الأدب والفن

رهان مغربي على الأصوات الجديدة..

إصدارات دار الشعر بمراكش توسّع حضور القصيدة والنقد وتراهن على جيل جديد من المبدعين

تواصل دار الشعر بمراكش بناء مشروعها الثقافي على مهل، لكن بإصرار واضح على نقطة مركزية: لا يكفي تنظيم التظاهرات أو توزيع الجوائز إذا لم يتحول ذلك إلى أثر ملموس في المشهد الثقافي. ومن هنا يمكن قراءة الإصدارين الجديدين اللذين أعلنت عنهما الدار، الديوان السابع من سلسلة "إشراقات شعرية" وكتاب "التداولية في الشعر المغربي" للناقد الشاب عبدالرحمن أسحلي، بوصفهما حلقتين في مشروع أوسع يسعى إلى ربط الاحتفاء بالمبدعين الشباب بإنتاج نصوص قابلة للتداول، وإلى تحويل الجوائز الأدبية والنقدية من مناسبات رمزية إلى آلية لتغذية الحياة الثقافية المغربية بأصوات جديدة.

في ظاهر الأمر، نحن أمام إصدارين منفصلين: ديوان جماعي يضم قصائد شعراء وشاعرات من المتوجين بجائزة "أحسن قصيدة"، وكتاب نقدي متوج بجائزة "النقد الشعري". لكن القراءة الأهم تكمن في ما وراء ذلك؛ أي في الطريقة التي تحاول بها دار الشعر بمراكش، منذ تأسيسها عام 2017، أن تصوغ دوراً مختلفاً للمؤسسة الثقافية، دوراً لا يكتفي بتنظيم الفعاليات، بل يراكم منجزاً فعلياً في الكتابة والنشر والتوثيق واكتشاف الأسماء الجديدة.

الديوان السابع من سلسلة "إشراقات شعرية"، الصادر في 220 صفحة، لا يقدم نفسه باعتباره مختارات شعرية فحسب، بل كأرشيف سنوي تقريباً لجزء من الكتابة الشعرية المغربية الجديدة. يضم الديوان نصوص 48 شاعراً وشاعرة من المتوجين بجائزة "أحسن قصيدة" في دورتها السابعة، إلى جانب نصوص أخرى اختارتها لجنة التحكيم للنشر، بما يعني أن الديوان لا يكتفي بتكريم الفائزين، بل يوسّع دائرة الاحتفاء لتشمل تجارب رأت فيها اللجنة قيمة شعرية تستحق الظهور. وهذا التفصيل مهم، لأنه يكشف عن رغبة في تجاوز منطق الجوائز الضيق، القائم على فرز عدد محدود من الأسماء، إلى منطق أرحب يحاول التقاط ما يتشكل في الهامش أيضاً.

في بلد يتسم مشهده الثقافي بتفاوتات كبيرة بين المركز والهامش، وبين الأسماء المستقرة والأصوات الصاعدة، يكتسب هذا النوع من الإصدارات أهمية خاصة. فالديوان لا يجمع شعراء من خلفية واحدة أو منطقة واحدة أو حساسية واحدة، بل يضم أسماء تنتمي إلى جغرافيا ثقافية ولسانية متعددة داخل المغرب. هنا تظهر قيمة المشروع من زاوية أخرى: إنه لا يقدم "جيلًا" شعرياً متجانساً بقدر ما يعكس تنوعاً في التجارب والمرجعيات والأنماط والأسئلة. وهذا التنوع ليس تفصيلاً شكلياً، بل جزء من صورة أوسع للمشهد الشعري المغربي نفسه، الذي لم يعد محكوماً بصوت مركزي واحد أو تيار مهيمن، بل بات مفتوحاً على تعدد لافت في اللغة والرؤية والإيقاع وبناء النص.

واللافت أن دار الشعر بمراكش لا تتعامل مع هذا التنوع بوصفه عبئاً تنظيمياً أو تشتتاً يصعب ضبطه، بل كجزء من الرهان ذاته. ففكرة "إشراقات شعرية" في جوهرها تقوم على التقاط هذه الأصوات المتفرقة ومنحها مساحة مشتركة للظهور، لا من أجل صهرها في قالب واحد، بل من أجل إظهار هذا التعدد نفسه باعتباره قيمة مضافة للشعر المغربي. من هنا يمكن فهم حضور شعراء وشاعرات من خلفيات ثقافية مختلفة، ومن أجيال متقاربة لكن غير متشابهة، داخل الديوان. إنه نوع من الرهان على التراكم لا على النجومية الفردية السريعة؛ رهان على أن المشهد الشعري لا يتجدد عبر اسم واحد لامع، بل عبر توسيع قاعدة الكتابة والنشر والاعتراف.

غير أن أهمية الإصدار لا تتوقف عند الشعر وحده. فالقسم الثاني من الديوان، الذي يضم مقالتين نقديتين للناقدين إبراهيم البوعبدلاوي ومحمد تايشينيت، يشي بفكرة أعمق تتبناها الدار: لا فصل بين القصيدة وأسئلتها النقدية. وهذا في حد ذاته اختيار ثقافي له دلالته. ففي كثير من التجارب الثقافية العربية، يُترك النقد في الهامش أو يُعامل باعتباره نشاطاً موازياً لا يقلق أحداً كثيراً. أما هنا، فثمة محاولة واضحة لربط الشعر بالنقد داخل الفضاء نفسه، وكأن الدار تقول إن إنتاج النص لا يكتمل من دون إنتاج أسئلته وتأويلاته ومفاتيح قراءته.

هذا المعنى يتجلى بصورة أوضح في الإصدار الثاني، كتاب "التداولية في الشعر المغربي" لعبدالرحمن أسحلي، المتوج بجائزة النقد الشعري. الكتاب، الواقع في 96 صفحة، لا يكتفي باختيار موضوع نقدي تقني أو محدود، بل يدخل إلى منطقة شائكة في النقد الحديث: هل يمكن للمنهج التداولي، الذي نشأ أساساً لتحليل الخطاب في سياقاته التواصلية واليومية، أن يُستخدم في قراءة الشعر بما يحمله من كثافة دلالية، وتخييل، وانزياح لغوي؟ السؤال في ظاهره أكاديمي، لكنه في عمقه يلامس إحدى أزمات النقد العربي المعاصر: كيف يمكن استيعاب المناهج الحديثة من دون الوقوع في النقل الحرفي أو في القطيعة مع طبيعة النصوص العربية؟

أهمية كتاب أسحلي تنبع من كونه يحاول الاشتغال على هذا السؤال من داخل الشعر المغربي نفسه، لا من خلال تنظير مجرد أو استعراض للمفاهيم. اختار الباحث تجربة الشاعرة المغربية مليكة العاصمي بوصفها حقلاً تطبيقياً لاختبار صلاحية المقاربة التداولية في قراءة الشعر، وهو اختيار ذكي لسببين على الأقل. الأول أن العاصمي تمثل اسماً له وزنه في الشعر المغربي الحديث، خصوصاً في ما يتعلق بتقاطع الذاتي بالعام، والجمالي بالاحتجاجي، والرمزي بالاجتماعي. والثاني أن شعرها، بما يحمله من طبقات دلالية واشتباك مع السياق، يبدو أرضية خصبة لاختبار أدوات التداولية، التي تشتغل أساساً على المقاصد والسياق والعلاقات التواصلية داخل الخطاب.

هنا لا يعود الكتاب مجرد دراسة عن مليكة العاصمي، بل يتحول إلى اختبار مزدوج: اختبار لمنهج نقدي حديث في سياق عربي، واختبار لقدرة باحث شاب على تحويل هذا المنهج إلى أداة قراءة لا إلى زينة نظرية. وهذه نقطة جوهرية، لأن كثيراً من الإنتاج النقدي العربي يقع في أحد فخين: إما الاستغراق في التنظير المجرد حتى ينفصل عن النصوص، أو الاكتفاء بقراءات انطباعية تفتقر إلى الأدوات. ما يلفت في هذا الكتاب، كما يظهر من تقديمه، هو محاولته الجمع بين الأمرين: بناء أرضية مفهومية واضحة لمفهومي التداولية والشعرية، ثم الانتقال إلى التطبيق على نصوص حية، من دون قطع الصلة بين النظرية وممارستها.

