تحليلات
إعداد قانون إطار خاص بالضرائب ابتداءً من السنة المقبلة..
هل تنجح مناظرات الجبايات في إحقاق العدالة للمغاربة؟
مناظرة ثانية سنة 2013، يعود المغرب هذه السنة لتنظيم مناظرة ثالثة لفتح نقاش واسع حول الإصلاح الضريبي
بعد أول مناظرة وطنية حول الجبايات سنة 1999، ومناظرة ثانية سنة 2013، يعود المغرب هذه السنة لتنظيم مناظرة ثالثة لفتح نقاش واسع حول الإصلاح الضريبي، تراهن الحكومة من خلالها على إعداد قانون إطار خاص بالضرائب لتطبيقه ابتداءً من السنة المقبلة.
وترافق المناظرة الثالثة، التي تعقد طيلة يومين من هذا الأسبوع، أسئلة حول حصيلة مرور عشرين سنة عن انطلاق نقاش إصلاح النظام الضريبي، وما إذا كانت توصيات المناظرتين السابقتين قد طبقت على أرض الواقع وبشكل عادل على الجميع.
وإذا كانت السنوات الماضية قد عرفت إقرار عدد من الإجراءات في هذا الصدد، إلا أن إجراءات أخرى لم تطبق، وبات العبء الضريبي يثقل كاهل المستهلكين والأسر، ولا يساهم في النمو كما هو مرجو.
ويبقى رهان كل دولة من تطوير نظامها الجبائي هو توسيع وعائها الضريبي وتمكنيها من موارد مالية كافية لتقوم بدورها وتوفير بيئة مواتية للاستثمار الخاص وخلق فرص شغل كافية لتحقيق النمو، لكن ذلك يصطدم في المغرب بمعيقات هيكلية مرتبطة بالبنية المقاولاتية الضعيفة التي تؤثر على موارد الجبايات.
والتحليل الدقيق للنظام الجبائي الحالي يكشف استمرار مظاهر ضعف المردودية واللامساواة، وهو ما يحول دون التحفيز على الاستثمار وإعادة توزيع أمثل لمخرجات عملية الإنتاج، وبالتالي عدم معالجة معضلة عطالة الشباب والخريجين، وتفاقم أشكال التفاوت الاجتماعي والمجالي في المملكة.
وفي نظر ادريس الفينا، أستاذ الاقتصاد بالمعهد العالي للإحصاء والاقتصاد التطبيقي بالرباط، فإن المناظرات التي تنظم عادة لا تكون منتجة لأنها تكون عبارة عن كلمات افتتاحية عامة غير دقيقة.
وأشار الفينا إلى أن مثل هذه اللقاءات المرتبطة بالشأن العام يجب أن تشتغل بلجان علمية تقدم أوراقاً وتقارير توزع قبل المناظرة من أجل مناقشتها وتحليلها.
ما الذي يجعل القاعدة الضريبية ضعيفة في المغرب؟ يجيب الفينا بأن "الأمر مرتبط بضعف النسيج المقاولاتي، وهو ما ينتج بشكل مباشر منتوجاً ضريبياً ضعيفاً، وما يؤكد ذلك أن أكبر مقاولة في المغرب، وهي المجمع الشريف للفوسفاط، تحقق 50 مليار درهم سنوياً، في حين إن أكبر مقاولة في كوريا تحقق 200 مليار دولار، أي ما يعادل ضعف الناتج الداخلي الخام للمغرب".
وأكد الخبير الاقتصادي، في حديث لـ"هسبريس"، أن الإشكال المطروح حالياً في المغرب في ارتباط بالإصلاح الضريبي يتعلق بالاستثمار الضعيف، موردا ان "المشكل الأساسي هو أن اللاعب الأول في الاستثمار هو الدولة بمبلغ يناهز 190 مليار درهم سنوياً، وهو أكثر من نصف حجم الاستثمار الإجمالي".
وأشار الفينا إلى أن الاستثمار الأجنبي في المملكة متوقف منذ سنوات في حدود 3 ملايير دولار، كما أن استثمار القطاع الخاص المغربي ضعيف جداً ولا يتعدى 25 في المائة، وقال إن السؤال الذي يجب أن يُطرح في هذا الصدد هو كيفية رفع هذه النسبة إلى 50 أو 60 في المائة.
واعتبر الفينا أن ضُعف استثمار القطاع الخاص في المغرب هو الإشكال الجوهري، وهو ما يمكن حله ضريبياً، إضافة إلى تحسين مناخ الاستثمار وجعل المغاربة يثقون في الاستثمار في بلادهم قبل المستثمرين الأجانب. وأورد أنه رغم تحَسَّن ترتيب المغرب في مؤشر مناخ الأعمال الصادر سنوياً عن البنك الدولي، إلا أن ذلك لم ينعكس على حجم الاستثمار على أرض الواقع.
ويرى المتحدث أن المغرب مطالب بتشجيع الاستثمار الخاص، لكنه أكد أن "ذلك لن يتم ما دامت البلاد تعرف عدم الاستقرار الضريبي والضغط الممارس على قطاعات ضعيفة وهشة، وهو ما ينتج ترهيباً للرأسمال الخاص وتجزيئاً للاستثمار الكبير للتهرب من العبء الضريبي".