حوارات وتحليلات

ما بين الحل الأمني (الخشن) وحلّ الدمج (الناعم)..

تحليل: محطات تشرح كيف فقد "إخوان مصر" شرعيتهم القانونية؟

الوقت الاثنين 30 سبتمبر 2019 7:48 ص
تحليل: محطات تشرح كيف فقد "إخوان مصر" شرعيتهم القانونية؟

اليوم الثامن تصورات المصالحة بُنيت على تصور ذهني خاطئ عن طبيعة وماهيّة الإخوان المسلمين

تتأرجح التصورات الذهنية لمواجهة التيار الإسلاموي، ما بين الحل الأمني (الخشن) وحلّ الدمج (الناعم)، ولأنّ الحل الأمني لم يحقق المطلوب، فلم يجد البعض بداً من طرح تصور عن مصالحة قادمة، متوهمين أنّ الإخوان كجماعة وتنظيم يمكن أن يقدّموا مصلحة الوطن على مصلحة التنظيم.

يبدو أنّ تلك التصورات بُنيت على تصور ذهني خاطئ عن طبيعة وماهيّة الإخوان المسلمين، فالبعض يرى أنّ تلك الجماعة ضمن الجماعات الوطنية، وليست ضد الأوطان، وأنّ طبيعة الخلاف بين تنظيم الإخوان وأيّ حكومة هو خلاف سياسي بحت، وهذا التصور خاطئ جداً،  فتنظيم الإخوان يقوم بتربية أفراده على ولاء مغاير للولاء للوطن، والانتماء لقيم متناقضة مع قيم المجتمع الحالي، ويؤسس التنظيم من خلال تبديل المفاهيم والمصطلحات لبيئة معبأة بالحقد والكراهية، ومن ثم التجهز للاحتراب الداخلي.

تصورات المصالحة بُنيت على تصور ذهني خاطئ عن طبيعة وماهيّة الإخوان المسلمين

غابت طبيعة المعركة عن البعض نظراً لتمكّن الجماعة من تزوير تاريخها وتاريخ رجالها، فجعلتهم مظلومين شهداء، يحاربهم الحكام، يتآمر عليهم الأعيان، يحقد عليهم الشيوخ والوعّاظ، لهذا يجنح الكثير من الباحثين الى الترويج لفكرة دمج الإخوان في المجتمع طالما يستحيل مكافحتها، وإعطاؤهم الشرعية الممنوعة عنهم لعلهم ينتمون إلى الوطن.
وشرعية وجود الإخوان ما بين الوجود الرسمي والوجود الشعبي أحد ركائز مشروعهم للسيطرة والإحلال، فيما يلي رصد لأهم محطات رحلة الإخوان للبحث عن الشرعية من الممكن أن توضح الكثير عن طبيعة هذه الجماعة وطبيعة الخلاف والمعركة معهم، لعل ذلك يحسم الجدل حول المصالحة من عدمها.
المحطة الأولى؛ الحصول على الشرعية القانونية: حصل الإخوان على الشرعية القانونية عندما أنشأ حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية العام 1928 وفق القانون المدني ودستور 1923، الذي كان يسمح بتكوين جمعيات أهلية ودينية.

وتم إشهار الجمعية عقب إخبار الجهات المعنية فقط، ثم صدرت لائحة الجماعة الداخلية التي وافقت عليها الجمعية العمومية في انعقادها الثالث بتاريخ أول جمادى الأولى سنة 1349هـ/ 1930م، والمنشورة في موقع إخوان ويكيبيديا والتي نصت في المادة الثانية "هذه الجمعية لا تتعرض للشؤون السياسية أياً كانت ولا للخلافات الدينية ولا صلة لها بفريق معين من المسلمين، فهي للإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان"، بهذه المادة تمكن الإخوان من التسلل إلى المجتمع المصري، وتكوين قاعدة لا بأس بها من الأتباع، وكان من الممكن أن تستمر الجماعة في تقديم خدماتها الدينية للمجتمع لولا أنّها سارت في طريق مختلف عما أعلنت عنه، عندما ألغت هذه المادة في لائحة 1945، فأهدرت فرصتها في خدمة الإسلام بصدق.

غابت طبيعة المعركة عن البعض نظراً لتمكّن الجماعة من تزوير تاريخها وتاريخ رجالها

المحطة الثانية؛ فقدان الشرعية: انزلقت الجماعة وتورّطت في ارتكاب أعمال عنف وإرهاب،  حسب مذكرة وكيل الداخلية "عبد الرحمن عمار" التي أوردها بالنص مؤرخ الإخوان محمود عبدالحليم في كتابه "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" الجزء الثاني، والتي أثبت بها عبد الرحمن عمار ضلوع الإخوان في ممارسة العنف، كما خالفت الجماعة قانون الجمعيات، ورأت الدولة المصرية أنّها باتت خطراً حقيقياً على المجتمع المصري، فأصدرت أول قرار بحلّها، وهو الأمر العسكري رقم 63 في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1948، ثم تصاعدت الأحداث باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي كرد فعل انتقامي من الإخوان ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، ومن ثم تحول الرأي العام المصري ليقف ضدهم، ثم بعدها بأشهر قليلة تم قتل مؤسس الجماعة حسن النبا بإطلاق الرصاص عليه أمام مقر جمعية الشبان المسلمين.

المحطة الثالثة؛ رفض تقنين الجماعة: دارت أحداث صاخبة في صفوف الإخوان امتدت قرابة أربعة عشر شهراً، استقر الوضع على اختيار حسن الهضيبي لقيادة الجماعة، وبدأ المجتمع المصري يعيش لحظة تحول حقيقية؛ حيث أدرك القانونيون ضرورة تنظيم عمل الجمعيات الأهلية سواء الدينية أو غيرها، فقام البرلمان المصري في عهد حكومة السعديين (1949) بإعداد قانون للجمعيات الأهلية، واستكملته حكومة الوفد في البرلمان في نيسان (أبريل) 1950، فأعلن الإخوان رفضهم لهذا القانون وأعلنوا تمردهم وتظاهروا أمام البرلمان يهتفون: "الإسلام نظام لا يحتاج إلى نظام"، "الإسلام قانون لا يحتاج الى قانون"، وكانوا يرفعون المصاحف في مظاهراتهم كما ورد في الجزء الثاني من كتاب (الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ) ص193، فأهدروا فرصة لإعادة توفيق أوضاعهم.

بعدما خالفت الجماعة قانون الجمعيات رأت الدولة المصرية أنّها باتت خطراً حقيقياً على المجتمع المصري

المحطة الرابعة؛ الحصول على الشرعية للمرة الثانية: في العام 1951 حدث تحول مفاجئ للإخوان، فقد صدر قرار من مجلس الدولة بعدم مشروعية قرار حل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها، معتمدين على أنّ قرار الحلّ صدر أثناء فرض الأحكام العرفية، وعندما تولى الوفد الحكم قام بإلغاء الأحكام العرفية وكذا ما ترتب عليه من قرارات، وكان منها قرار حلّ الجماعة، ومن ثم عادت الجماعة إلى مزاولة نشاطها، إلى أن صدر الحكم بإلغاء القرار العسكري بحل الإخوان في 4 تموز (يوليو) 1952، وكانت فرصة جديدة للحصول على الشرعية القانونية للعمل داخل المجتمع العربي والإسلامي.
المحطة الخامسة؛ فقدان الشرعية للمرة الثانية: قامت ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وانتهى العهد الملكي الذي تسامح كثيراً مع خطايا الإخوان، وكان من الواضح أنّ مصر والعالم العربي على موعد مع قوة جديدة تمنع أو تمنح الشرعية ممثلة في حركة الضباط الأحرار.

لم يحاول الإخوان تفهّم طبيعة تحول موازين القوى في المنطقة، ولم يدركوا أنّ ما كان مقبولاً في العصر الملكي لم يعد كذلك في عصر الثورة، كما لم يفهم الإخوان أنّ تعاطف الضباط الأحرار معهم كان في سياق الإدانة للعصر السابق، وأنّ المساحة التي تركوها لهم كانت للعمل داخل المجتمع المصري كمؤيدين للضباط الأحرار وأن يكونوا رافعة اجتماعية إسلامية، داعمة للثورة.

إلغاء القرار العسكري بحل الإخوان العام 1952 مثّل فرصة جديدة للحصول على الشرعية القانونية

لكن الإخوان تغلبت رغبتهم في السلطة على منطق الواقع، فاندفعوا للسيطرة على مجلس قيادة الثورة، ومن ثم البلاد وإدارتها ولو من خلف الستار؛ رفض جمال عبدالناصر أي وصاية من الإخوان، أو أي تدخل في قرارات الثورة، فقررت الجماعة التخلص منه، بإطلاق الرصاص عليه في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1954 أثناء إلقائه خطاباً في ميدان المنشية بالإسكندرية، وبعدها بأيام قليلة صدر قرار مجلس قيادة الثورة بإلغاء جمعية الإخوان المسلمين ومصادرة أملاكها وإغلاق مقارّها، وفقدت بذلك شرعيتها للمرة الثانية وأهدرتها مجدداً.
المحطة السادسة؛ العودة العلنية دون القانونية: توالت الصدامات بين دولة عبدالناصر والإخوان، وبعد رحيله بدا للرئيس الجديد محمد أنور السادات أن يستخدم الإخوان كرافعة اجتماعية وسياسية له، فسمح لهم بالعمل لكن بدون سند قانوني، ولم يعطهم الشرعية القانونية، إلا إذا اندرجوا تحت أي شكل من أشكال التنظيمات القانونية بالدولة، فإما أن يكونوا جمعية أهلية تعمل وفق قانون الجمعيات، أو حزباً يعمل وفق قانون الأحزاب السياسية، وعلى الرغم من المساحة الكبيرة التي تركها الرئيس السادات لهم، إلا أنّهم رفضوا مجدّداً الفرصة لتقنين أوضاعهم، وأصرّوا على استعادة وضعهم القديم التقليدي وقت نشأة الجمعية في ثلاثينيات القرن العشرين.

لهذا أقام عمر التلمساني المرشد الثالث للإخوان، دعواه في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1977، ومما جاء في عريضة الدعوى على لسانه أنّ "جماعة الإخوان تكونت في مصر منذ زمن بعيد، ولاقت دعوتها قبولاً لدى كافة أفراد الشعب المصري، وكان لها نظام وخطة تربوية ظاهران للكافة، وقامت بينها وبين الحكومات المختلفة نزاعات وخصومات، وتعرضت السلطات لها بالأذى".
ثم عدّل الإخوان طلباتهم في القضية، فطالبوا في 6 كانون الأول (ديسمبر) 1983 ثم في 23 نيسان (أبريل) 1985 بأن يكون للقضية شقان: إيجابي وسلبي؛ الإيجابي بإلغاء قرار حل الإخوان الصادر العام 1954، والسلبي بإلغاء القرار بالامتناع عن إعادة ما يسمى بـ"جمعية" الإخوان المسلمين، ثم كانت المفاجأة بأن طالب محامي التلمساني في 24 حزيران (يونيو) 1986 بانقطاع سير الخصومة لوفاة المرشد الثالث!
استكمل المرشد الرابع حامد أبوالنصر القضية وقدم محاموه مذكرة بجلسة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1986 يطلب تدخله في القضية باعتباره أكبر أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان، وأنّه صاحب مصلحة في الطعن على القرار، ثم تقدم للانضمام إليه د.توفيق الشاوي، باعتباره منتمياً للجماعة، وأحد أعضاء الهيئة التأسيسية لها وذلك في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990. وأحيلت الدعوى لهيئة المفوضين، ثم حكمت المحكمة الإدارية في 6/2/1992 برفض الدعوى رقم 133 لسنة 32 قضائية المقامة من عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر وتوفيق الشاوي.

بعد أن اختار الإخوان العام 2013 الخروج على الدولة فقدوا شرعيتهم القانونية للمرة الثالثة والشعبية للمرة الأولى

وأكدت المحكمة أنّ المادة 191 من دستور 1956 تنص صراحة على أنّ "جميع القرارات الصادرة من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة ومنفذة لها، وكذلك جميع القرارات والأحكام والإجراءات والأعمال التي صدرت من الهيئات التي قرر مجلس قيادة الثورة تشكيلها، أو الصادرة من أي هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة، لا يجوز الطعن في أي منها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه، أمام أي هيئة كانت".
المحطة السابعة؛ رفض تقنين الجماعة: مارس الإخوان عملهم على مدار أربعة عقود، وهم يرتكزون على شرعية الواقع وتقبل المجتمع، وعندما قامت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، تغيّرت الأوضاع تماماً، ولاحت للإخوان الفرصة تلو الأخرى ولم يحاولوا توفيق أوضاعهم أو أن يحسموا أمرهم؛ هل هم جمعية أهلية، أم هم حزب سياسي؟ حاولت الجماعة التحايل على هذه الإشكالية بتكوين جمعية شكلية باسم جمعية جماعة الإخوان، كمحاولة لإيهام المتابعين أنّ للكيان قديماً شرعية، هذا الارتباك في فهم طبيعة الجماعة ظل يقف حائلاً أمام الإخوان دون الخضوع لأي قانون، مما يجعلهم دائماً تنظيماً يفتقد للشرعية القانونية التي يصرون على التهرب منها.
المحطة الثامنة؛ وسم الجماعة بالإرهابية: ثار المصريون على الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، في30 حزيران (يونيو) 2013، فاختار الإخوان الخروج على الدولة المصرية ومؤسساتها  وارتكاب أعمال عنف وإرهاب، عندها حكم القضاء المصري أنّ الإخوان جماعة إرهابية في 26 كانون الأول (ديسمبر) 2013 ليفقد الإخوان شرعيتهم القانونية للمرة الثالثة والشرعية الشعبية للمرة الأولى.

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة