجهة الأخيرة للمنتخب العراقي أمام نظيره الكويتي، حيث أظهر أسلوب لعب متطور يحمل بصمات الكرة الأوروبية الحديثة، متميزًا بتحركاته الذكية ومراوغاته التي شكلت تهديدًا واضحًا لدفاع الخصم. في أول ظهور دولي له، شغل كوركيس مركز جناح الوسط، ونجح في خلق فرص هجومية خطيرة، مما جعله أحد أبرز نجوم المباراة في صفوف المنتخب العراقي. حظي أداؤه بإشادات واسعة من الإعلام الرياضي العربي، حيث وصفته التحليلات الفنية بأنه "النقطة المضيئة" في اللقاء، فيما أثنى المعلق الرياضي البارز عصام الشوالي على مستواه خلال البث المباشر، واصفًا إياه بـ"لاعب بمستوى عالمي وإضافة نوعية للمنتخب"، مشيرًا إلى الأداء الممتع الذي قدمه رغم حداثة تجربته الدولية. كما نالت جرأة المدرب خيسوس كاساس في الاعتماد على كوركيس منذ البداية استحسان الصحف والقنوات العربية، التي اعتبرت أنه نجح في تعزيز خط الوسط الهجومي وإضفاء بُعد جديد على الأداء الهجومي للمنتخب العراقي.
في المقابل، واجه كوركيس انتقادات محدودة من بعض الأوساط في الإعلام الرياضي المحلي العراقي. فعلى الرغم من أن أصوات الإشادة كانت الأغلب، إلا أن أحد نجوم الكرة العراقية السابقين، الذي يعمل الآن محللاً تلفزيونيًا، وصف قرار إشراك كوركيس أساسيًا بأنه "متسرع" و"خطأ جسيم" من المدرب، مرجعًا ذلك إلى افتقار اللاعب للخبرة الدولية، واقترح أن إشراكه في مباراة مصيرية لم يكن الخيار الأنسب. كما برز تيار آخر يشكك في أحقية كوركيس بالموقع الأساسي على حساب لاعبين محليين معروفين، وربما يعزى ذلك إلى خلفيته كلاعب "مغترب"، حيث بدأ مسيرته الاحترافية في الدوري السويدي مع نادي مالمو قبل أن يتألق لاحقًا مع دهوك محليًا، وهي الفئة التي غالبًا ما تواجه تحفظًا من بعض الجماهير والنقاد المحليين. لكن هذه الانتقادات فقدت زخمها سريعًا بعدما أثبت كوركيس تأثيره الإيجابي في المباراة، حيث كان أداؤه المميز -رغم عدم تسجيله أو صناعته لأهداف- ردًا عمليًا على المشككين، مؤكدًا استحقاقه لثقة المدرب كاساس.
وفي تعليق محلل رياضي عراقي، كتب: "نترقب من كوركيس تقديم المزيد في المباراة المقبلة ليؤكد للجميع، منتقدين ومؤيدين على حد سواء، أحقيته بمكان دائم في المنتخب"، في إشارة إلى أن اللاعب نجح في كسب احترام الجمهور وأغلبية النقاد بفضل موهبته اللافتة. يعكس هذا التباين في الآراء الفجوة التقليدية بين الإعلام العربي، الذي يتميز عادةً بالموضوعية في تقييم المواهب الناشئة، والإعلام المحلي الذي قد يميل أحيانًا إلى تفضيل اللاعبين المحليين على حساب المحترفين في الخارج. وفي النهاية، خرج بيتر كوركيس من هذه التجربة وقد عزز مكانته كعنصر أساسي في تشكيلة المنتخب العراقي، مستفيدًا من الإشادات البناءة ومتجاوزًا الانتقادات غير المبررة، ليصبح رقمًا صعبًا يُعول عليه في المستقبل.
تراجع مستوى ميمي
شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا لافتًا في أداء ثلاثة من أبرز نجوم خط الهجوم في المنتخب العراقي لكرة القدم: مهند علي (ميمي)، أيمن حسين، وعلي جاسم. هذا الانخفاض في المستوى أثر بشكل واضح على القدرة التهديفية للمنتخب، مما أثار قلق المتابعين والمحللين على حد سواء، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الحاسمة في تصفيات كأس العالم.
مهند علي (ميمي): كان المهاجم الشاب، الذي تألق في وقت سابق وحمل آمال الجماهير للاحتراف في الدوريات الأوروبية الكبرى، ركيزة هجومية واعدة. لكن مستواه تراجع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة. يعزو المدرب العراقي ثائر عدنان هذا الانخفاض إلى سلسلة إصابات أثرت على لياقته وثقته، مشيرًا إلى أن ميمي "فقد قدرته على استغلال الفرص، وبات يتسرع أمام المرمى ويفتقر إلى التعاون مع زملائه"، وهي سمات لم تكن ملازمة له سابقًا. في المباريات الأخيرة، سواء الودية أمام الأردن أو في التصفيات، ظهر ميمي بأداء باهت، دون تسجيل أهداف، مما دفع المدرب خيسوس كاساس إلى استبعاده من التشكيلة الأساسية في مواجهة الكويت الأخيرة، في إشارة واضحة إلى أن الأداء هو المعيار الوحيد. يرى المحللون أن ميمي بحاجة إلى فترة إعادة تأهيل بدني ونفسي، وربما مراجعة تحليلية لأدائه لتصحيح مساره واستعادة مستواه السابق.
أيمن حسين: المهاجم الذي اشتهر بقوته في الكرات الهوائية وحسم المباريات، عاش فترة ذهبية في كأس آسيا وبداية التصفيات، لكنه يعاني حاليًا من تراجع مقلق. يشير المدرب صادق سعدون إلى أن أيمن "انخفض مستواه بشكل كبير مؤخرًا"، حيث أصبح يهدر فرصًا كان يحولها إلى أهداف في السابق. في إحدى مباريات ناديه القوة الجوية، أضاع ثلاث فرص محققة، وفي لقاء الكويت الأخير مع المنتخب، فشل في استغلال رأسية واعدة. ورغم تصدره قائمة هدافي الدوري العراقي، فإن صيامه التهديفي مع المنتخب يثير تساؤلات. يرى سعدون أن المشكلة قد تكون نفسية أكثر منها فنية، محذرًا بأن العراق يحتاج إلى "أيمن الهداف الجاهز" لاستعادة فاعليته. يبقى الأمل معلقًا على قدرته على تصحيح أخطائه أمام المرمى واستعادة تركيزه مع المنتخب.
علي جاسم: الجناح الشاب، الذي لفت الأنظار في بطولة الخليج وأظهر إمكانيات كبيرة كصانع ألعاب، يمر حاليًا بمرحلة تراجع حاد. بعد بداية واعدة، أصبح أداؤه في المباريات الأخيرة متواضعًا، دون تسجيل أو صناعة أهداف. ينتقده المحللون المحليون بأنه "يفتقر إلى التأثير الجماعي ويبدو ضائعًا في الملعب"، وهو وصف يعكس حالته الحالية. في مباراة الكويت، بدأ بشكل جيد إلى جانب بيتر كوركيس، لكن فعاليته تلاشت مع تقدم الوقت، مما أدى إلى استبداله. يحتاج جاسم إلى العودة إلى الأداء الجماعي البسيط وتجنب الفردية لاستعادة دوره كلاعب مؤثر في المنتخب.
تأثير التراجع على المنتخب: يتجلى أثر هذا الانخفاض في الأداء في تراجع الإنتاجية الهجومية للمنتخب. خلال آخر ثلاث مباريات رسمية في التصفيات (الأردن 0-0، عمان 1-0، الكويت 2-2)، لم يسجل أي من الثلاثي أهدافًا، تاركين المهمة لزملائهم مثل يوسف الأمين (هدف عمان) وأكام هاشم وإبراهيم بايش (هدفا الكويت). هذا الغياب زاد الضغط على الفريق، مما جعله يعتمد أحيانًا على حلول فردية متأخرة. يواجه كاساس تحديًا كبيرًا في إعادة تأهيل هؤلاء اللاعبين أو الالتفات إلى بدائل مثل يوسف الأمين، الذي أثبت جدارته بهدف الفوز أمام عمان، وأكام هاشم، القادر على استغلال الفرص.
حلول محتملة: يبدو أن الجهاز الفني بدأ باتخاذ خطوات علاجية، سواء عبر تحفيز اللاعبين الثلاثة أو الاعتماد التدريجي على البدلاء. استعادة ميمي وأيمن وجاسم لمستواهم تتطلب تدخلاً نفسيًا وفنيًا، بينما تمنح الصعود القوي للوجوه الجديدة أملًا في تعويض التراجع. المرحلة المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كان هؤلاء النجوم سيستعيدون بريقهم أو سيفسحون المجال لجيل جديد.
جدول إحصائيات الأداء في آخر ثلاث مباريات رسمية:
اللاعب | الأهداف | التمريرات الحاسمة | دقائق اللعب | التقييم العام |
---|---|---|---|---|
مهند علي | 0 | 0 | 135 | 6.2 |
أيمن حسين | 0 | 0 | 210 | 6.5 |
علي جاسم | 0 | 0 | 160 | 6.3 |
يوسف الأمين | 1 | 0 | 90 | 7.1 |
أكام هاشم | 1 | 0 | 75 | 7.0 |
الخطاب الإعلامي المحلي: بين الحيادية والتحامل
أثار الأداء الأخير للمنتخب العراقي جدلاً واسعًا في الأوساط الرياضية المحلية، سواء عبر البرامج التلفزيونية أو منصات التواصل الاجتماعي، مما كشف عن انقسام واضح في الخطاب الإعلامي. فبينما حافظت بعض الأصوات على نهج تحليلي موضوعي، انحرف تيار آخر نحو نقد حاد تخطى أحيانًا حدود النقاش الفني ليصل إلى التحامل الشخصي، خاصة تجاه اللاعبين المغتربين والجهاز الفني بقيادة المدرب خيسوس كاساس.
الجانب الموضوعي والداعم: اتخذت عدة برامج رياضية عراقية موقفًا إيجابيًا تجاه المنتخب، مركزةً على الروح القتالية التي أظهرها اللاعبون في مواجهة الكويت، والجهود التي يبذلها كاساس منذ توليه المسؤولية. أشاد محللون محليون بالخيارات التكتيكية للمدرب، معتبرين أن إشراك وجوه جديدة مثل بيتر كوركيس ويوسف الأمين، وإدارته الشجاعة للدقائق الأخيرة من المباراة، يعكسان رؤية فنية واعدة رغم التعادل. كما شددت تقارير تلفزيونية على أن حظوظ المنتخب في التصفيات لا تزال قوية، داعية الجماهير والإعلام إلى دعم الفريق في هذه المرحلة الحرجة بدلاً من نشر الإحباط.
التيار الناقد والمتحامل: في المقابل، برز تيار إعلامي محلي اتسم بالحدة والقسوة، يقوده بعض اللاعبين السابقين الذين تحولوا إلى محللين. يلاحظ المتابع لهذا التيار نمطًا من التناقض والتحيز، حيث يركز على السلبيات بشكل مبالغ، متجاهلاً أحيانًا السياق العام أو الإنجازات المحققة. على سبيل المثال، تعرض اللاعبون المغتربون، مثل كوركيس وميرخاس دوسكي، لانتقادات لاذعة منذ مبارياتهم الأولى، وُصِفوا بأنهم "دون المستوى"، بينما تجاهل هؤلاء المحللون تراجع أداء نجوم محليين بارزين مثل مهند علي (ميمي)، أيمن حسين، وعلي جاسم. هذا الانتقائية أثارت تساؤلات حول الموضوعية، حيث رأت الجماهير أن بعض الانتقادات تحمل دوافع شخصية أو تفضيلًا واضحًا للاعبين المحليين على حساب المحترفين في الخارج. بل إن الأمر تطور لدى البعض إلى استخدام عبارات مسيئة أو التشكيك في ولاء اللاعبين، وهو ما اعتبره الكثيرون خروجًا عن الأخلاق الرياضية.
تحديات الحيادية: من المفترض أن يلتزم الإعلام الرياضي بالموضوعية، تقديم تحليل فني بعيد عن المجاملات أو التحيزات. لكن الواقع كشف عن تأثر بعض البرامج بأجندات شخصية أو سعي لزيادة المشاهدات عبر إثارة الجدل. يظهر ذلك بوضوح في التعامل مع اللاعبين المغتربين، الذين يواجهون تشكيكًا متكررًا بسبب خلفيتهم الاحترافية الخارجية، بدلاً من تقييم أدائهم بناءً على الجدارة. هذا التحامل أثار رد فعل غاضب من الجماهير على منصات مثل فيسبوك وتويتر، حيث طالب المتابعون بوقف التصريحات التي تفرق بين اللاعبين المحليين والمغتربين، مؤكدين أن الهدف المشترك هو دعم المنتخب. وفي هذا السياق، كتب صحفي عراقي بارز: "يتعين وضع ضوابط للحد من الفتنة بين اللاعبين، فالأولوية هي نجاح المنتخب الوطني"، محذرًا من أن الخطاب السلبي قد يصب في مصلحة المنافسين.
الأصوات العقلانية: رغم ذلك، لا يمكن تجاهل وجود أصوات متزنة في الإعلام المحلي، حافظت على حياديتها من خلال تقييم الأداء بإطار فني دون شخصنة. هذه الأصوات أشادت باللاعبين عند التألقهم، وحذرت من الأخطاء بروح بناءة، لكن تأثيرها غالبًا ما طغى عليه ضجيج التيار المتحامل، خاصة بعد النتائج غير المرضية.
يتأرجح الخطاب الإعلامي المحلي بين الدعم الموضوعي والنقد المتحامل، مما يعكس غياب حيادية كاملة في بعض الحالات. يبقى دور الجمهور حاسمًا في تمييز النقد البناء عن المغرض، وهو ما بدا جليًا في تفاعلهم الناقد للإعلام نفسه. ورغم هذا الجدل، تمكن المنتخب من الحفاظ على مساره في التصفيات بفضل تركيز اللاعبين وجهود الجهاز الفني، محققًا نتائج إيجابية نسبيًا تؤكد قدرته على تجاوز الضغوط الإعلامية.
تناقضات تصريحات النجوم السابقين وتداعياتها
أسهمت التصريحات المتضاربة لبعض نجوم الكرة العراقية السابقين في تعكير صفو الرأي العام الرياضي، مضيفةً بُعدًا جديدًا من الارتباك للجماهير. يُفترض أن يشكل هؤلاء، بفضل خبراتهم الطويلة، دعامة للمنتخب من خلال تقديم نقد بنّاء أو دعم هادف، لكن تقلب مواقفهم وتناقضها أحيانًا أثار تساؤلات حول مصداقيتهم، وألقى بظلال سلبية على معنويات الجمهور واللاعبين على حد سواء.
أمثلة على التناقض: على سبيل المثال، أشاد أحد اللاعبين الدوليين السابقين بخطة المدرب كاساس في إشراك وجوه جديدة قبل مباراة الكويت، لكنه عاد بعد المباراة لينتقد قرار إشراك بيتر كوركيس، واصفًا إياه بـ"الخاطئ". هذا التحول المفاجئ، الذي حدث في غضون ساعات، لم يمر دون انتباه الجماهير، حيث علق أحد المشجعين على فيسبوك بأن هذا المحلل "يبحث عن أي ذريعة لمهاجمة المدرب". في حالة أخرى، تتجلى التناقضات في تعليقات بعض النجوم حول الانضباط، فهم ينتقدون تارة ضعف شخصية اللاعبين الحاليين كسبب للإخفاقات، وتارة أخرى يهاجمون كاساس لفرضه عقوبات انضباطية صارمة، كما حدث في أزمة اللاعب إبراهيم بايش التي انتهت لاحقًا بحل وسط. هذا التذبذب يوحي بغياب رؤية متماسكة، وربما يكون مدفوعًا بعوامل شخصية أو علاقات خاصة.
تحليل الظاهرة: وصف الكاتب أسعد الدلفي هذه التصريحات بـ"التناقضات المريبة"، مشيرًا إلى أن بعض اللاعبين السابقين، خاصة من الجيل الأخير، يميلون إلى التقليل من إنجازات المنتخب الحالي، لا سيما عندما يتعلق الأمر باللاعبين المغتربين. وأضاف أنهم يتغاضون عن أوجه القصور لدى أصدقائهم من اللاعبين المحليين، بل وصل الأمر ببعضهم إلى توجيه عبارات السباب عبر المنصات الإعلامية، متجاهلين دورهم كقدوة رياضية. هذا السلوك أدى إلى تشويش واضح في الشارع الرياضي، حيث بدأ البعض يشكك في مصداقية أي نقد يصدر عن هؤلاء، بينما تبنى آخرون آراءهم المتقلبة، مما عمّق الانقسام بين الجماهير.
التأثير على المنتخب: يحمل هذا الخطاب المتذبذب مخاطر جمة، إذ قد يهز ثقة اللاعبين بأنفسهم إذا تأثروا به، خاصة عندما يرون أساطير الكرة العراقية تنتقدهم بشدة يومًا ثم تمدحهم في اليوم التالي بناءً على النتائج. كما أن هيبة المنتخب قد تتضرر إذا استمر هذا النمط من النقد غير المسؤول، الذي يفتقر إلى الاتساق والموضوعية، مما يعرض اللاعبين لضغوط إضافية غير مبررة.
جهود المقاومة: رغم ذلك، نجح الجهاز الفني بقيادة كاساس في تحصين اللاعبين نفسيًا ضد هذه الضغوط، مدعومًا بجهود الاتحاد العراقي لكرة القدم الذي عقد اجتماعات غير معلنة مع إعلاميين ولاعبين سابقين لتوحيد الصفوف وتهدئة الأجواء. في الوقت نفسه، برزت أصوات متزنة من نجوم سابقين مثل يونس محمود ونشأت أكرم، قدّموا دعمًا معتدلًا للمنتخب والجهاز الفني، موازنين بذلك التأثير السلبي للتصريحات المتضاربة.
الدرس المستفاد: تبرز الحاجة إلى وعي أكبر لدى اللاعبين السابقين الذين تحولوا إلى محللين بأن كلماتهم تحمل وزنًا كبيرًا، ويتطلب استخدامها بحكمة وأمانة بعيدًا عن التقلبات التي تربك الجمهور وتضر بالمنتخب. في المحصلة، يظل الجمهور العراقي العاشق لكرته قادرًا على التمييز بين النقد الهادف والحملات الشخصية، وهو ما يحافظ على زخم الدعم للمنتخب، مخففًا من وطأة هذه التناقضات على معنويات الفريق ومسيرته في التصفيات.