الأدب والفن

"عادات وتقاليد شعبية"..

المدن المطلة على ساحل البحر الأحمر.. مواسم الأعياد بين التنوع الثقافي والتكافل الاجتماعي

الآلاف يؤدون صلاة العيد في ملعب نادي وحدة عدن بالشيخ عثمان وسط (العاصمة) - اعلام النادي

 تُعدُّ المدن الساحلية من الأماكن المفتوحة التي تسكنها عدة جاليات من شعوب مختلفة، نتيجة إطلالها على مياه البحار والمحيطات الواسعة والمترامية الأطراف، تلك المسالك التي تجعل المطلين عليها يجوبونها تنقلًا من مكان إلى آخر، لهذا لا تجد أي مدينة من تلك المدن يسكنها طيف واحد من ذلك الشعب الذي تنطوي ضمن مكوناته تلك المدينة، وبمعنى آخر تلك المدن يسكنها أناس من شعوب مختلفة، ويمكن القول بأنها مدن متعددة الألوان والأطياف إذ ليس سكانها حكرًا على أبناء شعب تلك البلد التي توجد هذه المدينة ضمن نطاقه الجغرافي.

وتتميز هذه المدن بمظاهر وطقوس خاصة تمارس في الأعياد جماعية وفئوية، إذ نجد أن هناك عادات جماعية تمارس في الأعياد من قبل سكان هذه المدن جميعهم، وهناك عادات خاصة بالرجال وعادات خاصة بالنساء، وعادات خاصة بالأطفال، فضلًا عن تميز بعض العادات بتميز العيد بين الفطر والأضحى، ناهيك عن ذلك نجد عامل التغيير والتبديل المستمر في تلك العادات إذ تتبدل تلك العادات مع مرور الزمن من ناحية، ونجد من ناحية أخرى المحافظة والتسمك ببعض العادات من قبل بعض أبناء مجتمع تلك المدن، لكن السمة الغالبة عليها هي التحول نتيجة تحول حياة مجتمعات تلك المدن بين حين وآخر.

وهنا سنحاول جمع بعض عادات بعض تلك المدن وعرضها، وسنحرص على أن نعرض عادات مدينة على الأقل من كل بلد تطل على البحر الأحمر سواء على ساحله الشرقي أو الغربي، على النحو الآتي:

 

 

مدينة عدن في جنوب اليمن

تقع مدينة عدن في الجنوب ، عاصمة، ويجد المتأمل في العادات الشعبية العيدية في مدينة عدن، أن هناك عددًا من العادات والتقاليد الشعبية، منها:

يمكن القول إن استقبال عيد الفطر في عدن يبدأ منذ العشر الأواخر في رمضان التي يكون فيها الشعور بالحزن أيضًا على مفارقة شهر رمضان، وفي هذه المدة يشرع أهالي عدن بشراء جعالة العيد والملابس الجديدة لجميع أفراد الأسرة، وخلال هذه الأيام تكون الأسواق عامرة والمحلات مفتوحة على مدار الساعة لا سيما المعارض والمولات والبسطات التي يبتاع منها المواطنون مقتضيات العيد لاسيما في مدينتي كريتر والشيخ عثمان.

انشغال النساء مع دخول يوم العيد بتجهيز البيت بعد أن يتزين بالكسوة الجديدة والنقش بالخضاب أو الحناء، إذ تقوم النساء في العيد بنقش الحنَّاء. ويتجمعن في المساء في الحافات، كحافة حسين والقاضي والقطيع وغيرها [أحياء في مدينة كريتر بعدن]؛ لنقش الحنَّاء، وعمل كعك العيد والغُريبات [نَوْع من الحلويات]، ويذهبن لشراء ألعاب الأطفال. فرحة الأطفال بالعيد كبيرة، حتى أن الأطفال ينامون وبمحاذاة أسِرَّتهم ملابس العيد والألعاب، وخاصة دمية "العروسة" الخاصة بالبنات".

وتقوم الأمهات بتجهيز الأولاد والبنات بشراء ملابس العيد، والستائر وأغطية الفراش، ليأتي العيد بحلة جديدة قدر المستطاع؛ لأن الظروف الاقتصادية الصعبة قد أثرت على قوة الناس الشرائية في هذه المدينة.

ويُعدُّ "بخور العود" من الأساسيات التي لا يفرغ منها بيت عدني في العيد، إذ يتم تجهيز ملابس الرجال، خصوصًا الكوفية الزنجبارية [طاقية تراثية يلبسها كبار السن]، بتبخيرها بالعود باهظ الثمن، وكذلك الحال مع ملابس النساء، إذ يتم تبخير ملابسهن وتجهيزها بالفل والمشموم والكاذي والعطور "الرزينة" [العطور المسكوبة] والأخضرين، والطيب والعود والمسك والعنبر. 

