تقارير

إيران تستنفر والمقاومة تتحدى..

وحدات المقاومة تنفذ 30 عملية في طهران و14 مدينة بالتزامن مع تشييع خامنئي

​30 عملية لكسر أجواء الكبت في طهران و14 مدينة أخرى في ذكرى انتفاضة مشهد بالتزامن مع استعراض جثة خامنئي

نفذت وحدات المقاومة الإيرانية، الاثنين، ثلاثين عملية في طهران و14 مدينة أخرى، بالتزامن مع الاستعراض الحكومي لتشييع جثة المرشد الإيراني علي خامنئي، في تحرك أرادت من خلاله كسر القبضة الأمنية وإعادة التذكير بأن الشارع الإيراني لم يدخل طور الاستسلام، رغم القمع المكثف الذي فرضه النظام في أعقاب التطورات السياسية والأمنية الأخيرة.

وبحسب المعطيات المعلنة، جاءت هذه العمليات في ذروة التأهب الأمني الذي فرضته أجهزة النظام في ذكرى انتفاضة مشهد عام 1992، وهي ذكرى لا تزال تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الإيرانية المعارضة، بعدما واجه النظام حينها احتجاجات واسعة بسياسة قمع دموي، وصدرت عن خامنئي نفسه أوامر وتعابير تكشف طبيعة المقاربة التي حكمت علاقة الجمهورية الإسلامية بمواطنيها المحتجين منذ وقت مبكر. ففي ذلك الوقت، وصف خامنئي المحتجين بـ"الأوباش"، ودعا إلى اقتلاعهم ورميهم "مثل الأعشاب الضارة"، وهي اللغة التي لم تكن مجرد انفعال سياسي، بل تلخيصاً مبكراً لعقيدة أمنية تعتبر الاحتجاج شبهة تستحق الاستئصال لا المطالبة بالإصلاح.

العمليات التي أعلنتها وحدات المقاومة لم تكن، من حيث الشكل، أعمالاً عسكرية واسعة أو هجمات تستهدف بنى صلبة للنظام، بل تحركات رمزية ومدروسة استهدفت صوراً ولافتات وشعارات تمثل مركز الشرعية الأيديولوجية للنظام ورموزه الأشد التصاقاً بآلة القمع. لكن في الحالة الإيرانية، لا يمكن التقليل من قيمة هذا النوع من العمليات. فالصراع في إيران لا يدور فقط على السلطة المباشرة، بل أيضاً على احتكار الفضاء العام، وعلى من يملك حق رفع صورته في الشارع ومن يفرض لغته على الجدران والميادين والذاكرة الجماعية. ولهذا فإن إحراق صور خامنئي ومجتبى خامنئي، وإحراق شعارات الحرس الثوري، ورفع شعارات مناهضة لولاية الفقيه، ليست مجرد أعمال احتجاجية عابرة، بل رسالة سياسية في قلب معركة السيادة على المجال الرمزي.

توزعت العمليات، وفق البيان، بين طهران ومشهد وأصفهان ونجف آباد وزاهدان وكرمانشاه وشهركرد وأردبيل وبيرجند وفسا ودهلران وأزنا ومدن أخرى، ما يمنحها دلالة تتجاوز الحدث المحلي أو الجيب المعزول. فالنظام الإيراني طالما راهن على أن القبضة الأمنية، مع الإعدامات والاعتقالات والملاحقات، قادرة على تجزئة الغضب وتحويله إلى ردود فعل فردية صامتة. لكن اتساع الرقعة الجغرافية للعمليات يوحي بأن فكرة المقاومة لم تعد حبيسة العاصمة أو البيئات السياسية التقليدية، بل تحاول أن تقدم نفسها بوصفها شبكة موزعة قادرة على الحركة حتى في لحظات الاستنفار القصوى.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التوقيت. فاختيار يوم تشييع خامنئي، أو الاستعراض الرسمي لجثته كما تصفه المعارضة، ليس تفصيلاً تكتيكياً فحسب، بل قرار محسوب يضرب في صميم السردية التي يسعى النظام إلى تثبيتها. في مثل هذه المناسبات، تحاول الأنظمة الشمولية تحويل الجنازات الكبرى إلى عروض قوة، وإلى استفتاء بصري على شرعيتها، عبر الحشود المنظمة والخطاب التعبوي والصور المهيمنة في الإعلام والشارع. ما فعلته وحدات المقاومة هو محاولة لنسف هذا الإخراج من داخله: إذا كان النظام يريد من الجنازة أن تكون مشهداً لإجماع الدولة حول المرشد، فإن المعارضة أرادت أن تجعل اليوم نفسه مناسبة للتذكير بأن إيران الأخرى لا تزال حاضرة، وأن موت خامنئي لا يمحو إرث الدم الذي ارتبط باسمه، بل قد يعيد فتح ملفه بأكثر حدّة.

