أدب وثقافة

بلغ الولع بمدح الموت والميتين..

كوميديا الموت في المشهد الثقافي العربي

الوقت الأربعاء 11 ديسمبر 2019 1:19 ص
كوميديا الموت في المشهد الثقافي العربي

اليوم الثامن ما أن ينطلق خبر وفاة أحد المثقفين حتى يتّشح فضاء وسائل التواصل بالسواد

ينبغي أن تموت حتى تستحق التكريم! هذه هي العبارة التي يتداولها المثقفون العرب بصيغ مختلفة، كلّما أنشبت المنية أظفارها بأحد زملائهم. ولست بحاجة للتذكير بأنّها تقال من باب السخرية والتهكّم! وذلك لأن كلّ الراحلين، المرموقين منهم وغير المرموقين إبداعياً، يتمنون لو أنّ الحياة رُدّت إليهم يوماً أو يومين، ليسعدوا بما يقال ويكتب عنهم، مع أنّهم لم يحظوا بعُشْره وهم على قيد الحياة!

ما أن ينطلق خبر وفاة أحد المثقفين حتى يتّشح فضاء وسائل التواصل بالسواد وإذا بمعظم المثقفين يرتبطون بعلاقات صداقة مع الراحل

وللحق، فإنّ (كوميديا الموت) في المشهد الثقافي العربي، غدت ظاهرة تستحق أن تُحلّل وتدرس، نفسياً واجتماعياً وتاريخياً وأدبياً؛ لأنّها لم تعد مقتصرة على ردود أفعال الأفراد فقط؛ بل راحت تمتد لتشمل سلوك المؤسسات أيضاً؛ إذ لم يعد خافياً أنّ معظم الهيئات الثقافية العربية صارت تتحمّس لإقامة (التأبينات) حتى تصطاد أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فالتأبين كُلفته المادية تكاد تكون معدومة لكن مردوده الإعلامي والاجتماعي كبير ولا يتطلب وقتاً أو جهداً لاختيار المؤبِّنين، كما أنّ كلمات التأبين لا تتطلّب جهداً من المشاركين في التأبين، فضلاً عن أنّ صيغة التأبين ترفع الحرج عن الجميع بخصوص الراحلين، سواء أكانوا مرموقين أو غير مرموقين إبداعياً؛ فإن كان الراحل ثري الإنتاج فليس من السهل الحصول على أبحاث ودراسات تنصف إرثه خلال مدة قصيرة - وبالتالي فإنّ التأبين يتكفّل بستر عورة الأحياء جرّاء هذا القصور الفادح- وإن كان الفقيد متواضع الإنتاج فإنّ التأبين يتكفّل بستر عورة الراحل! لكن الأهم من كل ما تقدّم يتمثّل في أنّ هذا الاستثمار السهل والمضمون في الموت والميتين، يتكفّل بستر خواء معظم الهيئات الثقافية التي لم تعد قادرة على الوفاء بمتطلّبات المرحلة ثقافياً وفكرياً، فحوّلت قاعاتها وردهاتها إلى أضرحة تعج بالتأبينات، بدلاً من تحديث وتكثيف برامجها الثقافية والفكرية.

وحتى لا نقتصر هذا التلاعب على الهيئات الثقافية العربية فقط، فينبغي أن نقرّ بأنّ بعض عائلات الراحلين، والتي لم تدّخر وسعاً لاستثمار رحيلهم اجتماعياً وسياسياً، لم تتورع عن اغتيالهم لاحقاً، وذلك من خلال الجهود المضنية التي بذلتها للتخلّص من مكتباتهم، إلى درجة الإقدام على عرض هذه المكتبات للبيع من خلال وسطاء، كما قامت بعض العائلات بإلقاء عدد كبير من الكتب في الحاويات، وخاصة بعد أن صارت الجامعات والمعاهد المعدودة تعتذر عن اقتناء المكتبات، نظراً لضيق المساحة ولأن العالم يتجه الآن إلى قواعد البيانات والمعلومات الإلكترونية. ولا نملك إزاء هذا التهاون المؤسف إلا أن نقول: ما أكثر أوهام المثقفين، وما أشدّ انخداعهم بأدوارهم ووظائفهم! فقد هانوا وهانت مكتباتهم حتى على زوجاتهم وأولادهم!

هذا ملخّص مكثّف لما يجري على أرض الواقع، فما الذي يجري على شاشة الواقع الافتراضي؟ يؤسفنا القول بأنّ ما يجري (هنا) لا يقل فداحة عما جرى (هناك)؛ إذ ما أن ينطلق خبر وفاة أحد المثقفين حتى يتّشح فضاء وسائل التواصل الاجتماعي باللون الأسود، وإذا بمعظم المثقفين يرتبطون بعلاقات صداقة تاريخية وحميمة مع الراحل النبيل، ولا يتردد معظمهم في استدعاء أبسط التفاصيل التي يمكن أن تؤكد علاقتهم الوثيقة بالفقيد، حتى لو كان التفصيل يتصل باحتساء فنجان قهوة عَرَضاً أو يتعلّق بمصافحة جرت قبل عشرين عاماً، أو يدور حول اتصال هاتفي عابر ..إلخ إلخ، وبفعل إغراء الإعجابات والتعليقات التي تنهال بالمئات على الناعين، يجري الاتجاه إلى تصعيد مذهل لمناقب الراحل، قد يصل حد إلحاقه بزمرة الملائكة، مع أنّ معظم الناعين لم يدّخروا وسعاً لشيطنة الفقيد حينما كان يدب على أرض الواقع!

وأما إذا كان الفقيد يمت بصلة القربى للمثقف، فإنّ هناك مراسم غدت شبه ثابتة على شاشات الواقع الموازي، وتتمثّل باتجاه المثقف أولاً إلى مناشدة الأصدقاء كي يكثّفوا الدّعاء لأبيه أو لأمه بالشفاء. وبعد يومين أو ثلاثة ينعى المثقف فقيده بعبارة موجزة تستقطب كماً هائلاً من الإعجابات وعبارات النعي، وبعد ستة أيام يتوجه بالشكر والتقدير لمن تفضلوا بتعزيته، وبعد شهر ينشر نصاً مطوّلاً يفيض بالرثاء الشفّاف لمن فقد! ولعل أطرف ما يمكن سوقه من مستجدات الواقع الموازي، يتمثّل في اتجاه التيارات الانتخابية المتنافسة في الهيئات الثقافية العربية للتسابق إلى نعي المثقفين وأقاربهم، نظراً لعدم وجود برامج ثقافية انتخابية حقيقية لدى هذه التيارات!

بلغ الولع بمدح الموت والميتين حدّ أن بعضهم لم يدّخروا وسعاً لأسطرة شخصيات كانت ترتاد الندوات الثقافية على خجل

وفي كل الأحوال يصعب أن نمنع أنفسنا من التساؤل عن أسباب استغراق المثقف العربي في استمراء الاستثمار في الموت، وعن الأسباب التي تدفعه إلى الظهور بكل هذه الشفافية والرقّة أمامه، مقارنة بكل هذه الخشونة التي يبديها لمواجهة الحياة؟! فهل (طبّعت) وسائل الإعلام – وخاصة المحطّات الفضائيّة- مشهد الموت حتى صار سيّد الذاكرة والمخيّلة العربية؟ أم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أخرجت لذّة الاستمتاع المرضي بعرض صور القتلى والراحلين من حيز اللاوعي إلى حيّز الوعي الاستعراضي، لقاء حفنة من الإعجابات والتعليقات؟ أم أنّ الإنسان العربي يتعرّض لانتكاسة شعورية تجعله مسكوناً بالرثاء والذهنية الرثائية؟ لقد بلغ الولع بمدح الموت والميتين حدّ أن بعض المثقفين العرب، لم يدّخروا وسعاً لأسطرة شخصيات بعض البسطاء الذين كانوا يرتادون الندوات الثقافية على خجل، ولم يحظوا بأي انتباه أو رعاية من أحد وهم على قيد الحياة، فلما التحقوا بالرفيق الأعلى، إذا بهؤلاء المثقفين يقيمون لهم نصباً وتماثيل توحي بأنّهم الضمير النابض للمشهد الثقافي! وما درى هؤلاء المثقفون أنّهم لم يمدحوا الراحلين بقدر رغبتهم في استعراض مهاراتهم في الرثاء والتأبين... إنّ الأموات عندهم ليسوا أكثر من موضوعات ومشاجب ليس إلا!

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة