خالد رغدان يكتب لـ(اليوم الثامن):
آثار الحرب والنزوح على الصحة النفسية
لا تقتصر آثار الحروب على الدمار الذي يلحق بالمباني والبنية التحتية أو الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، حيث تترك ندوبًا نفسية قد ترافق الأفراد والمجتمعات لسنوات طويلة بعد توقف المعارك. فالحرب لا تسرق الأوطان فحسب، بل تزعزع الشعور بالأمان والاستقرار، وتفرض على الإنسان واقعًا قاسيًا مليئًا بالخوف وعدم اليقين.
في أوقات النزاعات المسلحة يصبح الإنسان معرضًا لسلسلة متواصلة من الضغوط النفسية؛ إذ يعيش تحت تهديد دائم، ويواجه مشاهد الفقد والدمار، وقد يفقد أفرادًا من أسرته أو أصدقاءه أو مصدر رزقه، الأمر الذي يترك آثارًا عميقة على صحته النفسية والعاطفية. وبين أصوات الرصاص والانفجارات وقلق الانتظار والترقب، يجد كثيرون أنفسهم في مواجهة تحديات نفسية تفوق أحيانًا قدرتهم على التحمل.
ويُعد النزوح من أكثر التجارب الإنسانية قسوة وتأثيرًا على الصحة النفسية. فعندما يُجبر الإنسان على مغادرة منزله وترك ممتلكاته وذكرياته خلفه، فإنه لا يفقد مكانًا يعيش فيه فقط، بل يفقد جزءًا من هويته وشعوره بالانتماء والاستقرار. فالمنزل بالنسبة للإنسان ليس مجرد جدران وسقف، بل مساحة للأمان والخصوصية والذكريات والعلاقات الاجتماعية. وعندما يُنتزع الفرد من هذه البيئة بشكل مفاجئ، تبدأ رحلة جديدة من القلق وعدم اليقين بشأن المستقبل.
وتزداد المعاناة النفسية للنازحين مع التحديات اليومية التي يواجهونها في أماكن اللجوء أو النزوح، مثل صعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، وانقطاع مصادر الدخل، والعيش في ظروف غير مستقرة، إضافة إلى الشعور بالعزلة والاغتراب. وقد يؤدي تراكم هذه الضغوط إلى ظهور مشكلات نفسية متعددة تتفاوت في حدتها من شخص إلى آخر.
ويعاني كثير من الأشخاص الذين مروا بتجارب الحرب من أعراض نفسية مختلفة، من أبرزها القلق المستمر والخوف المفرط، واضطرابات النوم والكوابيس المتكررة، وصعوبة التركيز، والشعور بالحزن وفقدان الأمل. كما قد تظهر أعراض الاكتئاب لدى البعض، بينما يعاني آخرون من اضطراب ما بعد الصدمة، وهو اضطراب نفسي قد يحدث بعد التعرض لأحداث شديدة القسوة أو التهديد للحياة، حيث تستمر الذكريات المؤلمة في الظهور بشكل متكرر وتؤثر على حياة الفرد اليومية وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل والتكيف.
ولا تقتصر التأثيرات النفسية للحروب على البالغين فقط، بل تمتد بصورة كبيرة إلى الأطفال الذين يُعدون من أكثر الفئات هشاشة في أوقات الأزمات. فالطفل يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة لينمو نفسيًا واجتماعيًا بشكل سليم، لكن الحروب تحرمه من هذه البيئة وتضعه أمام تجارب تفوق قدرته على الفهم والاستيعاب.
وقد يظهر تأثير الحرب على الأطفال بأشكال متعددة، منها الخوف الشديد والقلق المستمر، والتبول اللاإرادي، واضطرابات النوم، وصعوبات التعلم والتركيز، والانعزال الاجتماعي، إضافة إلى تغيرات سلوكية قد تشمل العصبية أو العدوانية أو التعلق الزائد بالوالدين. كما أن التعرض المستمر لمشاهد العنف أو فقدان أحد أفراد الأسرة قد يترك آثارًا طويلة الأمد تؤثر على نمو الطفل النفسي وتكوينه العاطفي.
كما تتأثر العلاقات الأسرية والاجتماعية بشكل كبير خلال فترات النزاع والنزوح. فالضغوط الاقتصادية والمعيشية والنفسية قد تؤدي إلى زيادة التوتر داخل الأسرة، وتضعف قدرة الأفراد على تقديم الدعم لبعضهم البعض. وفي بعض الحالات، قد يشعر الأشخاص بالعجز أو الذنب أو فقدان القيمة الذاتية نتيجة الظروف التي يعيشونها، مما يزيد من حدة المعاناة النفسية.
ورغم قسوة هذه الظروف، فإن الإنسان يمتلك قدرة كبيرة على الصمود والتعافي عندما تتوفر له بيئة داعمة. فالدعم النفسي والاجتماعي يلعب دورًا محوريًا في مساعدة الأفراد على تجاوز آثار الصدمات واستعادة شعورهم بالأمان والثقة. وقد يكون للاستماع الجيد، والتفهم، والكلمة الطيبة، والاحتواء الأسري، دور مهم في تخفيف المعاناة النفسية ومنح المتضررين مساحة للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم.
كما تسهم الخدمات النفسية المتخصصة وبرامج الدعم المجتمعي في مساعدة المتضررين على التعامل مع آثار الصدمات النفسية وتطوير آليات صحية للتكيف مع الظروف الصعبة. وتزداد أهمية هذه الخدمات في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات، حيث تكون الحاجة إليها كبيرة في ظل ارتفاع معدلات الضغوط النفسية والاضطرابات المرتبطة بالحرب.
إن الاهتمام بالصحة النفسية خلال الحروب والنزوح ليس ترفًا أو قضية ثانوية يمكن تأجيلها، بل هو جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية الشاملة. فكما تحتاج الإصابات الجسدية إلى العلاج والرعاية الطبية، تحتاج الجروح النفسية أيضًا إلى الاهتمام والدعم والتأهيل. وإهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى تطال الأفراد والأسر والمجتمعات بأكملها.
وفي عالم يزداد اضطرابًا بفعل النزاعات والأزمات، تبقى الرحمة والتضامن الإنساني من أهم وسائل التخفيف من معاناة المتضررين. فخلف كل شخص نزح من منزله أو فقد أحد أحبته قصة إنسانية تستحق أن تُسمع، وخلف كل وجه قد يبدو صامدًا معركة نفسية لا يراها الآخرون. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتوفير الدعم اللازم لكل من تضرر من ويلات الحرب، لأن التعافي الحقيقي لا يقتصر على إعادة بناء المدن، بل يشمل أيضًا إعادة بناء الإنسان واستعادة قدرته على الأمل والحياة.


