الساحل الغربي لليمن..

حيس والخوخة في قلب التفاهمات السعودية الحوثية.. هل تُغلق جبهة الحديدة بتسليم ما تبقى منها؟

تسليم حيس والخوخة للحوثيين لا يعني إغلاق جبهة الحديدة، بل تدشين مرحلة جديدة من إعادة توزيع الحرب، تمنح الجماعة موطئ قدم أوسع على باب المندب، وتضع الجنوب والمقاومة الوطنية أمام أخطر منعطف منذ اندلاع الحرب.

شارع عام في بلدة الخوخة الاستراتيجية في الساحل الغربي - صورة خاصة بـ"اليوم الثامن"

فريق التحرير
فريق تحرير صحيفة اليوم الثامن

قالت مصادر دبلوماسية يمنية إن تفاهمات وصلت إلى مرحلة متقدمة بين السعودية وجماعة الحوثيين اليمنية الموالية لإيران، تمنح الأخيرة السيطرة على بلدتي حيس والخوخة الساحليتين في الحديدة غربي اليمن، في مؤشر متقدم على جدية الرياض في خفض التصعيد وامتصاص التوتر المتصاعد مع الجماعة المسلحة، التي خاضت معها إدارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حرباً واسعة منذ مارس/آذار 2015، قبل أن تتحول المواجهة إلى أحد أكثر الملفات السعودية تعقيداً واستنزافاً في المنطقة.

وأكد مصدر دبلوماسي يمني في الرياض لـ"اليوم الثامن" أن مسؤولين سعوديين أبلغوا أطرافاً يمنية بنيّتهم تسليم بلدتي الخوخة وحيس لصالح جماعة الحوثيين، كبادرة حسن نية تسبق سلسلة ترتيبات أوسع، تبدأ بإعادة البنك المركزي اليمني من عدن إلى صنعاء وتوحيد العملة، ضمن ما بات يُعرف بخارطة الطريق السعودية الإيرانية الخاصة بتسوية الملف اليمني، والاعتراف بالسلطات الحوثية الانقلابية التي أطاحت بالرئيس عبدربه منصور هادي من سدة الحكم في صنعاء، قبل ان تحاول الرياض اعادته إليها ضمن صراع إيراني – سعودي، قبل أن تنتهي الرياض نفسها إلى الإطاحة بهادي من الحكم قبل ثلاثة أعوام من وفاته.

وكانت جماعة الحوثي المدعومة من إيران قد أعلنت انقلابها على الرئيس عبدربه منصور هادي مطلع العام 2015، قبل أن يتمكن الأخير من الخروج من صنعاء إلى عدن، لتعلن السعودية على إثر ذلك تشكيل تحالف عسكري من عشر دول لإعادة الشرعية، غير أن تعقيدات مذهبية وأمنية طرأت على المناطق الجنوبية للمملكة المحاذية لليمن دفعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى إعادة صياغة مسار الصراع عبر هدنة طويلة أحادية الجانب، قابلها إقصاء تدريجي لكل شركاء التحالف العربي، وصولاً إلى الإطاحة بالرئيس هادي في السابع من أبريل 2022.

ولم تمثل تلك الخطوة مجرد إزاحة لآخر رئيس شرعي لليمن، بل شكلت نقطة الانعطاف الأولى نحو تفاهم أوسع مع الخصم الإقليمي الأبرز، إيران، تُوج لاحقًا بتوقيع اتفاق بكين بين الرياض وطهران في مارس 2023.

ولم يتوقف ولي العهد السعودي عند حدود هذا الاتفاق الذي جاء بمعزل عن الإدارة اليمنية الجديدة التي صاغتها الرياض بنفسها، بل مضت المملكة في إعادة ترتيب المشهد اليمني عبر تحجيم المجلس الانتقالي الجنوبي، الشريك الرئيسي في مشاورات نقل السلطة من هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي.

وفي الثاني من يناير الماضي، قادت السعودية حملة عسكرية واسعة استهدفت القوات الجنوبية في المهرة وحضرموت، قبل أن تمتد إلى ضربات جوية في الضالع شمال غربي الجنوب، تزامناً مع إجراءات تصعيدية أخرى تمثلت في اعتقال وفد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي توجه إلى الرياض للمشاركة في حوار دعا إليه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، إلا أن تلك المساعي انتهت إلى الفشل مع تعثر التفاهمات مع الحوثيين، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، وهي الحرب التي امتنعت الرياض عن الانخراط فيها رغم كونها من أكثر الدول تعرضاً للهجمات الإيرانية وخسائرها المباشرة.

واستغل الحوثيون الهدنة القائمة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، لتصعيد خطابهم التهديدي تجاه السعودية، حيث لوّح زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي باستهداف المصالح الاقتصادية للمملكة، في رسالة تصعيدية غير مسبوقة، لم تقابلها الرياض برد مباشر، مكتفية بالتواصل مع الجانب الإيراني الذي لعب دور الضابط لإيقاع الجماعة، رغم أن الحوثيين كانوا قد أعلنوا التعبئة العامة ومنحوا السعودية مهلة عشرين يوما تبدأ من الأول من يوليو/تموز الجاري وتنتهي في العشرين من الشهر ذاته، وفق ما أفاد به مصدر يمني في صنعاء لـ"اليوم الثامن".

وقال المصدر إن الحوثيين كانوا جادين في خيارات التصعيد والتعبئة، بما في ذلك التحضير لإعلان حرب واسعة تستهدف الوجود السعودي في مأرب وجنوب اليمن، غير أن الاتصالات السعودية مع صنعاء تكثفت بصورة غير مسبوقة خلال الثلث الأخير من يونيو/حزيران الماضي، حيث قدمت الرياض أموالاً وتعهدات بتنفيذ خارطة الطريق، تمهد بتنفيذ وعود إزاحة ما تبقى من القوى العسكرية التي قد تمثل إشكالية مستقبلية أمام تمدد الحوثيين في الساحل الغربي.

ويتسق ذلك مع ما ذهبت إليه المصادر الدبلوماسية اليمنية في الرياض، التي أكدت أن بلدتي الخوخة وحيس ستصبحان خلال أيام في قبضة الحوثيين، في سياق ترتيبات أوسع تمنح الجماعة موقعاً متقدماً في تقاسم النفوذ على باب المندب بالشراكة مع أذرع محلية مدعومة سعودياً، وهو ما يضع المقاومة الوطنية اليمنية، التي تشكل حتى الآن حائط الصد الرئيسي أمام الحوثيين، في دائرة الاستهداف المقبلة، ضمن مسار يبدو أنه يعيد إنتاج سيناريو تفكيك القوات الجنوبية الذي بدأته الرياض في يناير الماضي.

وأحجمت مصادر في المقاومة الوطنية اليمنية بالساحل الغربي عن التعليق على الترتيبات السعودية ـ الحوثية، غير أن مصادر أخرى أشارت إلى وجود خطط سعودية لإعادة ترتيب المشهد العسكري في الساحل الغربي، بما يمنح الحوثيين شراكة فعلية في باب المندب، الممر الاستراتيجي الذي قد يتحول إلى نقطة اشتباك رئيسية في أي مواجهة أمريكية إسرائيلية محتملة مع إيران، في وقت بدت فيه مواقف الرياض وتحالفاتها مع بعض أقطاب الإسلام السياسي أكثر تقاطعاً مع المصالح الإيرانية، رغم الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها المملكة جراء الهجمات الإيرانية الأخيرة.

وقالت المصادر اليمنية لـ"اليوم الثامن" إن الاتصالات السعودية المكثفة مع القيادة الحوثية في صنعاء اتسمت بإصرار سعودي واضح على المضي نحو تنفيذ خارطة الطريق، بما يضمن خروجا أقل كلفة لإدارة ولي العهد محمد بن سلمان، من الملف اليمني، مع الاحتفاظ بنفوذ محدود في حضرموت والمهرة وعدن، مقابل ترتيبات مالية تمنح سلطة الحوثيين في صنعاء نحو 80 في المائة من عائدات النفط في حضرموت وشبوة، كرواتب باعتبارها سلطة المركز، إلى جانب إعادة البنك المركزي من عدن إلى صنعاء وإنهاء ما تصفه الرياض بالانقسام المالي بين الشمال والجنوب.

وبتسليم الخوخة وحيس للحوثيين، تكون السعودية قد بدأت فعليا إغلاق جبهة الساحل الغربي عبر إعادة توزيع النفوذ بين ما يسمى بقوات درع الوطن والجماعات المسلحة الموالية للإخوان في تعز وبعض ريفها، تمهيداً للتفرغ لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي وتصفية ما تبقى من القوى السياسية الجنوبية، خصوصاً بعد موافقة الرياض على مقترح الحوثيين بشأن صيغة حكم محلي واسع الصلاحيات، وهو ما ألمح إليه رئيس هيئة أركان الجيش اليمني المدعوم سعوديًا اللواء صغير بن عزيز في تصريحات لصحيفة الشرق الأوسط.

وقال بن عزيز إن الرياض أنهت ما وصفه بمشروع انفصال الجنوب، في إشارة إلى الحرب التي شنتها المملكة على القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة.

وكانت السعودية قد عرقلت، وفق حساباتها الخاصة، معركة تحرير ميناء الحديدة في العام 2018، بعد أن دفعت حكومة هادي إلى توقيع ما عُرف باتفاق ستوكهولم، وهو الاتفاق الذي جمّد معركة الساحل الغربي وأوقف تقدم القوات المشتركة، قبل أن يستعيد الحوثيون لاحقا مساحات واسعة من المناطق الساحلية التي كانت قد حررتها القوات الجنوبية والقوات التهامية والمقاومة الوطنية.

ومنذ ذلك التاريخ ظل الساحل الغربي جبهة مؤجلة، غير أن التطورات الأخيرة، بالتوازي مع الحرب السعودية على الجنوب، تشير إلى أن الرياض حسمت خيارها بالمصالحة مع الحوثيين أولاً، ثم الشراكة معهم ثانيا في تقاسم النفوذ على خليج عدن والبحر الأحمر، عبر ترتيبات متقدمة تهدف إلى إغلاق ملف الحديدة بتسليم آخر المديريات الخارجة عن سيطرة الجماعة: حيس والخوخة.

وهدد مسؤولون يمنيون ابرزهم وكيل وزارة الإعلام اليمني فهد بن طالب الشرفي في تصريحات صحفية بتقديم استقالته من الحكومة مع مسؤولين أخرين ان وقعت السعودية اتفاقا مع الحوثيين الموالين لإيران، وذلك في اعقاب تفهامات سبقت لغة التهديد الحوثية الأخيرة تجاه المملكة.

وفي العاشر من يونيو/ حزيران الماضي، أعلن المبعوث الأممي الى اليمن هانس غروندبرغ، عن التوصل إلى تفهمات بين السعودية والحوثيين في العاصمة الأردنية عمان، وهي الاتفاقيات التي تمت دون حضور أي من الحكومة اليمنية.

وقال غروندبرغ في تصريحات نشرها الموقع الرسمي للأمم المتحدة، إنه اختتم اجتماعاً ضم ممثلين عن لجنة التنسيق العسكري السعودية الحوثية، استناداً إلى اجتماعات سابقة غير معلنة عُقدت في إطار اللجنة ذاتها، ناقشت آخر التطورات وخطوات خفض التصعيد، في مؤشر جديد على أن التفاهمات بين الرياض وصنعاء تجاوزت الإطار السياسي إلى ترتيبات عسكرية ميدانية أكثر حساسية.

ويرى غروندبرغ أن هذه التفاهمات، التي تجري برعاية أممية، تمثل أهمية بالغة للحفاظ على حوار جوهري داخل لجنة التنسيق العسكري المشتركة، بما يدعم فرص الوصول إلى تسوية شاملة وسلام دائم في اليمن، غير أن هذا المسار، وفق مراقبين، يتجاوز فكرة السلام إلى إعادة هندسة خرائط النفوذ ومراكز السيطرة على الأرض.

ولا يمكن النظر إلى التحركات السعودية التي تفتح المجال أمام الحوثيين للتقدم صوب ميناء المخا الاستراتيجي بمعزل عن هذه التفاهمات، خصوصاً مع تصاعد اللهجة الحوثية التي باتت أقرب إلى إقصاء السعودية من أي نفوذ فعلي مستقبلاً في البحر العربي، ما يجعل أي اتفاق في الساحل الغربي أقرب إلى تسليم منظم لمفاصل استراتيجية، يمنح الحوثيين فرصة لإعادة التمدد باتجاه حقول النفط في شبوة.

وبحسب تقديرات يمنية، فإن الحوثيين ينظرون إلى شبوة باعتبارها الهدف التالي بعد السيطرة على حيس والخوخة، كون المديريتين تمثلان آخر الامتدادات البرية المهمة خارج قبضتهم، والسيطرة عليهما تمنح الذراع الإيرانية امتداداً جغرافياً متصلاً على طول الساحل الغربي، وتعيد تعريف وظيفة القوات المنتشرة هناك من قوات مواجهة إلى قوات حراسة لتهدئة طويلة، تمهد لعودة الحوثيين إلى فتح جبهة شبوة أولاً، وربما الالتفاف على مأرب لاحقاً من خاصرتها الجنوبية الشرقية، في واحدة من أكثر المناورات العسكرية تعقيداً منذ بدء الحرب.

بدأت السعودية في تقديم تنازلات متدرجة للحوثيين منذ السنوات الأولى للصراع، خصوصًا مع صعود طموحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي بات ينظر إلى حرب اليمن باعتبارها عبئا استراتيجيا يعرقل مشروعه الاقتصادي الكبير قبل انتقال الحكم إليه رسميًا. فعلى الرغم من تعثر بعض مسارات رؤية  2030، ظل الملف اليمني يمثل هاجسا مستمرا في حساباته، وهو ما دفعه، منذ تسوية أزمته مع قطر في العام 2021، إلى تسريع مسار المصالحة مع إيران، قبل الانتقال من التهدئة إلى بناء تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية معها، بالتوازي مع تعزيز ترتيباته العسكرية عبر الاستعانة بباكستان، التي باتت قوات منها متمركزة داخل المملكة، ودُفع بجزء منها إلى قواعد عسكرية في حضرموت والمهرة وشبوة.

وقاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في العام 2017 حملة حصار شاملة ضد قطر، تحت اتهامات صريحة بعلاقاتها مع إيران ودعمها لجماعة الإخوان المسلمين، وفرض عليها حينها حزمة شروط قاسية، قبل أن يتراجع عنها بالكامل في اتفاق العلا مطلع العام 2021، في خطوة وُصفت بأنها أول تنازل استراتيجي كبير يقدمه الأمير الطامح للعرش، بعد سنوات من التصعيد السياسي والإعلامي ضد الدوحة واتهامها بالعمل ضمن الأجندة الإيرانية في المنطقة.

لكن ذلك التراجع لم يكن معزولاً، بل شكل بداية مسار أوسع أعاد من خلاله محمد بن سلمان صياغة أولويات الصراع، منتقلاً من سياسة المواجهة المفتوحة إلى سياسة التسويات الكبرى، بدءاً بالمصالحة مع قطر، ثم التفاهم مع إيران، وصولاً إلى توظيف ذات القوى التي كان يتهمها سابقاً بخدمة المشروع الإيراني، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، التي تحولت اليوم إلى أحد أهم أدواته لإعادة ترتيب خروجه من الحرب اليمنية بأقل الخسائر الممكنة.

وشكلت الضربة السعودية تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي واحدة من أبرز الخطوات التمهيدية التي اتخذها الحاكم السعودي الصاعد لإعادة تهيئة الأرض أمام الاتفاق مع الحوثيين، وتحقيق الحد الأدنى من مكاسب حرب التدخل في اليمن، خصوصًا ما يتعلق بالسعي لانتزاع منفذ استراتيجي على البحر العربي. غير أن هذه المكاسب تظل محفوفة بمخاطر متزايدة، في ظل تصاعد الرفض الشعبي الجنوبي للهيمنة العسكرية السعودية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحالفات محلية وإقليمية، وربما دولية، لإعادة تقليص النفوذ السعودي وتحجيمه.

وبدا أن الرياض، من خلال مسارها الحالي، قدمت ما يشبه الاعتراف الضمني بعدالة القضية الجنوبية، غير أن مستقبل نفوذها سيظل مرهونًا بقدرتها على تمرير خيارين أحلاهما مرّ: إما تسليم الدولة للحوثيين، أو إعادة تمكين الإخوان في الجنوب كموطئ قدم احتياطي، خصوصًا إذا أصبحت مأرب جزءًا من الحسابات التوسعية للحوثيين في اتجاه استعادة كامل الحدود التاريخية لليمن الشمالي.