والأهم من ذلك أن الكتاب يطرح تصوراً مختلفاً لدور القارئ في إنتاج المعنى. فالدراسة تنتهي إلى أن القراءة التداولية لا تتعامل مع القارئ بوصفه متلقياً سلبياً، بل شريكاً في بناء الدلالة من خلال التقاط القرائن والإشارات والافتراضات التي يزرعها النص. وهذا المعنى، وإن بدا نظرياً، ينسجم في الواقع مع تحولات أوسع في النقد الحديث، حيث لم يعد النص كياناً مغلقاً يُستهلك من الخارج، بل فضاءً للتفاعل والتأويل وإعادة إنتاج المعنى. من هذه الزاوية، لا يقدم كتاب أسحلي مساهمة في نقد الشعر المغربي فقط، بل يضيف لبنة صغيرة إلى النقاش الأوسع حول علاقة المناهج الحديثة باللغة الشعرية العربية.

ما الذي تكشفه هذه الإصدارات مجتمعة؟ تكشف أولاً أن دار الشعر بمراكش لا تريد أن تكون مجرد منصة احتفالية. فهي تبني، عبر الجوائز والنشر والملتقيات، بنية ثقافية صغيرة لكنها واضحة المعالم، تقوم على اكتشاف الأصوات الشابة، ومنحها فرصة الظهور، ثم ربط هذا الظهور بالتوثيق والنشر والتداول. وتكشف ثانياً أن الدار لا تراهن على الشعر بوصفه جنساً معزولاً، بل بوصفه جزءاً من حوار أوسع مع النقد والبحث والأسئلة المعرفية التي تحيط به. وهذا ما يمنح المشروع بعض تماسكه: فالفائز لا يحصل فقط على لحظة تكريم، بل يجد نصه منشوراً، ويدخل ضمن أرشيف ثقافي متراكم، ويجاور في الإصدار نفسه نصوصاً نقدية أو كتباً بحثية تتقاطع معه في الانشغال باللغة والكتابة.

لكن الأهم ربما هو أن هذه السياسة الثقافية تأتي في لحظة يحتاج فيها المشهد المغربي، مثل كثير من المشاهد العربية، إلى مؤسسات تتعامل مع الأجيال الجديدة بوصفها استثماراً طويل الأمد لا مجرد مادة دعائية. فالأسماء الجديدة لا تعاني عادة من غياب الموهبة بقدر ما تعاني من هشاشة البنية التي تستقبلها: قلة النشر، ضيق فضاءات العرض، محدودية التراكم النقدي، وضعف الصلة بين الجوائز والمؤسسات الثقافية. وفي هذا السياق، يبدو ما تقوم به دار الشعر بمراكش محاولة عملية لسد جزء من هذه الفجوة، ولو على نطاق محدود.

لا يعني ذلك أن المشهد وردي أو أن هذه الإصدارات وحدها قادرة على إعادة تشكيل الثقافة الشعرية في المغرب. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المشروع يشتغل في الاتجاه الصحيح: تحويل المؤسسة الثقافية من جهة مانحة للجوائز إلى جهة تصنع مساراً، ومن منظم فعاليات إلى ناشر ومنتج للمعنى. وفي بلد تتجاور فيه الحيوية الإبداعية مع هشاشة البنية الثقافية، فإن هذا النوع من التراكم الهادئ قد يكون أكثر قيمة من الضجيج العابر.

لا تكمن أهمية "إشراقات شعرية 7" و**"التداولية في الشعر المغربي"** في عدد الصفحات أو في أسماء المشاركين فقط، بل في ما يمثلانه داخل مشروع ثقافي أوسع يحاول أن يمنح الشعر والنقد معاً فرصة جديدة للتنفس من خارج منطق المناسبات. إنه رهان على أن الأصوات الجديدة لا تحتاج إلى التصفيق وحده، بل إلى من يطبع نصوصها، ويضعها في التداول، ويعاملها باعتبارها جزءاً من مستقبل الثقافة لا مجرد هوامش في حاضرها.

غضب دولي من التحكيم بعد سقوط مصر أمام الأرجنتين في ثمن النهائي


تقرير: رصاص واعتقالات في عدن والمكلا مع اتساع احتجاجات الجنوب ضد الوصاية


وحدات المقاومة تنقل المواجهة إلى شوارع إيران وتكسر احتكار النظام للمشهد بعد خامنئي


أمهات على خط المواجهة.. كيف أعاد انهيار التعليم في عدن تشكيل الوظيفة التربوية للأسرة؟