تحليلات
"العشق فضيلةٌ نفسانية"..
الشهاوي يواصل تجليات العشق في كن عاشقا
الشاعر أحمد الشهاوي
حفلت واحتفت تجربة الشاعر أحمد الشهاوي منذ اطلاقه أولى دواوينه "ركعتان للعشق" عام 1988 بالعشق على اختلاف تجلياته ومساراته الروحية والجسدية، فلم تخل دواوينه التالية والتي بلغت عشرة دواوين حتى الآن من رؤى وصور العشق، بل قدم في السياق ذاته ما أطلق عليه "أدب العشق" ستة أعمال "كتاب العاشق"، و"أحوال العاشق"، "الوصايا في عشق النساء" في جزئين، و"أنا من أهوى"، وأخيرا "كن عاشقا" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية كأغلب أعماله. وقد انعكست هذه التجربة الوجدانية الشفيفة على المفردة والجملة والصورة الشعرية والنثرية، فتعمقت واتسعت دلالاتها لتشكل فلسفة خاصة بالشاعر في رؤيته للحياة والكون والإنسان، وهو ما شكل فرادة لتجربته في سياق التجربة الشعرية.
حول العشق واختيار الشهاوي له طريقا يقول "رأيتُ "العشق فضيلةٌ نفسانية"، والحُبَّ مختفيًا محرُوقًا لا رمادَ له، هاربًا ضائعًا غريبًا بين الناس كتابةً ومُمارسةً وسلوكًا، ونحن - في الأصل ـ أُمَّةُ عشقٍ.
المحبَّة بين رجلٍ وامرأة لا تحتاج إلى واسطة، حيث القلبان هما اللذان يأتلفان ويتحدان، وأيضًا في الحُب الإلهي لا يحتاج العبد واسطةً مع رب السموات والأرض.
البوْس كما نعرف، هو الباب، القِبلة لقلب المرأة، ومن بعد ذلك جسدها، وهي القُبلة التي يمكن أن نسميها قُبلة الروح بين العاشق والمعشوق، حيث يمنحُ كلٌّ منهما روحه للآخر غير منقوصةٍ، في عملية وصلٍ وامتزاجٍ واتحادٍ واتصالٍ لا نهائيّ.
ويضيف "البيوت لا تتأسَّس، ولا تقوى أعمدتها على الحمل والتحمُّل إلا بالحُب، وإذا خربت النفوس، وقحلت القلوب وتكسَّرت، فلا يمكن أن نكون بشرًا أسوياء.
الحُب يحوِّل الإنسان من جبانٍ إلى شجاع، ومن بخيلٍ إلى كريمٍ سخي، ومن غليظ الطبع إلى ظريفٍ باسمٍ ضاحكٍ، ومن جاهلٍ إلى متسامٍ مدْرِك وعارف طبائع النفوس، ويجعل الغافل فطنًا، والغبي ذكيًّا، والعشق يجدِّد الحياة، ويجلو العقل ويهذبه، ويحسن الخلق، ويصفي الذهن والفهم، ويبعث على السُّرور، والسعادة، ورضا النفس، والرحمة، ويحمل الإنسان إلى مرتبة النقاء، ومقام الصفاء والألفة.
ونحن نعيش بالحُب، ولا نتحلَّى به أو نتزيَّن، ونجعله شارةً فوق رؤوسنا للمُباهاة والامتياز عن أقراننا، نزيد به وصلنا، كي يزداد اتصالنا بالمحبُوب، بلا مُفارقة، أو مُباعدة، أو نأي، أو ملل، أو سأم.
الحُب هو الأوَّل والأنجع لمداواة النفوس من أكدارها، وأمراضها، وهواجسها، وشكوكها، وآلامها، ووساوسها.
