أدب وثقافة

هل الدين أوامر ونواهٍ؟

لماذا تحوّل الإسلام إلى منظومة تقييد؟وكيف ساهم الفقهاء في ذلك؟

الوقت الأربعاء 14 فبراير 2018 4:00 م
لماذا تحوّل الإسلام إلى منظومة تقييد؟وكيف ساهم الفقهاء في ذلك؟

اليوم الثامن ارشيفية

اليوم الثامن وكالات

الانتقال من الحالة التي جسّدها قول النبي: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر" (رواه مسلم) إلى حالة استسهال التحريم التي تسود بين المسلمين اليوم والتوسّع فيها، يكشف عن تحوّل الإسلام من كونه تجربة رحبة متفاعلة مع الإنسان، إلى منظومة من القيود، يتبعها المؤمنون خوفاً من العقاب النفسي والاجتماعي والإلهي.

فكيف انتقل التديّن الإسلامي من رحابة تجربة النبي إلى ما وصلنا إليه من موقف نكاد نستطيع تلخيصه بعبارة "كل شيء محرّم حتى يثبت لنا رجال الدين العكس"؟ ومن المسؤول عن هذا؟

لماذا ينحو التديّن الشعبي نحو التشدد؟

تعيش المجتمعات الإسلامية درجات مختلفة من التشدد الديني، وتلخّص حالة التشدد هذه لفظة "حرام" التي يتداولها الناس كثيراً.

يقول الباحث في الدراسات الدينية سامح إسماعيل لرصيف22: "كان الإسلام في اللحظة التأسيسية بلا فقهاء أو رجال دين، وكنا بصدد نص حي، فيه نوع من التماثل بين الواقع واحتياجات الناس، مع قدر من الجدل الحر، وكان الإنسان فاعلاً بكل أدواته حتى في النص، ومن هنا ظهرت أسباب النزول لتمنح النص تلك السيولة في الواقع وفق متطلبات اللحظة التاريخية".

ويرى إسماعيل أن التشدد المعاصر ارتبط بصعود المد السلفي، ودعاة القنوات السلفية، الذين نحوا بالمجتمع نحو التشدد، ونحو إغلاق النص الدينى تماماً عن التفاعل مع الحياة.

ويقدم عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ" رؤية لهذا التشدد، فيشير إلى أن الإسلام مر بمرحلتين: الأولى "إسلام الوحي" المبني على النص الخالص، حيث تتسع دائرة المباح، وتتقلص دائرة الإلزام، ويرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام العقل، في مقابل "إسلام الفقه" الذي تقدمه المنظومة السلفية، حيث تنقبض دائرة المباح، وتتسع دائرة الإلزام، ويتسع التوجس من العقل والحرية.

هل جاء النبي بنموذج جاهز لحياة المسلم؟

روّج الخطاب السلفي لرؤية مثالية عن حياة النبي، كل لحظة فيها نابعة من خطة إلهية محكمة، فترتب على ذلك تصوّر بأن على المسلم الاقتداء بالنبي في كل سلوك، بدون التفرقة بين دور النبي كمبلغ للوحي، وبين حياته كإنسان في بيئة اجتماعية معيّنة، عاش وفق تقاليدها وأعرافها، ولم يكن متعالياً عنها.

وتقدم حياة النبي تجربة بشرية ثرية. يقول الباحث في الدراسات الدينية جمال عمر لرصيف22: "لم تخرج تجربة النبي عن العرف والتقاليد، وهذه التقاليد هي التي حمت النبي ذاته حين طلب الجوار في الطائف، وهي ما جعلت عمه أبي طالب يحميه رغم عدم الإيمان به كما أن النبي لم يقطع مع الواقع، فقد تبنى الحج عند العرب كاملاً بعد أسلمته، كما أنه تابع العرب في عادات دفن الميت، وعادات الغزو".

وتؤكد على مرونة حياة النبي عدة ظواهر في عملية نزول القرآن، منها: ظاهرة التنجيم أي أن القرآن لم ينزل قطعة واحدة على النبي بل متفرقاً وفق حاجة الواقع، وظاهرة اختلاف الأحكام (عرّفها الفقه بالنسخ)، وظاهرة أسباب النزول.

وفي كتاب "الدين والتدين: التشريع والنص والاجتماع"، يقول عبد الجواد ياسين: "لم يهدف القرآن إلى إصدار لائحة نهائية تشرّع للمستقبل بقدر ما كان يقصد إلى معالجة الأحداث والحالات القائمة، بما يمكن اعتباره قراراً وقتياً ولذلك لم يظهر أي إحساس بالحرج من مرونة النص حيال الواقع المتغير في المدى القصير".

ويضيف عمر أن سلوك النبي لم يكن متعالياً عن الحياة البشرية، وكان يترك هامشاً للخطأ حتى حين يفصل بين المتخاصمين، وهو ما يؤكده قوله "فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو يذرها" (رواه مسلم).

من الرحابة إلى القيود

يقول سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه بجامعة الأزهر لرصيف22 إن الإسلام عرف رحابة في فهم القرآن، وأوامر النبي. ففي عهد النبي كان الصحابة يتلقون الوحي فيفهمونه بطرق مختلفة، وفعل الأمر في اللغة تختلف دلالته بين الإلزام، والاستحباب، والإباحة، وكل فهم للأمر على أحد هذه الوجوه يُعتبر صحيحاً، ومن هنا كانت الرحابة في التعامل مع الوحي.

ويضرب الهلالي مثالاً بقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" (البقرة:282)، ويوضح أن الصحابة والفقهاء فهموا هذا الأمر على وجوه مختلفة، فمنهم من رأى أن الأمر للوجوب، ومنهم من قال إن الآية اللاحقة "فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته" (البقرة:283) تصرف الأمر عن ظاهره للاستحباب" وبرأيه، يأتي التضييق بتبني حكم واحد على أنه الصواب الوحيد.

وفي كتاب "إسلام الفقهاء"، يرى نادر حمامي أن الفقهاء ساهموا في ظاهرة التشدد الديني باسم الإيمان، وذلك نتيجة تصور للدين كأنه قيود وحدود، لا تجربة إنسانية حية.

ويذكر حمامي حديث مسلم "جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه عليّ، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله، قال: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال: نعم، قال: قد غُفر لك".

ويقارن حمامي بين موقف النبي هذا وموقف الفقهاء من هذا الحديث. فالنص واضح أن النبي أعفى عن حد، إلا أن المحدث الفقيه النووي شارح كتاب مسلم يذهب إلى تأويل الحديث، ليبيّن أن النبي ما كان ليفرط في حد، ويقول إن الحد كان مما تُكفر الصلاة عنه، وهذا التأويل مخالف للخبر في الحديث.


الدين والضبط الاجتماعي

اختلفت تجربة الإسلام عن المسيحية في تداخل الديني مع السياسي. فقبل الإسلام لم يعرف العرب دولة، على عكس المسيحية التي ظهرت في وجود الدولة الرومانية. وفي كتاب "السلطة في الإسلام"، يطرح عبد الجواد ياسين هذا الرأي، ويذهب إلى أن اختلاط السياسي بالديني مكون أساسي في بنية الفقه.

ويقول: "لقد حل الفقه كمنظومة أحكام عامة محل قانون مكتوب وموحد، كان يمكن تصور صدوره عن الدولة، وحل الفقهاء كهيئة معنوية افتراضية محل مؤسسة تشريعية كان يمكن تصور قيامها ضمن مؤسسات الدولة. ولم تصدر الدولة الإسلامية على امتداد تاريخها، وتعدد أنظمتها قانوناً مكتوباً موحداً".

كيف وصلنا إلى مرحلة نكاد نستطيع تلخيصها بعبارة "كل شيء محرّم حتى يثبت لنا رجال الدين العكس"؟ ومن المسؤول عن هذا؟

ويبيّن ياسين محدداً آخر للفقه السلفي بفكرة اللوح المحفوظ، أي وجود عيني للآيات سابق على تنزيلها، وما يترتب على هذا الاعتقاد من إنكار أي فاعلية مؤثرة للاجتماع البشري حيال المنصوصات.

ومن خلال هذه الرؤية للدين، يتعالى الفقه فوق الواقع والتاريخ. يقول جمال عمر: "صادر الفقه على تاريخية التجربة الدينية في عهد النبي، وتاريخية الواقع والفقهاء يسطون على الدين بتصوير آرائهم على أنها حكم الدين أو حكم الإسلام، فيما الأمر ليس سوى حكم الشخص".

ويفسر ياسين في مرجعه السابق، تحوّل دائرة المباح من أصل في الدين، يدعمها حديث رواه البخاري: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عن شيء منه فدعوه"، إلى حالة ضرورة وجود حكم ديني لكل سلوك، بعملية تأسيس أصول الفقه على يد الشافعي.

ويقول ياسين إن البنية النصية تدلّ بالإجمال على أن التشريع التكليفي مكوّن من اثنين: الأول هو المصرح به، والثاني هو المسكوت عنه، وهذا المسكوت يدخل في دائرة المباح، لأن الله فسر كل ما هو محرم، فقد قال تعالى: ‘وقد فصل لكم ما حرم عليكم’ (الأنعام:119) وبخلاف ذلك ذهب مؤسس الأصولية الإمام الشافعي إلى أن ما أن يثبت من السكوت عن حكم شيء، حتى يوجب قياسه على حكم من الأحكام المنصوصة قد ينتهي القول فيه بالوجوب أو الحرمة.

ويعلل ياسين مسلك الشافعي بأن الأصوليين سيطرت عليهم عقيدة فهم النص من خلال "سلف ما" لا من خلال التفاعل مع الواقع، مما أصّل لفكرة التمسك بالماضي، والتي تُعتبر أصل فكرة التشدد، ومخالفة الواقع.

ويسوق عبد الجواد ياسين في كتابه مثالاً على تشدد الفقه، نتيجة تعاليه عن التاريخ، من خلال تحويل أحداث القتال والصراع بين النبي والقبائل إلى أحكام فقهية تُشرّع الغزو والقتال كحكم نهائي للمسلمين.

ويقول ياسين إن الفقه السلفي يستخدم آلية النسخ في آية "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة:5)، ويجعلها ناسخة لكل آيات القرآن التي تبيّن أنماطاً متعددة للعلاقة بين النبي والقبائل، ومنها قوله "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس:99)، و"ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة:190)، و"لا إكراه في الدين" (البقرة:256).

ويشرح أن الفقه جمّد مستقبل المسلمين عند حدود السنة التاسعة للهجرة، رغم أن تاريخ النبي يكشف عن فساد هذا الحكم الفقهي، فقد استأنف النبي إبرام المواثيق مع القبائل العربية منذ السنة العاشرة، فكتب لأهل نجران، ولأهل هجر، والبحرين ودومة الجندل، وله عهود بالصلح والجزية، وليس القتال كما يقول الحكم الفقهي.

ويربط ياسين بين التوجه الفقهي والحالة التاريخية التوسعية للعرب زمن الأمويين والعباسيين، ويقول: في مرحلة لاحقة ظهر حديث موازٍ لآية السيف ألا وهو "أمرت أن أقاتل الناس حتي يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (أخرجه البخاري ومسلم).

ويقول ياسين إن صياغة الحديث مرتبة من حيث المضمون، ومحبوكة بالضبط على نص الآية، ما يثير شبهة أنه موضوع لخدمة الحكم الفقهي بقتال الناس جميعاً، وهو ما يعني قلب الموقف الفقهي إلى نص، وبدلاً من أن تتحدث الآية عن المشركين، يتحدث الحديث عن الناس جميعاً.

تعامل الصحابة مع النص بشكل أرحب من الفقه

يذكر عبد الجواد ياسين في مرجعه السابق أن عمر حرّم زواج المتعة اجتهاداً رغم أنه كان معمولاً به في عهد النبي وأبي بكر، ولم يجد الفقه نصاً بتحريم هذا الزواج سوى الإجماع المستند إلى رأي عمر وعلى خلاف الفقه السني لم يأخذ الفقه الشيعي برأي عمر في تحريم زواج المتعة.

ويذكر نادر حمامي في كتابه "إسلام الفقهاء" مواقف أخرى لعمر منها إسقاط نصيب المؤلفة قلوبهم من الصدقات اجتهاداً، رغم أن الآية تقول "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم" (التوبة:60)، فقد رأى عمر أن هذا النص نزل حين كان الإسلام في حاجة إلى توليف قلوب الناس ليدخلوا إلى الإسلام، أما بعد أن أصبح الإسلام قوياً فلم تعد حاجه له.

بجانب ذلك، أبطل عمر حد السرقة عام الرمادة، ولم يوزع الغنائم والفيء وفق التخميس، بل استبدلها بنظام الأعطيات اجتهاداً.

ويعلل حمامي سلوك عمر، وموافقة الصحابة له، بقوله إن الأجيال الإسلامية الأولى لم تُعنَ بفرض تصرفاتها التي ارتضتها على مَن بعدها، على العكس تماماً من الفقهاء الذين جعلوا اختيارات الصحابة والتابعين وأتباعهم ملزمة، ما جعل الفقه الإسلامي ماضوياً، لا يتابع تغير واقعه، وأبقاه جامداً.

ويذكر نادر حمامي أن مسألة تحريم الخمر، والجلد كحد لها، لم تكن من المسائل المتفق عليها بين الصحابة، لأن موقف الرسول إزاء الشاربين لم يكن موقفاً متشدداً وباتاً، وهذا ما جعل مثل الصحابي قدامة بن مظعون يشرب الخمر، ويحاجج عمر ومن معه من الصحابة في مسألة تطبيق الحد عليه.

ولم يجد عمر إلا رأي علي بن أبي طالب بأن يقيس حد السُكر على حد القذف، لأن من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى ولهذا ذهب الإمام أبي حنيفة إلى أن ما دون السكر ليس حراماً.

ويمكن القول إن شيوع فكرة أفضلية الماضي، وضرورة ضبط حياتنا وفق أعرافه، ونظمه، وسلوكياته، هو ما يخلق حالة التشدد الديني اليوم فرغم تطور الحياة الاجتماعية فإن الفقه لم يواكبها، بل سعى للبحث في الماضي عما يحكم به المستقبل.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة