تحليلات
النمو والتحسن..
الصين تقتل الهيمنة الأميركية على البحار
أميركا ليس بوسعها التخلي عن البحار
تبين تواريخ أثينا وفينيسيا وإسبانيا وهولندا وإنكلترا أن فقدان السيطرة على البحار يؤدي بالضرورة إلى فقدان القوة العظمى وانهيار الإمبراطوريات. ويلخص الأميرال الأميركي ألفريد ماهان (1840 - 1914)، أهمية السيطرة على البحار بقوله إن “القوة البحرية هي في صلب ودعامة القوة الاستراتيجية العالمية؛ ومن يسيطر على البحار يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة يكون الأقوى”.
وعلى مدى عقود طويلة، نجحت الولايات المتحدة الأميركية في أن تكون القوة العظمى على مستوى السيطرة على البحار. لكن خبراء ومراقبين أميركيين يرون أن هذه السيطرة مهددة اليوم في ظل سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويطرح الكاتب الأميركي سيث كروسبي، وهو من المحافظين الجدد، هذه الإشكالية، في تقرير نشرته مؤخرا صحيفة وول ستريت جورنال، أشار فيه إلى أن النزاع الإقليمي المتصاعد في المحيط الهادئ بين الصين وحلفاء الولايات المتحدة يخلق أمسّ الحاجة للقوة البحرية الأميركية.
لكن مع قيام الصين بتوسيع وتعصير بحريتها بشكل سريع، لم تقترح إدارة ترامب ما يكفي من الأموال للحفاظ على الأسبقية الأميركية في مجال البحار، ما يعني المخاطرة بالتخلي عن المصالح الرئيسية للولايات المتحدة وحلفائها.
وأمّنت القوة البحرية الأميركية المحيط الهادئ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مما ضمن تجارة آمنة ومفتوحة وفي الوقت نفسه نزع فتيل الصراعات في كافة أرجاء المنطقة. والحفاظ على قوة بحرية كبيرة لهذه الأغراض هي بالكاد اختراع أميركي حيث لم يسبق أن حافظت دولة عظمى أو إمبراطورية على مكانتها دون قوة بحرية متميزة.
وفي هذه الأيام، وربما في المستقبل، يمثل النمو والتحسن السريعين للقوات البحرية الصينية التحدي الأكبر أمام الهيمنة الأميركية في البحار. وفي سنة 2015 صرح الكابتن المتقاعد جيمس فانل، المدير السابق للاستخبارات لفائدة أسطول المحيط الهادي الأميركي، بأن الأسطول القتالي الصيني سيصل إلى 415 سفينة في سنة 2030.
وتركز بكين بصفة خاصة على إضافة الغواصات والمراكب البرمائية والمقاتلات السطحية الصغيرة. وتبرهن عملية بناء هذه القوة على نية الصين الواضحة لبسط هيمنتها على المناطق الساحلية والعمليات البرمائية، وهي مجالات تملك الولايات المتحدة تفوقا فيها اليوم.
ويستحضر سيث كروسبي، إفادة الأدميرال فيل دافيدسون، الذي عين قائدا للقيادة الأميركية في المحيط الهادي أمام مجلس الشيوخ، التي قال فيها “لم تعد الصين قوة صاعدة بل قوة عظمى فعلية ومنافسا ندا”.
وأضاف “مرت الصين بعملية تحديث عسكرية وهي تقترب من الندية في عدد من المجالات الحاسمة، وليست هناك أي ضمانة بأن تربح الولايات المتحدة حربا مع الصين في المستقبل”.
اقترح البيت الأبيض توسيع البحرية الأميركية لتصل 355 إلى سفينة لكن خطته شديدة البطء وتشكو من نقص في التمويل. ولن يكتمل الأسطول حتى سنة 2050 في الحد الأدنى.
وبالرغم من أن ترامب يقترح تخصيص 20 مليار دولار لبناء سفن جديدة في سنة 2019، ومبلغا مساويا تقريبا من حيث الدولارات الثابتة في كل خمس سنوات مستقبلا، يقدر مكتب الميزانيات البرلماني بأن المشروع يتطلب 6.6 مليار دولار إضافية في السنة على مدى الثلاثين سنة القادمة.
وذكر موقع “ديفانس نيوز” أن القوات البحرية الأميركية ستضعف بشكل ملحوظ بحلول عام 2020، لأن أكثر من ثلث السفن لديها ستنتهي حياتها. وقال المحلل العسكري براين ماكغراتا “هذا دليل على المشاكل في الميزانية البحرية. من الضروري وضع برنامج للتحديث والصيانة والاقتناء وغيرها، يتوجب على البحرية دفع تكاليفه”.
ودون زيادة في التمويل، يؤكد سيث كروسبي أن الأسطول سيكون أصغر خلال ثلاثة عقود مقارنة بحجمه الحالي، ويمكن للبحرية الصينية أن تتجاوزه بحلول سنة 2030. وسيرى الأميركيون سريعا نتائج التخلي عن القوة في المحيط الهادي ومن ذلك أن القوة البحرية المتنامية للصين قد تهدف قريبا إلى التحكم في الحركة حول أول سلسلة جزر في شرق بحر الصين الذي يمتد من اليابان إلى الفلبين.
وإذا كسبت بكين السيطرة على المنطقة يمكنها عرقلة التنسيق الأميركي مع حلفائها وإثارة الشكوك في المظلة الأمنية الأميركية. وسيجد البيت الأبيض المزيد من الصعوبات في منع الأزمات البعيدة من التصعيد لتصبح تهديدات مباشرة. وستصبح الصين فجأة الشريك الأكثر إغراء في ما يخص التجارة والأمن. وسيتم استبدال النظام البحري الدولي (الذي نص لوقت طويل بأن بحر الصين الشرقي والجنوبي هي مياه دولية) بنظام إقليمي يقوم على “خصائص صينية”.
ويحذر كروسبي من أن الصراع قد يأتي في وقت أقرب مما يتخيله أغلب الأميركيين، ففي شهر مايو وحده وردت أخبار بأن الصين وضعت صواريخ كروز مضادة للسفن وصواريخ أرض جو على ثلاث جزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي. ومؤخرا قالت الولايات المتحدة إن الطيارين العسكريين الأميركيين في جيبوتي تعرضوا لضربات ليزرية أطلقت من قاعدة صينية جديدة.
وقام البنتاغون بإجراءات دبلوماسية ليطلب من الصين التحقيق في الحادث، لكن الدبلوماسية لوحدها لا تكفي في اللعبة التي تلعبها بكين، وإلى حد الآن تميزت الخطط الأميركية للارتقاء بالأسطول الحربي الأميركي بالخجل، وفق وصف كروسبي، الذي يخلص بأنه حتى تبقى الولايات المتحدة القوة البحرية المهيمنة في العالم يجب تدريب القوة البحرية وتجهيزها وممارستها، وعلى هذا يرتكز مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى.