أ.د. رزق سعد الله بخيت الجابري يكتب لـ(اليوم الثامن):

الجمهورية اليمنية.. نقل السلطة وفرص بناء السلام وتقرير مصير الجنوب

الرياض

مع تزايد النزاعات وأعمال العنف في الجمهورية اليمنية والانسداد السياسي في وقف الحرب شكّل إعلان نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل بصيص أمل في بناء السلام في اليمن بعد حروب ونزاعات كان آخرها حرب الثمان سنوات التي انهارت فيها منظومة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وارتفعت معدلات البطالة، وزاد عدد الجوعى، وانتشرت الأمراض، وارتفع الهدر في التعليم، واهتزت منظومة القيم.  

جذور الصراع في الجمهورية اليمنية تعود إلى عام 1990 بعد توحيد الدولتين جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الجنوب الواقعة تحت سلطة الحزب الاشتراكي اليمني الذي يعتنق الماركسية اللينينة مبدأ للحكم، والجمهورية العربية اليمنية في الشمال التي يحكمها المؤتمر الشعبي العام الذي يتألف من عدة كيانات سياسية (التيار الليبرالي، والتيار القبلي، وتيار الإخوان المسلمين الديني والعسكري). التباين الفكري ولّد أزمة ثقة بين طرفي الوحدة، فقد رأى كلّ من التيار الديني والقبلي والعسكري في المؤتمر الشعبي العام أن الوحدة هي عودة الجنوب الفرع إلى الشمال الأصل وتغير مفهوم الشراكة الوطنية إلى التابع والمتبوع.

مع بداية عام 1992م تصاعدت أزمة الحكم في دولة الوحدة وظهرت بشكل علني مع بداية الاغتيالات للقيادات الجنوبية، فقد تم اغتيال مستشار وزير الدفاع الجنوبي، ثم تواترت عمليات الاغتيالات لكل القيادات الجنوبية. وعلى الرغم من إجراء انتخابات برلمانية في بداية 1994إلا أن نتائج الانتخابات أوجدت انقساماً جهوياً، فقد سيطر المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) على جميع مقاعد البرلمان في الشمال، بينما حصل الحزب الاشتراكي على جميع مقاعد البرلمان في الجنوب، فكل طرف وظّف نتائج الانتخابات لصالحه؛ مما زاد من الفجوة السياسية وتعميق الأزمة، وأدى ذلك إلى اندلاع حرب انتهت بهزيمة الجنوب، وقد وصف البعض هذه النتيجة بانتصار القبيلة على الدولة.

عودة النظام القبلي والتفكك الداخلي: 

انتصار الشمال في الحرب على الجنوب لم يتبعه بناء نظام ديموقراطي وسلام مستدام، فمنظومة الحكم السياسية المؤلفة من التيار القبلي والديني والعسكري أخذت في الصعود، بينما تراجع التيار الليبرالي وفقد قوته التي اكتسبها خلال السنوات الأولى من الوحدة؛ وتراجع تطبيق القانون بعودة الحكم القبلي والديني المتطرف. 

حرب 1994 أنهت الشراكة في الحكم بين الشمال والجنوب، فقد قامت مجاميع من قوى النفوذ من العسكريين ورجال الدين المتطرفين والقبليين بالسيطرة على ممتلكات الدولة في الجنوب، كما قامت بتسريح العسكريين والأمنيين والقوى العاملة من القطاع العام، وامتد ذلك إلى القضاء حيث تم تغيير القضاة الجنوبيين بغيرهم من الشمال.

 هذه التطورات أدت إلى احتقان شعبي جهوي وكانت بداية لدخول مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي وفقدان السلام الهش. فقد اندلعت مظاهرات محدودة في مدينة المكلا عام 1996 لكنها أخذت في الاتساع إلى أن تحولت إلى احتجاجات شبه يومية وشملت كل محافظات الجنوب. في عام 2007 تصاعدت أشكال التذمر والاحتجاج وحملت اسم الحراك الجنوبي ورفعت شعار استعادة الدولة الجنوبية التي كانت سائدة قبل عام 1990.   

مع تزايد شعبية الحراك الجنوبي وعجز الدولة عن مواجهته شكّل ذلك بداية فقدان الدولة السيطرة على الجنوب، وكان مؤشراً على تفكك الدولة المركزية في صنعاء؛ فظهر تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب الذي تركز نشاطه في المحافظات الجنوبية، واستهدف العسكريين والأمنيين الجنوبيين. وقد أظهرت الإحصاءات أن عدد من قام بقتلهم تنظيم القاعدة في الجنوب أكثر من  3000 رجل أمن وعسكري، وجميع عمليات القتل سُجِّلت ضد مجهول.

فخلال هذه المدة لم يتم الاستفادة من الفرص المتاحة لبناء سلام مستدام وردم الفجوة الجهوية بين الشمال والجنوب التي أخذت في الاتساع.

شكل عام 2011 منعطفاً جديداً في نظام الحكم العسكري المتصدع، فقد خرجت مجاميع من الشباب مطالبين بتغيير النظام وإسقاط حكم على عبد الله صالح الذي وصفوه بالنظام الديكتاتوري؛ مما دفع بالنظام إلى تحشيد أنصاره وإدخال البلاد في مواجهة بين الشباب والنظام تعطلت بسببها الأنظمة والقوانين ووصلت إلى حافة الهاوية والانزلاق في حرب أهلية؛ فجاءت المبادرة الخليجية وما نتج عنها من حوار وطني بين المكونات السياسية. ورغم ذلك لم تشكل المبادرة لبنة لبناء السلام المفقود كما ينبغي؛ لأنها لم تعالج القضية الرئيسة في أزمة اليمن وبناء السلام وهي القضية الجنوبية، فقد ركزت المبادرة الخليجية على حل الخلاف على السلطة.

إن المبادرة الخليجية التي ركزت على نقل السلطة ولم تركز على بناء فرص السلام المستدام جاءت بنتائج عكسية، فقد ازدادت مساحة التفكك والانهيار للدولة بعد فرض إعادة بناء نظام الدولة من طرف واحد بمسمى دولة اتحادية من ستة أقاليم تدعمه القوة العسكرية؛ مما أعاد الاضطرابات في الجنوب والنزاع المسلح في الشمال وخاصة مع جماعة أنصار الله الحوثيين التي أصبحت إقليماً إدارياً حبيساً لا يتمتع بجهة بحرية.

عام 2015 شكل منعطفاً سلبياً في بناء السلام، فقد سيطر أنصار الله الحوثيين على مؤسسات الدولة وقاموا بوضع اتفاق السلم والشراكة في محاولة لتغيير مصطلح الانقلاب على السلطة ووضع أساس لبناء السلام بحسب مفهومهم للسلام، فقد فرضت الإقامة الجبرية على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء خالد بحاح ثم إجبارهم على الاستقالة.

لم تكن هذه الخطوة التي أقدم عليها أنصار الله الحوثين فرصة لبناء السلام بل أدت إلى دخول البلاد في نزاع مسلح وحرب إقليمية؛ فانهارت البنية التحتية وأصبح معظم السكان تحت خط الفقر وانهارت المنظومة الصحية وتفشت الأمراض وانتشر الفساد الإداري وعودة تنظيم القاعدة بمسمى أنصار الشريعة وظهور عناصر الدولة الإسلامية (داعش).

لقد أدت الظروف المعيشية السيئة وانهيار منظومة الحياة في الجنوب وتفشي حمل السلاح في المدن وعمليات السطو إلى إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017   كقوة جنوبية لإعادة الحياة للجنوب من ناحية وبناء السلام من ناحية أخرى.

دخل المجلس الانتقالي في تجاذبات سياسية ومواجهات عسكرية  مع الحكومة المعترف بها دوليا التي حولت معركتها من استعادة الدولة والعاصمة صنعاء من سيطرة أنصار الله الحوثيين إلى محاربة المجلس الانتقالي، تغيرت خريطة الحرب وسير المعارك واستعاد أنصار الله المناطق التي فقدوها في السنوات الأولى من الحرب حتى وصلوا إلى الحدود الإدارية لمحافظة مارب؛ مما دفع بالتحالف العربي وخاصة المملكة العربية السعودية إلى عقد حوار بين المجلس الانتقالي والحكومة انتهى بتوقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019،  وشكل هذا الاتفاق فرصة لبناء السلام في الجنوب، وكان من الممكن أن يبنى عليه سلام شامل في اليمن مدعوماً بمبادرة المملكة العربية السعودية لإنهاء الحرب وبناء السلام بدخول جميع الأطراف في حوار شامل لحل القضايا الشائكة ومنها قضية الجنوب وقضية صعده، لكن الاتفاق لم يطبق فجاء اتفاق الرياض (2) الذي بموجبه تشكلت حكومة مناصفة بين الشمال والجنوب وهي فرصة يمكن أن يبنى عليها  سلام مستدام، ولكن لم يحدث أي تحسن في الأوضاع بل ازدادت سوءاً في الجنوب، حيث انهارت الخدمات التعليمية والصحية والكهربائية وانتشر الفساد وتوقف صرف الرواتب للموظفين الحكوميين.

هذه الأوضاع أدت إلى تحرك دول مجلس التعاون الخليجي في البحث عن صيغة توافقية لنقل السلطة وبناء السلام؛ فتم تشكيل المجلس الانتقالي الرئاسي الذي تكون من ثمانية أعضاء مناصفة بين الشمال والجنوب، وقد حددت مهامه في عودة الخدمات، وصرف رواتب الموظفين في الجنوب، والدخول في مفاوضات الحل النهائي مع أنصار الله الحوثيين.

إن نقل السلطة من الرئيس هادي المنتخب إلى قيادة المجلس الرئاسي المعين بقدر ما يشكل فرصة لبناء السلام فإنه يمهد الطريق لاتساع دائرة النزاع والمواجهات العسكرية وإطالة أمدها. وهذا يتوقف على برنامج عمل المجلس وحكومته المرتكز على الشراكة بين الشمال والجنوب في التعامل مع القضايا والمشكلات. 

مطلع يونيو يصادف خمسين يوماً على قيام مجلس القيادة الرئاسي ولم يعلن عن برنامج عمله كما لم يحدث أي تغيير في تركيبة الحكومة المتهمة بالفساد والتقصير في إيجاد حلول ومعالجات للأوضاع المنهارة في الجنوب.

فرص السلام بدأت تلوح في الأفق وخاصة بعد إعلان الهدنة وتمديدها بين الحكومة وأنصار الله الحوثيين وتعيين نائب عام للجمهورية من المؤسسة القضائية بدلا من النائب الأسبق الذي ينمتي للمؤسسة الأمنية. وقد وضع النائب العام من أولوياته محاربة الفساد، ولكن إلى الآن لم يتم تغيير لجنة مكافحة الفساد التي يتهمها غالبية الجمهور بعدم مكافحة الفساد لأنها لم تقدم قضية فساد.

إن فرص بناء السلام يتوقع أن تجهضها عدم التوافق على إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية للمجلس الانتقالي والحكومة التي يسيطر عليها تنظيم الإخوان المسلمين والمتهمة بالتعاطف أو التحالف مع التنظيمات الإرهابية داعش والقاعدة، وتصادم المشروع الجنوبي استعادة الدولة مع المشروع الشمالي دولة الوحدة، ولكن السؤال: أي دولة وحدة يتم الحديث عنها؟ هل هي دولة أنصار الله الحوثيين الموالية لإيران أم دولة اتحادية هي في العالم الافتراضي؟ لأنها ليس لها أرض، فمن يسيطر على الأرض المجلس الانتقالي في الجنوب وأنصار الله الحوثيين في الشمال.

إن بناء سلام مستدام بعد حرب ثمان سنوات يتوقع أن يكون حسب نتائج هذه الحرب من بوابة التفاوض بين المجلس الانتقالي في الجنوب وجماعة أنصار الله في الشمال على قاعدة تقرير مصير الجنوب وقيام دولتين متجاورتين بسلام مستدام مع تعزيز المصالح الاقتصادية للشعبين. مرفق خريطة الدولتين.