ولا يقل أهمية عن التوقيت اقتران هذه العمليات بذكرى انتفاضة مشهد عام 1992. فهذه الانتفاضة لا تحضر في الرواية الرسمية الإيرانية بوصفها لحظة احتجاج اجتماعي وسياسي، بل كملف أمني أُغلق بالقوة. إعادة استدعائها اليوم تحمل أكثر من معنى. فهي أولاً تذكير بأن تاريخ القمع في إيران ليس طارئاً ولا مرتبطاً بمرحلة بعينها، بل هو جزء من بنية النظام منذ عقوده الأولى. وهي ثانياً محاولة لربط الحاضر بالماضي، عبر القول إن ما جرى في مشهد قبل أكثر من ثلاثة عقود لم يكن حادثة منفصلة، بل بداية سلسلة طويلة من المجازر والقمع والإعدامات والاعتقالات التي استهدفت كل موجة احتجاج لاحقة، من انتفاضات الطلاب إلى احتجاجات الوقود والمياه والخبز، وصولاً إلى الحراك الأوسع الذي هز البلاد في السنوات الأخيرة.

الشعارات التي رافقت العمليات تكشف بدورها طبيعة الرسالة السياسية المراد توجيهها. فالهتافات من قبيل "تبا لمبدأ ولاية الفقيه"، و"عاش جيش التحرير"، و"التحية لرجوي" لا تكتفي برفض السلطة القائمة، بل تطرح بديلاً سياسياً وأيديولوجياً في مواجهتها. وهذا فارق جوهري. فالمعارضة الإيرانية، وخصوصاً التيار المرتبط بالمجلس الوطني للمقاومة ومنظمة مجاهدي خلق، لا يريد تقديم نفسه كمجرد صوت احتجاجي غاضب، بل كطرف سياسي منظم يسعى إلى تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع إسقاط منظم للنظام. ولهذا فإن الإصرار على إظهار حضور "جيش التحرير" واسم مريم رجوي في الشارع الإيراني ليس مجرد تعبير تضامني، بل محاولة لتثبيت عنوان سياسي للمرحلة المقبلة، في مواجهة نظام يحاول إقناع الداخل والخارج بأنه لا يواجه سوى احتجاجات مشتتة بلا رأس سياسي.

غير أن القيمة الفعلية لهذه العمليات لا تُقاس بعدد الصور المحروقة أو اللافتات الممزقة وحدها، بل بقدرتها على فضح هشاشة رواية النظام عن السيطرة المطلقة. فإيران التي أعدمت خلال الأشهر الأخيرة أعداداً كبيرة من السجناء، وشنت حملات اعتقال وملاحقة واسعة، ورفعت مستوى المراقبة والقمع في الشوارع والجامعات والأحياء، كانت تراهن على أن الخوف سيعيد المجتمع إلى الصمت. لكن مجرد تنفيذ ثلاثين عملية متزامنة في هذا التوقيت، وفي هذا الانتشار الجغرافي، يعني أن القبضة الأمنية لم تنجح في القضاء على النزعة التمردية، بل ربما دفعتها إلى التحول من الاحتجاج المفتوح إلى أشكال أكثر لامركزية وسرعة ورمزية.

هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن النظام بات على وشك الانهيار أو أن هذه العمليات كافية بذاتها لتغيير ميزان القوى. الدولة الإيرانية ما تزال تمتلك جهازاً أمنياً وعسكرياً ضخماً، وتستند إلى بنية قمعية ممتدة من الحرس الثوري إلى الباسيج إلى القضاء وأجهزة الاستخبارات. كما أن المعارضة، رغم قدرتها على الحضور الإعلامي والتنظيمي، ما تزال تواجه سؤالاً كبيراً يتعلق بمدى قدرتها على تحويل هذه العمليات الرمزية إلى حراك اجتماعي واسع ومستدام داخل المدن والأحياء والطبقات الفقيرة التي تشكل الوقود الحقيقي لأي انتفاضة شاملة. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المشهد الإيراني لم يعد يسمح للنظام بالادعاء أن الساحة خلت له بالكامل، أو أن تصفية رأس النظام ستقود تلقائياً إلى طي صفحة الاعتراض.

الأخطر بالنسبة للنظام أن هذه العمليات تأتي في لحظة انتقال حساسة. فإيران لا تواجه فقط أزمة خلافة بعد خامنئي، بل أزمة شرعية أعمق تتعلق بمستقبل النظام نفسه. من سيخلف خامنئي؟ وكيف ستُدار العلاقة بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والرئاسة والحكومة؟ وهل يستطيع النظام إنتاج زعيم يملك الوزن الرمزي والأمني ذاته؟ في مثل هذه اللحظات، تصبح الرموز أكثر حساسية من أي وقت مضى، لأن الصراع لا يكون على السلطة فحسب، بل على من يملك الحق في تعريف "إيران" نفسها بعد المرشد. ومن هنا، فإن استهداف صور مجتبى خامنئي تحديداً يحمل رسالة مباشرة ضد أي محاولة لتوريث النفوذ أو إعادة إنتاج المنظومة نفسها بوجه جديد.

كما أن استهداف صور قاسم سليماني ورموز إبراهيم رئيسي يكشف أن الرسالة لا تستهدف المرشد وحده، بل كامل البنية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية: ولاية الفقيه، الحرس الثوري، رموز الحرب الخارجية، والقضاء الذي تحول إلى أداة قتل سياسي. المعنى هنا أن المعارضة تريد القول إن المشكلة ليست في اسم خامنئي وحده، بل في النظام الذي أنتج خامنئي ورئيسي وسليماني ومجتبى، وفي الشبكة العقائدية والعسكرية والأمنية التي حكمت إيران باسم الثورة ثم تحولت إلى دولة قمع مغلقة.

وتكشف عمليات السادس من يوليو أن إيران تقف أمام مشهد أكثر تعقيداً مما يحاول النظام إظهاره. فالجنازة التي أريد لها أن تكون لحظة هيبة وتحشيد، تحولت في المقابل إلى لحظة اعتراض مضاد، أعادت إلى الواجهة ذاكرة القمع في مشهد، وربطت موت خامنئي بتاريخ طويل من الدم، وأظهرت أن الشارع الإيراني، رغم الإنهاك والخوف والإعدامات، لم يفقد تماماً قدرته على الرد. وربما تكون هذه هي الرسالة الأوضح التي أرادت وحدات المقاومة إرسالها: أن النظام قد يملك السلاح والسجون والمنابر الرسمية، لكنه لم ينجح بعد في امتلاك الذاكرة، ولا في إطفاء فكرة التمرد التي تتجدد كلما حاول دفنها تحت ركام القمع.

شركات مغربية تربط الخصومات المجانية بفوز أسود الأطلس على فرنسا في ربع النهائي


وثائق أميركية تكشف كيف دفعت الحرب الباردة واشنطن لاختبار الوعي والرؤية عن بعد


أنور قرقاش: الهجمات الإيرانية على ناقلات الخليج تؤكد عجز طهران عن إنهاء منطق الحرب


غضب دولي من التحكيم بعد سقوط مصر أمام الأرجنتين في ثمن النهائي