تقارير

هرمز يفضح تذبذب طهران..

أنور قرقاش: الهجمات الإيرانية على ناقلات الخليج تؤكد عجز طهران عن إنهاء منطق الحرب

أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات

أبوظبي

قال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، إن الاعتداءات الإيرانية المتواصلة على ناقلات النفط والدول الخليجية تظهر أن طهران ما تزال عاجزة عن الالتزام بطي صفحة الحرب والانتقال إلى مسار خفض التصعيد، في موقف إماراتي يضع الهجمات الأخيرة في مضيق هرمز ضمن سياق أوسع من السلوك الإيراني في المنطقة، لا بوصفها حوادث أمنية منفصلة.

وكتب قرقاش، الأربعاء، على منصة "إكس"، أن "الهجمات الإيرانية على الناقلات التجارية القطرية والسعودية في مضيق هرمز، والعدوان المتكرر على البحرين والكويت الشقيقتين، مؤشر واضح على أن طهران لا تزال عاجزة عن الالتزام بمتطلبات خفض التصعيد وطي صفحة الحرب"، مضيفاً أن دول الخليج "لا يمكن أن تبقى هدفاً لتردد إيران بين منطق التصعيد ومسار العقلانية والاستقرار والسلام".

تأتي هذه التصريحات في لحظة بالغة الحساسية إقليمياً، بعد تصاعد الهجمات في مضيق هرمز، واستهداف ناقلات مرتبطة بدول خليجية، ثم دخول الولايات المتحدة على خط الرد العسكري المباشر ضد إيران. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة موقف قرقاش باعتباره تعليقاً سياسياً عابراً على حادث أمني، بل باعتباره جزءاً من خطاب خليجي آخذ في التبلور، يرى أن أصل المشكلة لم يعد في تفاصيل التفاوض مع إيران أو في بنود التهدئة المعلنة، بل في التناقض المستمر بين ما تقوله طهران سياسياً وما تفعله ميدانياً.

العبارة الأهم في كلام قرقاش ليست فقط اتهام إيران بالمسؤولية عن الهجمات، بل توصيفها بأنها "عاجزة" عن طي صفحة الحرب. هذا التوصيف يحمل دلالة سياسية تتجاوز الإدانة التقليدية، لأنه يفترض أن المشكلة ليست في سوء تقدير تكتيكي أو في انفلات موضعي، بل في بنية القرار الإيراني نفسه. فالدولة التي تعلن رغبتها في التهدئة، ثم تُتهم في الوقت نفسه باستهداف ناقلات تجارية في أحد أهم الممرات المائية في العالم، تبدو – من وجهة النظر الخليجية – دولة غير قادرة على حسم خيارها بين منطق الدولة ومنطق الاشتباك الدائم.

وقد عززت تطورات الساعات الماضية هذا الفهم. فالهجوم على الناقلة القطرية "الركيات" قرب مضيق هرمز دفع الدوحة إلى استدعاء المبعوث الإيراني لديها، في خطوة نادرة تعكس مستوى الانزعاج القطري من استهداف ناقلة مرتبطة بها، وتؤشر إلى أن التوتر في المضيق لم يعد يخص واشنطن أو العواصم الخليجية الأكثر تشدداً تجاه طهران فقط، بل بات يطال حتى الدول التي حافظت خلال السنوات الماضية على هامش أوسع من التواصل السياسي مع إيران. وفي بيانها، وصفت الخارجية القطرية استهداف الناقلة بأنه "انتهاك خطير لسلامة الملاحة الدولية وتهديد مباشر لأمن إمدادات الطاقة العالمية وخرق واضح وصريح لقواعد القانون الدولي"، وهي صياغة ترفع الحادث من مستوى الاشتباك الأمني إلى مستوى التهديد للنظام الملاحي والاقتصادي الأوسع.

الأمر نفسه ينطبق على الموقف السعودي، إذ أدانت الرياض استهداف الناقلة "وديان" أثناء عبورها مضيق هرمز، في وقت بدا فيه واضحاً أن الهجمات لم تعد تضغط فقط على السفن التجارية، بل على فكرة الأمن البحري الخليجي برمتها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي حيوي؛ إنه الشريان الذي تعبر منه نسبة كبرى من صادرات الطاقة الخليجية إلى العالم، وأي اضطراب فيه لا يهدد دولة بعينها بقدر ما يضرب البنية الاقتصادية والسياسية التي قامت عليها معادلة الاستقرار في الخليج طوال العقود الماضية.

من هنا، يمكن فهم لماذا اختار قرقاش الربط بين استهداف الناقلات القطرية والسعودية وبين "العدوان المتكرر على البحرين والكويت". الرسالة هنا واضحة: ما يجري ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل نمط إيراني متكامل يقوم على إبقاء دول الخليج تحت ضغط أمني دائم، سواء عبر تهديد الملاحة، أو عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو عبر إبقاء ساحات المنطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد. وبهذا المعنى، فإن قرقاش لا يتحدث عن أزمة ملاحة فقط، بل عن أزمة ثقة استراتيجية مع دولة لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد التعايش مع جيرانها أو استخدامهم أوراقاً في لعبة التفاوض والردع.

اللافت أيضاً أن هذه التصريحات جاءت بعد ساعات من رد أميركي عسكري مباشر. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات "قوية" ضد إيران رداً على الهجمات التي استهدفت ثلاث سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، متوعدة طهران بـ"دفع ثمن باهظ" لاستهداف السفن التجارية. كما ألغت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً كان قد خفف بصورة مؤقتة بعض القيود على القطاع النفطي الإيراني، ووصفت السلوك الإيراني في المضيق بأنه "غير مقبول على الإطلاق".

هذا التطور يضع المنطقة أمام مشهد أكثر تعقيداً. فمن جهة، دخل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في الثامن من أبريل الماضي، وكان يفترض أن يشكل ذلك بداية مسار تهدئة أوسع. لكن استمرار أعمال العنف، ثم عودة واشنطن إلى ضرب أهداف إيرانية على خلفية الهجمات البحرية، يعني عملياً أن هذا المسار لم ينجح في معالجة جوهر الأزمة. فوقف النار لم يتحول إلى تسوية سياسية مستقرة، بل بدا كأنه هدنة هشة فوق سطح صراع لم تتغير أدواته ولا أهدافه.

وهنا بالضبط تتقاطع قراءة قرقاش مع الموقف الأميركي، وإن من زاويتين مختلفتين. واشنطن تنظر إلى الهجمات من منظور حماية الملاحة وفرض الردع، بينما يذهب الخطاب الخليجي، وخصوصاً الإماراتي والسعودي، إلى أبعد من ذلك عبر التشكيك في أهلية إيران السياسية للانتقال من منطق الاشتباك إلى منطق الاستقرار. بمعنى آخر، الأميركيون يردون على الهجوم، أما الخليجيون فيقولون إن الهجوم نفسه دليل على أن إيران لم تغيّر سلوكها أصلاً، وأن الحديث عن التهدئة يظل ناقصاً ما لم ينعكس في البحر كما في البر، وفي المضيق كما في العواصم الخليجية المستهدفة.

وتزداد أهمية هذا الموقف إذا ما وضع في سياق التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. فالإمارات، مثل بقية دول الخليج، تعاملت بحذر مع الحرب الإيرانية الأميركية، وحاولت الدفع باتجاه التهدئة وحماية الملاحة وتحييد المنطقة عن الانفجار الشامل. لكن الهجمات الأخيرة، إذا ثبتت مسؤولية طهران عنها، تقوّض عملياً أي رهان خليجي على أن إيران يمكن أن تفصل بين خلافها مع واشنطن وبين أمن الجوار الخليجي. بل إن ما حدث يوحي بالعكس تماماً: أن طهران ما تزال ترى في مضيق هرمز وفي أمن الطاقة الخليجي ساحة قابلة للاستخدام في معركة الرسائل والضغط.

وهذا يفسر أيضاً لهجة قرقاش الحادة نسبياً. فالإمارات التي فضّلت خلال فترات سابقة خطاباً أكثر اتزاناً تجاه إيران، عادت هنا لتستخدم لغة واضحة ومباشرة تتحدث عن "عجز" طهران و"ترددها" بين التصعيد والعقلانية. هذه اللغة تعني أن الهجمات الأخيرة لم تُفهم في أبوظبي على أنها مجرد انفلات أمني محدود، بل كاختبار مباشر لصدقية أي تفاهمات مستقبلية مع إيران. فإذا كانت طهران غير قادرة على ضمان عدم استهداف ناقلات تجارية في لحظة يفترض أنها لحظة تهدئة، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على احترام تفاهمات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي؟

وتكشف هذه الأزمة مجدداً أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل صار مقياساً يومياً لمدى استقرار العلاقة بين إيران وجوارها الخليجي. كل صاروخ أو طائرة مسيّرة أو استهداف لناقلة لا يهدد فقط شحنة نفط أو سفينة بعينها، بل يضرب فكرة الأمن الجماعي في الخليج، ويعيد التذكير بأن أي ترتيبات سياسية لا تتضمن ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية ستظل ناقصة وقابلة للانهيار عند أول اختبار.

كما أن استدعاء قطر للمبعوث الإيراني، وإدانة السعودية، وتصريحات قرقاش، والرد الأميركي العسكري، كلها مؤشرات على أن الهجمات الأخيرة قد تدفع نحو مرحلة جديدة من التشدد الإقليمي والدولي تجاه طهران، لا سيما إذا تكررت الاعتداءات أو اتسعت رقعتها. ففي هذه الحالة، لن تبقى المسألة مرتبطة بحرية الملاحة فقط، بل ستتحول إلى ملف متكامل يربط بين البرنامج النووي الإيراني، وسلوك طهران الإقليمي، وأمن الطاقة العالمي، ومستقبل التهدئة في الخليج.

في المحصلة، لا تضيف تصريحات أنور قرقاش جديداً على مستوى الإدانة السياسية فحسب، بل تعكس تحوّلاً في طريقة توصيف السلوك الإيراني. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لم تعد في خرق هنا أو هجوم هناك، بل في عجز بنيوي لدى طهران عن مغادرة عقلية الحرب حتى وهي تتحدث عن السلام. وهذا هو بيت القصيد في الرسالة الإماراتية: لا استقرار حقيقياً في الخليج ما دامت إيران تتعامل مع المضيق والدول المجاورة بوصفها ساحات ضغط ورسائل، لا شركاء في أمن إقليمي متوازن.

غضب دولي من التحكيم بعد سقوط مصر أمام الأرجنتين في ثمن النهائي


إصدارات دار الشعر بمراكش توسّع حضور القصيدة والنقد وتراهن على جيل جديد من المبدعين


تقرير: رصاص واعتقالات في عدن والمكلا مع اتساع احتجاجات الجنوب ضد الوصاية


وحدات المقاومة تنقل المواجهة إلى شوارع إيران وتكسر احتكار النظام للمشهد بعد خامنئي