ويرى الشهاوي أن عشق المرأة لا يعرفه إلا أرباب البصيرة، بينما أرباب البصر ـ فقط ـ فهم يحسنون النظر إلى جسدها، وحسنها، وزينتها، وهذا البصر لا أنفيه عن أهل البصيرة، ولكنني أردت أن أؤكد أهمية البصيرة أولا عند النظر إلى المرأة، ومن بعدها البصر. فإذا كانت البصيرة فريضة، فإن البصر نافلة. لأنها تكشف وتبصر ما هو محتجب، ولا يدرك ذلك إلا العارفون.
ويضيف أن العشقُ الذي يتربَّى في حاضنةِ القلب اختيارٌ لا اضطرار، لأن أساسه الدهشة والمتعة والسؤال، إذ يرتقي بالحياة، ويجعل المرء مقبلا عليها، راغبا فيها أكثر من أي وقتٍ مضى عليه، أو مرَّ به، أو عاش في ظلاله.
ومن دخلَ العشقَ ـ الذي هو شريعةٌ من شرائع الوجود - شفقةً أو مُجاملةً أو منفعةً أو مصلحةً، أو لغايةٍ من الغايات فشل، وخسر نفسه، هذا إذا كانت له نفسٌ من الأصل.
ويؤكد الشهاوي "أنا من الذين يدْعُون إلى العشق ويرَغِّبُون فيه؛ لأنه يجعلك تكشف أصل الأشياء بسهولةٍ ويسر، ودون تعقيداتٍ، ليس لأنني خبرتُه، أو خبيرٌ به، بل لأنني أدرك ماذا يفعل في النفوس التي تفتح أبوابها له، والنفس العاشقة عندي هي نفسٌ قدسيةٌ، تصل بصاحبها إلى مرتبة "الإنسان الكامل"، حيث يصدر عنها نورٌ خاصٌّ ساطعٌ ظاهريًّا وباطنيًّا، يتصل بجواهرها.
عندما تتعارفُ رُوحان، وتأتلفان وتأتلقان، يذهب بدنُ العاشق نحو بدن المعشوق؛ لأنه وقع اتفاقٌ، ولم يحدث تنافرٌ أو تناكرٌ أو اختلافٌ؛ حيث إن الإنسان في الأساس مُكوَّن من روحٍ وبدنٍ، وعنما تظهر إشارةُ الاتحاد بين العاشق والمعشُوق، يفرح البدن ـ الجسد، ويبدأ هو الآخر في طلب الامتزاج والحلُول، والدخُول إلى الفردوس، حيث تكون الأبدية بلا مُفارقة، وحيث يكون صوْن الحُب من التعدُّد والتغيير؛ بغية البقاء والخلود والديمُومة، والإيمان بامرأةٍ واحدةٍ حتى أو حد الموت، اعتمادًا على ربَّانية جوهر الإنسان، ذلك المخلوق من نفَس الرحمن.
الحب أسمى حضارة بين البشر، وأرقى فضيلة على الأرض، من قبل أن تنزل الديانات السماوية، ومن يتبع قلبه ينهض ويتقدم.
ويشدد الشهاوي على أن "الحُب هو الباب الأول والأساسي للدخول إلى كل شئ وأي شئ، وتزداد حماستي شخصيًّا وموضوعيًّا يومًا بعد يومٍ في الكتابة عن وفي وحول الحُب شعرًا ونثرًا، للوصول إلى الارتقاء والتسامي بالذات، والذهاب نحو النور الكامن في النفوس، وغسل الروح من أدرانها، وعلاجها من أمراضها المتوطنة والمزمنة، والقضاء عليها نهائيًّا بدواء الحُب، بحيث يكون هذا الحُب دون غرضٍ أو غايةٍ سوى الحُب للحُب.
الحُب في الأصل انحيازٌ تام، لا يمكنُ إمساكُ العصا فيه من المُنتصف، أو الترضية، أو المُجاملة، أو تسديد ديْنٍ أخلاقيٍّ أو اجتماعيٍّ أو أُسريٍّ، أو مُمارسة شفقة، أو توجيه شكر، أو صدقة جارية، أو واجب نفسي، أو رغبة في المُجامعة سرعان ما ستنتهي، أو نزوة حيال جسدٍ فاتنٍ باذخٍ سرعان ما سيتغيَّر ويتحوَّل ويذبُل، كأيِّ كائنٍ حيٍّ له دورة حياةٍ معروفة ومُتَوقَّعة.
ويضيف "إن لم تكن عائشًا في العشق الذي أقيمت لأجله المعابد، وتمت التضحية بأي عرشٍ؛ كي يحيا العشق، ويصير مضربًا للأمثال، ومحمُولا على التلاقي والتطابق والتوافق والتواؤم والتآلف، فأنت لا تحيا حياةً طبيعيةً، ولديك من المشكلات والأزمات ما يملأ محيطًا وبحريْن، وأنت بدون العشق ناقصٌ ومعتلٌّ ومحذُوفٌ من جُملة الحياة الاسمية أو الفعلية أو حتى شبه الجملة، ومجرورٌ من رقبتك لتسكن النسيان، ومريضٌ فارقه نبضُ قلبه؛ بينما في العشق يعيش المرء طويلا، حيث يتحصَّن بالأحلام والأمل والتوهج.
ويوضح الشهاوي "في الحُب إنْ لم يكن هناك ذكاءٌ، وتوقدُ ذهنٍ؛ فمن المؤكد أن الغباء يقصم ظهر العلاقة العشقية، ويطوى صفحة أرضها، ويجعلها مُعلقةً على حبل ذائبٍ تحته نارٌ مشتعلة، تنتظر رمادها يدُ الضياع، ومن ثم لا يصل إلى مرتبة الولع بتفاصيل من يعشق، مباهيا ذاته بأنه العاشق، أو بأنها المعشوق.
كلما زاد حظْر التعبير عن التجلِّي العشقي، قلَّت المُتعة المقدسة، ونقص الفرح بالحُب؛ لأنَّ الحُب يحتاج إلى نور القمر الذي لا يحجب فيوضات النفس، وإشراقات الذات، وتجليات الرُّوح، إذ يحدث الاتحاد بين المُحب والمحبُوب ما دام هناك سعي متواصلٌ، وحركية دائمة نحو التحقُّق المُرْضي عن قناعةٍ وإيمانٍ، حيث يطِلُّ القلب على ساحل النور مُغتسلا في ماء الوضُوح، وتشرق شمس النفس من جهة روح صاحبها، الملآن الذي لا يحبُّ الأفُول مهما تكُن المغريات؛ فالعشق لا يعرف الظلَّ أو الستر، وأي خفاءٍ في مُمارسته لا يمنح المُحب ذا الطبع الناري أو المحبوب ذا الطبع المائي العلو والعُروج. وتكف السماء عن إنزال مطرها على الأرض.
ويلفت الشهاوي إلى أنه "في العشق مغالبةٌ للعزلة، وانتصارٌ على الوحشة، ودحْرٌ للملل والكسل والاكتئاب والقلق والأرق وصعوبة النوم، والنظر إلى الماضي البعيد، والبكاء على مشاعر سكب لبنها على أرض المغامرات والتجارب المتنوعة أو المتعددة، وإبعاد لأي كبتٍ جنسيٍّ يمكن أن يصيب الإنسان خصوصًا المرأة، التي لا يجوز تكبيلُ قدميها، أو قمعُها؛ كي لا تنطلق دون مواربةٍ أو مداراةٍ للتعبير عن العشق، حيث إنه لا يوجد حُب من دون حريةٍ، لتمنح المرأة أسلوبًا أو أساليب متنوعة للتعبير عن الحُب بطرائق شتَّى، وكل استلابٍ لحرية المرأة هو انتقاصٌ من تمام العشق واكتماله، ما يعني أننا أمام حال لا ذروة فيها ولا وصول. لأنَّ الحرية تعني الوصل، بينما الأسر يعني تلبية الغريزة أو إفراغ طاقة جنسية زائدة.
ويشير الشهاوي إلى أن كثيرا منا يعيش ولا يعرف ما الحُب، ولا ما هي مكانته، مع أننا لو أدركنا جوهر الحُب لأقمنا في تمجيده " المعابد والهياكل " مثلما كان الأمر مُتعارفًا عليه وموجُودًا في الحضارات القديمة التي قدَّست المرأة، ومجَّدت الحُب.
لأن الحُب يجعل الإنسان في حال من الترفُّع والاستغناء والاكتفاء والامتلاء والتحقُّق والسُّمو والعُلو، إذْ هو في مقام النقاء حيث لا شوائب تعلق بجمال النفس، ومن ثم يعيش التمتُّع واللذة، والعشق الحق لا يعرف التغيُّر أو التحوُّل، ولا يفنى إلا بالموت؛ لأنه خالٍ من الأسباب والأغراض.
لا يمكن لمحبة أن تصح على البعد والصمت والمجافاة والتناسي، فالإنسان لا ينجذب إلا لمن يعرف ويرى ويرتاح ويُعاين ويلمَس ويحس ويحقِّق الوصْل معه، بحيث تكون هناك موافقة في الطبائع، ومن ثم يحدث الكمال في الحُب، ويصير في تمامه.
ويقول "يميلُ قلب المرء إلى من يرعاه نفسيًّا، ويحرِّره عشقيًّا من قيوده، ويعتني به عاطفيًّا، ويهتم بتفاصيل شؤونه، تمامًا كالوليد الذي يذهب نحو أمِّه دون أن يدرك الكثير من الأمور، لكنَّه يوقن أنها تشمله بحبِّها كاملا لا نقصانَ فيه، إضافةً إلى المُلاعبة والمُلاطفة، ومن هنا يتولَّد الحُب ويعمُق ويتعملق ولا يعتريه ذبُول التبدُّل، ولا يصيبه عطبُ التغيُّر. ولعل الحُبَّ هو الشئ الوحيد في الحياة الذي يقوى بالغُلو والإسراف، مقارنةً بمفردات الإنسان الأخرى، إذ يأتي الحُب في أولها.
ولو كان الحُب متمكِّنًا من رُوح المرء فإنه لا يعرف الفُقدان أو الخُسران، ولا يدركه تلفٌ من أي نوع، ولست ممن يؤمنون بأن الحب يحمل داخله بذرة الكره، لأن من يحب لا يكره، لكنه يرحل في صمتٍ مع كثيرٍ من العتاب للآخر، والندم للذات على ما قدمت يداها وفعلت.
لكن يمكن للكُره أن يحمل بذرة الحُب، ونحن نقول في المثل الشعبي المصري: (ما محبة إلا بعد عداوة).
والحُب الذي أقصده ليس هو الإعجاب العارض أو الطارئ أو المؤقَّت، وليس هو الرغبة الجنسية التي إذا تحقَّقت لا تشبع الرغبة النفسية؛ لأنه صلة مؤقَّتة لا دوامَ فيها، كما أنها ليست وصْلا لا ينقطع، فلا يملأ النفس ويقنعها سوى الحُب، وشتَّان بين المقيم والعابر.
ويختم الشهاوي أن المرء يستطيع بحسِّه وفطرته أن يدرك حال الآخر الذي يرتبط به قلبيًّا، هل هو في حُبٍّ مقيمٍ أم عارضٍ، ولا يحتاج الأمر إلى جهدٍ مُضَاعفٍ ليعرفَ ذلك، لأن إدراك ذلك من أعمال النفس، كما أن العقل يشتغل ليجمع الشواهد ويُحلِّلها، بعد أن تكون النفس قد أدركت أنها لم تعُد في مجرَّة الآخر الذي فارقها حتى لو كان يقول غير ذلك، ويمكن لذلك الآخر الذي يستمسك بك شفهيًّا فقط، كنوع من الاستحواذ والاحتفاظ بك، من باب الوفاء الخَجِل أو من أشياء الماضي، كأنما قد تأصَّلتْ فيه غريزة الاقتناء.