حوارات وتحليلات

إعادة إحياء مشروع استعماري قديم..

تحليل: لماذا قرر "الأفريقي" تشكيل قوة مكافحة الإرهاب بالساحل

الوقت الجمعة 20 مارس 2020 1:06 م
تحليل: لماذا قرر "الأفريقي" تشكيل قوة مكافحة الإرهاب بالساحل

اليوم الثامن قرر الاتحاد الأفريقي أخيراً أن ينزل بكل ثقله في قضية مكافحة الإرهاب بالساحل

قرر الاتحاد الأفريقي أخيراً أن ينزل بكل ثقله في قضية مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل؛ حيث أعلن عزمه إرسال قوة عسكرية تتكون من ثلاثة آلاف جندي خلال العام الحالي، لتعزيز القوات العسكرية التابعة لمجموعة الدول الخمس.


القرار تم اتخاذه أثناء قمة الاتحاد في الشهر الماضي، لكنه بقي سراً إلى أن تم الكشف عنه يوم الخميس الماضي، وهو يشكل رسالة عسكرية وسياسية في وقت واحد؛ إذ يبدو أنّ الاتحاد الأفريقي بات يدرك أهمية انخراطه في مسلسل القضاء على الإرهاب في القارة الأفريقية عموماً، وفي منطقة الساحل بوجه خاص، بعد أعوام من التدخل الأمريكي والأوروبي الذي لم يؤدِّ إلى نتائج، بقدر ما زاد في تأجيج الصراع الداخلي؛ حيث تستغل الجماعات المتطرفة حضور القوات الأجنبية الأوروبية والأمريكية لتقوية صفها وشحذ خطابها التكفيري؛ إذ تعتبر ذلك التدخل إعادة إحياء للمشروع الاستعماري القديم، وهو ما يعوق المخططات الأوروبية والأمريكية للحد من العنف المسلّح في القارة.

قرر الاتحاد الأفريقي أخيراً أن ينزل بكل ثقله في قضية مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل

يأتي القرار الأفريقي في الوقت الذي تمر فيه مجموعة الدول الخمس (موريتانيا، مالي، النيجر، بوركينا فاسو والتشاد) المتمركزة في العاصمة الموريتانية نواكشوط، بأزمة خانقة نتيجة غياب الإمكانيات اللوجستية والمالية.
القوة منذ إنشائها العام 2015 بإيعاز من فرنسا والاتحاد الأوروبي لتكون بمثابة الجبهة الأمامية لمواجهة الإرهاب في الساحل، ظلت تعمل بإمكانيات جد ضعيفة، لكن تحت مظلة القوات الفرنسية التي يقدر عددها بنحو 4500 جندي في إطار عملية "بارخان"، متواجدة في شمال مالي منذ العام 2012 حينما حاولت الجماعات الجهادية المسلحة، التي كانت قد سيطرت على جنوب مالي، دخول العاصمة باماكو في الشمال، ما دفع فرنسا إلى التدخل.
وفي العام 2017 سعت البلدان الخمس إلى الرفع من سقف التنسيق العسكري بينها، بحيث تم تشكيل قوة عسكرية مشتركة تتكون من 5000 جندي لملاحقة الإرهابيين الذين يتحركون على الحدود المشتركة بين البلدان الخمس، بحيث تصبح بمثابة تعويض القوات الفرنسية والأمريكية.


وأعلنت باريس، التي تقوم بدور الوساطة بين مجموعة الخمس والاتحاد الأوروبي لجلب الدعم للقوة العسكرية المشتركة، أنّ هذه الأخيرة ستشكل بديلاً للقوات الفرنسية التي لا يمكن أن تبقى في المنطقة لوقت أطول.
بيد أنّ هذه القوة العسكرية للبلدان الخمس ظلت حبراً على ورق، بالنظر إلى افتقادها للدعم المالي واللوجستي، وكانت فرنسا وبعض البلدان الأوروبية قد تعهدت خلال العام الماضي، في قمة باريس، بتقديم الدعم، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل.


وينظر عدد من المراقبين إلى قرار الاتحاد الأفريقي الأخير، بإرسال قوات عسكرية إلى الساحل، بوصفه تحولاً جديداً في استراتيجية الاتحاد حيال الظاهرة الإرهابية التي تنخر القارة، وتهدد فرص الاستقرار وإمكانيات التنمية، في بلدان تعاني الفقر والهشاشة لكن الإرهاب لا يدع لها مجالاً للتطوير.
فطوال الأعوام الماضية أعطى الاتحاد الأفريقي انطباعات سلبية إلى الأفارقة بانسحابه من التدخل المباشر في مواجهة التهديدات الأمنية، والاكتفاء بالجانب التشريعي المتمثل في وضع التشريعات لمكافحة الإرهاب، تاركاً مجال التدخل لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.


وبينما يرى عدد من المسؤولين الأفارقة أنّ الاتحاد يتحمل المسؤولية الأولى فيما آلت إليه الأوضاع الأمنية في القارة الإفريقية، يرى آخرون أنّ أصل المشكلة يوجد في غياب الإمكانيات وفي ازدواجية الخطاب الأوروبي الذي يوزع الوعود والإشارات، لكن دون نتائج ملموسة على الأرض. 

القوة العسكرية الأفريقية ظلت حبراً على ورق بالنظر إلى افتقادها للدعم المالي واللوجستي

والواقع أنّ بلدان الاتحاد الأفريقي تواجه تحديات عدة على أكثر من صعيد، في طموحها الجديد للانخراط العملي والجدي في مواجهة آفة الإرهاب، ذلك أنّ المسألة ليست مسألة إعلان نوايا، بل قرار سياسي يعكس السيادة الأفريقية وقدرة الاتحاد على أن يتحول إلى اللاعب الأول في القضايا التي تهم القارة الأفريقية. ففرنسا، التي هي البلد الأوروبي الذي استعمر عدداً من دول القارة خلال النصف الأول من القرن الماضي وإلى حدود الربع الأخير من القرن، لا تريد أي تكتل إقليمي قوي من شأنه أن يزيحها من الطريق وأن يصبح المخاطب الشرعي الوحيد للأفارقة، وهي تنظر إلى تقوية نفوذ الاتحاد الأفريقي باعتباره محاولة جديدة لإعادة بعث النزعة الأفريقية إبان الخمسينيات والستينيات، ورفع شعار "أفريقيا للأفارقة"، وهي النزعة التي ارتبطت بما يسمى "جيل الآباء" من أمثال؛ جوليوس نيريري وأحمد سيكوتوري وكوامي نكروما وتوماس سانكارا، ولعل هذه المخاوف هي التي دفعت فرنسا إلى أن تقترح العام 2015 إنشاء قوة عسكرية خماسية، بدلاً من تشجيع الاتحاد الأفريقي ليلعب ذلك الدور.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة