الرياضة
صافرة الجدل تُقصي مصر..
غضب دولي من التحكيم بعد سقوط مصر أمام الأرجنتين في ثمن النهائي
تحولت خسارة منتخب مصر أمام الأرجنتين بنتيجة 2-3 في دور الـ16 من كأس العالم إلى واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة للجدل، ليس فقط بسبب التقلبات الفنية والدرامية التي شهدتها، بل لأن نهايتها جاءت محمّلة باتهامات مباشرة للتحكيم وتقنية الفيديو، وفتحت باباً واسعاً للتشكيك في اتساق القرارات التي أخرجت "الفراعنة" من البطولة في لحظة كانوا فيها على مسافة هدف من كتابة واحدة من أكبر مفاجآت المونديال.
ما جرى في المباراة لم يُقرأ في القاهرة بوصفه خسارة رياضية فقط، بل باعتباره خروجاً فرضته قرارات تحكيمية قلبت مسار المواجهة. إلغاء هدف مصطفى زيكو بدعوى وجود خطأ في بداية الهجمة، ثم تجاهل مطالبة مصر بركلة جزاء قرب النهاية، منحا المباراة معنى مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن يُناقش أداء منتخب مصر أو قدرته على مجاراة بطل العالم، انتقل النقاش سريعاً إلى سؤال آخر: هل خسرت مصر أمام الأرجنتين، أم خسرت أمام التحكيم؟
اللافت أن هذا السؤال لم يبقَ مصرياً خالصاً. فقد خرج عدد من نجوم كرة القدم السابقين في أوروبا لانتقاد ما حدث، وهو ما أعطى الجدل زخماً إضافياً، لأن الاعتراض لم يعد محصوراً في دائرة الانفعال المحلي بعد الخروج، بل تحول إلى تشكيك علني من أسماء ثقيلة في طريقة إدارة المباراة نفسها. جيمي كاراغر، المدافع الإنجليزي السابق والمحلل الكروي المعروف، لم يخفِ استغرابه من قرار إلغاء هدف زيكو، وذهب أبعد من مجرد الاعتراض على اللقطة ذاتها، حين لمح إلى وجود مشكلة أوسع تتعلق بازدواجية المعايير في استخدام تقنية الفيديو. حديثه لم يكن تقنياً بحتاً، بل حمل اتهاماً ضمنياً بأن مثل هذا الهدف كان يمكن أن يُحتسب لو تعلق الأمر بمنتخب آخر أو بدوري أكثر نفوذاً على مستوى الصورة والاهتمام.
هذا النوع من التصريحات مهم لأنه يضرب في صميم الثقة بمبدأ "المساواة التحكيمية" الذي تقوم عليه شرعية البطولات الكبرى. حين يقول كاراغر إن هدفاً كهذا ربما كان سيُحتسب في الدوري الإنجليزي أو الإسباني أو الإيطالي، فهو لا يناقش لقطة معزولة بقدر ما يضع علامات استفهام حول طريقة تفسير القوانين بحسب السياق والهوية وقيمة المنتخب الذي يقف على طرفي المشهد. وفي بطولة بحجم كأس العالم، حيث يفترض أن تكون تقنية الفيديو أداة لتقليص الظلم لا لإعادة إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً، يصبح هذا النوع من الشكوك أكثر خطورة من الخطأ نفسه.
الانتقاد لم يتوقف عند كاراغر. ألان شيرر بدوره سلط الضوء على لقطة أخرى لا تقل حساسية، حين أعاد نشر فيديو لمحمد صلاح وهو يتعرض للعرقلة داخل منطقة الجزاء قبل هدف الأرجنتين الثالث في الوقت بدل الضائع، وعلق بأن المعيار يجب أن يكون واحداً: إما أن تكون اللقطتان خطأ معاً أو لا تكون أي منهما خطأ. في هذه العبارة القصيرة تكمن المشكلة كلها. فالأزمة بالنسبة للمصريين لم تكن في أن الحكم أخطأ في قرار واحد، بل في شعور متزايد بأن المباراة أُديرت بمعيارين مختلفين؛ واحد صارم حين يتعلق الأمر بهدف لمصر، وآخر متساهل حين تكون اللقطة ضدها.
هذا الإحساس بازدواجية المعايير هو ما يفسر حدة ردود الفعل التي أعقبت المباراة. فلو اقتصر الأمر على خطأ تقديري واحد، لربما مر الجدل ضمن الحدود المعتادة لأي مواجهة كبيرة. لكن تراكم اللقطات المثيرة للشك ــ هدف ملغي، ركلة جزاء لم تُحتسب، وقرار نهائي أسهم في منح الأرجنتين فرصة حسم المباراة ــ جعل الرواية المصرية أكثر قابلية للتصديق لدى جمهور واسع، حتى خارج مصر. وهنا جاء تعليق باتريس إيفرا ليمنح هذه الرواية دفعة أكبر، بعدما وصف ما تعرض له المنتخب المصري بأنه "سرقة"، في عبارة قاسية لكنها تعكس حجم الانطباع الذي خلفته المباراة لدى بعض المتابعين.
إيفرا لم يكتفِ بوصف اللقطة بالظالمة، بل ذهب إلى نقد أوسع لفلسفة استخدام تقنية الفيديو نفسها، معتبراً أن وظيفتها الأصلية هي تصحيح الأخطاء الواضحة، لا التنقيب عن مبررات لإلغاء لحظات كروية حاسمة بعد دقائق من البحث في تفاصيل صغيرة. هذا النقد يلامس واحدة من أعمق مشكلات "الفار" في السنوات الأخيرة: التقنية التي دخلت الملاعب تحت شعار تحقيق العدالة، تحولت أحياناً إلى أداة لقتل إيقاع اللعبة وتعليق مصير المباريات على تفسيرات بالغة الصرامة أو شديدة الانتقائية، بما يجعل الجمهور يشعر أن الحكم لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن مسوغ لقرار يريد الوصول إليه.
في الحالة المصرية، كان الإحساس بالمرارة مضاعفاً لأن المنتخب لم يكن مجرد ضحية قرار تحكيمي وهو يقدم مباراة باهتة، بل كان طرفاً في مواجهة كبيرة ظهر فيها أكثر تماسكا وشراسة مما توقع كثيرون. مصر لم تدخل المباراة لتدافع عن نفسها فقط، بل نافست الأرجنتين فعلياً، ونجحت في وضعها تحت ضغط حقيقي، بل وكانت على بعد تفاصيل قليلة من قلب النتيجة بالكامل. ولهذا بدا القرار بإلغاء هدف زيكو وكأنه سحب من المصريين ليس مجرد هدف، بل لحظة معنوية وفنية كانت قادرة على تغيير كل شيء في المباراة.
رد الفعل المصري الرسمي عكس هذا الشعور بوضوح. رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم هاني أبوريدة لم يكتفِ بالتعبير عن الاستياء، بل أعلن التقدم بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم مطالباً بالتحقيق مع الحكم الفرنسي فرانسوا ليتيكسيه وطاقمه بالكامل، بمن فيهم حكام تقنية الفيديو. لغة أبوريدة كانت حادة إلى حد لافت، إذ تحدث عن "أخطاء تحكيمية فادحة" و"الكيل بمكيالين"، وذهب إلى حد المطالبة باستبعاد الطاقم من البطولة إذا ثبتت مسؤوليتهم عن تلك الأخطاء. والأهم من ذلك أنه استخدم تعبيراً شديد الحساسية حين تحدث عن "جريمة التمييز" ضد منتخب مصر، وهو تعبير لا يحمل فقط بعداً احتجاجياً، بل ينقل المعركة من دائرة الجدل الرياضي إلى مستوى أخلاقي وسياسي يتعلق بمبدأ العدالة داخل البطولة.
هذا التصعيد لم يكن منفصلاً عن تصريحات المدير الفني حسام حسن، الذي شن هجوماً مباشراً على التحكيم واتهمه بارتكاب أخطاء مؤثرة، قبل أن يذهب أبعد باتهام الفيفا بمجاملة الأرجنتين من أجل استمرارها في البطولة والاستفادة من الزخم التسويقي المرتبط بوجود ليونيل ميسي. قد يبدو هذا الاتهام بالنسبة للبعض امتداداً طبيعياً لغضب الخروج، لكنه في الواقع يكشف عن أزمة ثقة أعمق. فحين يصل مدرب منتخب خرج من ثمن النهائي إلى اتهام الاتحاد الدولي، ولو بصورة غير مباشرة، بتغليب الاعتبارات التسويقية على العدالة الرياضية، فإن ذلك يعني أن الخلل لم يعد يُنظر إليه كخطأ حكم، بل كجزء من بنية مصالح أوسع تحيط بالبطولة.
هنا تبرز المعضلة الحقيقية. الأرجنتين ليست منتخباً عادياً، بل حامل لقب، وفريق يضم ميسي، والبطولة نفسها لا يمكن فصلها عن الحسابات التجارية والإعلامية التي تضخم قيمة بعض المنتخبات والنجوم. لا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة منظمة، لكن المشكلة أن القرارات المثيرة للجدل حين تميل لصالح فريق بحجم الأرجنتين، وفي لحظة حساسة من الأدوار الإقصائية، فإنها تمنح هذا النوع من الاتهامات أرضية خصبة للانتشار. وهنا لا تصبح القضية متعلقة فقط بإنصاف مصر، بل بسمعة البطولة نفسها وقدرتها على حماية نفسها من الشكوك.
من الناحية الكروية البحتة، سيقال إن مصر خرجت وإن الأرجنتين تأهلت لمواجهة سويسرا، وإن النتيجة أصبحت جزءاً من السجل الرسمي للمونديال. لكن في الذاكرة الجماهيرية، لا تُحفظ المباريات دائماً بالنتائج وحدها. هناك مباريات تبقى لأنها شهدت هدفاً خالداً، وأخرى لأنها حملت فضيحة تحكيمية أو شعوراً عميقاً بالظلم. ومباراة مصر والأرجنتين مرشحة لأن تُحفظ في هذا السياق تحديداً: مباراة قدم فيها المنتخب المصري نفسه بوصفه نداً حقيقياً لبطل العالم، قبل أن تتدخل صافرة الحكم وغرفة الفيديو في إعادة رسم النهاية.
الأثر الأوسع لهذه المباراة لا يتعلق فقط بمصير منتخب مصر في هذه النسخة من كأس العالم، بل بما تكشفه من مأزق مستمر في إدارة اللعبة على أعلى مستوى. فكلما توسعت سلطة التقنية من دون أن تتسع معها الشفافية، وكلما بقيت معايير التدخل غامضة أو قابلة للتأويل المزدوج، ازدادت كرة القدم اقتراباً من منطقة خطرة يفقد فيها الجمهور ثقته بأن ما يراه على العشب هو وحده ما يحدد النتيجة. وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي لعبة تقوم، في جوهرها، على الإيمان بعدالة المنافسة مهما كانت قاسية.
بالنسبة لمصر، ستبقى هذه الخسارة أكثر من مجرد نهاية مشوار مونديالي. ستبقى باعتبارها مباراة خرج منها "الفراعنة" وهم يشعرون أنهم لم يُهزموا بالكامل داخل المستطيل الأخضر، بل خسروا أيضاً أمام قرارات تحكيمية ستظل محل نزاع طويل. وبالنسبة للفيفا، فإن الشكوى المصرية والضجة الدولية المحيطة بالمباراة تضعها أمام اختبار جديد: هل تكتفي بالدفاع الصامت عن حكامها، أم تفتح باب المراجعة في قضية أصبحت تمس صورة البطولة أكثر مما تمس نتيجة مباراة واحدة؟