ومع بزوغ شمس العيد يلبس الناس أفضل ملابسهم ويتزينون ويتعطرون ويخرج الرجال مع أطفالهم والنساء إلى الساحات والمساجد لأداء صلاة العيد، ومن العادات المتعارف عليها، في يوم العيد أن الرجال والأولاد بعد أداء صلاة العيد يحرصون على لقاء الجيران والأصدقاء في كل حافة وشارع، لتبادل التهاني العيدية".

وتُعدُّ الأمهات والبنات القراع [الإفطار] في المنازل. ويتكون غالبًا من كبد الماشية لاسيما في عيد الأضحى، وكذلك العطرية [من أصناف الأطباق الحلوة]. أما وجبة الغداء فزربيان [وجبة عدنية مكونة من الأرز مع اللحم]، ويتم تجهيزها في ليلة العيد.

وللأطفال الصغار كرنفالاتهم العيدية الخاصة ففي صباح يوم العيد بعد العودة من ساحات الصلاة يمرون على البيوت في مجاميع يتلو بعضها بعض للحصول على العيدية التي تعود أهالي عدن على تقديمها للأطفال الذين يمرون على بيوتهم صباح يوم العيد، وتتنوع هذه العيدية ما بين تقديم بعض أنواع الشكولاتة والحلويات أو الأوراق النقدية. ويكون للأطفال كرنفال آخر أيضًا في شوارع مدينة عدن خلال أيام العيد ولياليه يتمثل في ركوبهم على عربات الجمال التي تقطع بهم الشوارع وهم مرددون أجمل الصيحات والأصوات، وتجمعهم المحبة وتملأ قلوبهم شوقًا ولهفةً، بهذا الكرنفال الذي لا يأتيهم إلا في أيام العيد، ويرافق هذه الكرنفالات طماش العيد الذي يكون من مستلزمات عيد الأطفال.

وتقدم في صباح يوم العيد أنواع الحلويات وجعالة العيد وهي عبارة عن زبيب ولوز وفستق وكعك وكيك.

ويحرص الناس على صلة الأرحام في أيام العيد، فتشهد تلك الأيام الزيارات الأسرية، فمنذ ثاني أيام العيد، يتجمع كل الأهل في بيت الأسرة الكبير؛ لتناول الغداء وإعداد الشاي العدني الممزوج بالحليب والهيل والجوز، وتنبعث رائحة البخور في فترة ما بعد الظهر من كل بيت عدني. فيقضي الأهالي يومًا جميلًا حتى وقت متأخر من مساء يوم العيد" ويخصص ثالث أيام العيد لزيارات الخالات والعمات والجدات حتى رابع أيام العيد وخامسها، ويلاحظ أن هناك عادات اقترنت بهذا الطقس تمثلت في تغيير باب دار كبير العائلة الخارجي أو طلائه هو وجدران البيت الداخلية وعلى الأقل غرفة الاستقبال وتغيير الستائر قد اختفت ويرجع ذلك إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي صار يعيشها سكان هذه المدينة خصوصًا وسكان الجنوب عمومًا.

وتشهد أيام العيد وزيارة المرضى في المستشفيات، فضلًا عن زيارة المقابر للسلام على موتاهم والدعاء لهم.

تحري هلال العيد في مدينة عدن يُعدُّ من العادات التي اندثرت إذ كان المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور في أيام رمضان، من مهامه أيضًا تحري هلال العيد، إذ كان يتحراه في منطقة البمبا في مديرية صيرة، ويسبق ذلك مرور هذا الشخص على المحلات التجارية، فيقول لأصحابها ممازحًا شوفوا باجيبه بكرة، أي يقصد أنه سيعلن أن العيد سيكون في اليوم اللاحق، فيقوم هؤلاء بإهدائه بعض الملبوسات التي يحتاجها في العيد.

واختفت بعض الألعاب مثل الدراهين والكركوس [سرداق خشبي يدخله الصغار والكبار ويلعبون فيه ورق الكوتشينة]"، فضلًا عن طقوس عيدية دينية أخرى اندثرت أيضًا في عدن، ومنها: "زيارات قبور الأولياء والرموز الدينية التي كان يقوم بها أتباع الطريقة الصوفية".

لكن توسع المدينة وازدهارها ووجود المتنفسات فيها التي تتمثل في الحدائق والمتنزهات والاستراحات والسواحل بدأت تتبلور فيها عادة تجمع العوائل الكثيرة لاسيما العوائل ذات الانحدار المكاني الواحد، إذ يلاحظ أنهم يتفقون على مكان ووقت يكونون فيه كل العوائل مع الأطفال في ذلك المكان للمعاودة والتسليم على بعضهم والحرص على معاودة الكبار منهم رجالًا ونساءً فضلًا عن التعرف على الأطفال والمواليد الجدد لدى بعضهم، فتجد كل مجموعة مجتمعة في مكان أو زاوية وحولهم الأطفال يسرحون ويمرحون كفراشات تحلق حول تلك التجمعات، وكأن هذا فيه شيء من الحنين إلى عادات وتقاليد القرى المحيطة بعدن التي يكون فيها تجمع معظم ساكنيها في أيام العيد.

ومن العادات التي يلاحظ ظهورها في السنوات المتأخرة في عدن عادة اللبس، إذ يحرص الرجال والأطفال على لبس المعوز والشميز أو القميص والشال، وهي المدينة التي كان يتميز أهلها بلبس البنطلون؛ ولعل هذا يرجع إلى التحولات التي شهدتها المدينة وتوافد عليها كثير من أبناء القرى ومحافظات اليمن الذين يتميزون بلبسهم هذه الملبوسات في قراهم ومدنهم، أي أنهم قد نقلوا عاداتهم إلى هذه المدينة.

ومن العادات اللافتة للانتباه المقترنة بالسابقة، خروج كثير من سكان عدن والمقيمين فيها باتجاه القرى في محافظات الجنوب، حيث يحرص المقتدرون على أن يقضوا أيام العيد مع أسرهم في مسقط الرأس، وبهذه المناسبة تكون فرصة لتعريف لاسيما الأطفال بالعادات والتقاليد العيدية في الأرياف، وأكثر من هؤلاء من يلاحظ توجههم نحو المحافظات اليمنية لاسيما بعد حرب 2015م التي شهدت موجات نزوح بشرية مبالغ فيها باتجاه عدن وغيرها من المدن الجنوبية، إذ رغم ادَّعاء هؤلاء بأن نزوحهم ناتج عن الحرب ومضايقة مليشيات الانقلاب الحوثية لهم في مدنهم وقراهم اليمنية إلا أن الملاحظ عليهم بأنهم في أيام الأعياد يحرص كثير منهم على قضاء عطل الأعياد في مقسط رأسهم في مدن اليمن وقراه؛ ولهذا تشهد الخطوط المتجهة نحو المحافظات اليمنية ازدحامًا شديدًا قبل يوم العيد!.

مدينة الحديدة في اليمن:

يتمُّ استقبال عيد الفطر في مدينة الحديدة باليمن قبل حلوله، ويتمثل ذلك بتوديع رمضان، حيث يمارس الأهالي طقوس دينية ما يسمى(خواتيم رمضان). منها ما يردده الأطفال:

يا رمضان لف لف ملاعقك..

 يا رمضان وامعيد يلاحقك

ويتم إخراج الصدقات وتحضير الحلويات والبسكويتات وتبديل وتغيير مفروشات البيت بالجديد، وتستعد المرأة التهامية لاستقبال العيد مبكرًا، فتقوم بأعمال النظافة والترتيبات للمنزل إضافة إلى دهن قوائم القعايد (أسِرَّة خشبية يشتهر بها الريف التهامي).

ويميز عيد الأضحى شغف الأهالي في انتظار عودة حجيجهم، ويكون هناك ألعاب وأغاني يرددها الأطفال كأبيات: 

وامبشاره اتن اتن.. من جده ومن عدن 

عند عودته تكن البشارة اتن

لمايسمى(امصبوب)؛ ليتم مراسيم الابتهاج بالحاج بجمع الأهل والأقارب والجيران، ومن يحب الابتهاج بالحاج يضع في كيس قطع من الحلوى والنقود الفضية كي ترش من على رأس الحاج في أثناء قدومه من الحج.

وفي صباح يوم العيد يذهب أبناء تهامة باتجاه الساحات المخصصة لأداء صلاة العيد، وهم يرتدون الزي التقليدي التهامي المتمثل في (المعوز والشميز) حيث يلبس كبار السن (المحظي والشميز الأبيض) وتزين رؤوسهم كوفية (طاقية) بيضاء أو عمامة. وبعضهم يضع شالًا على كتفيه، ويحرص سكان الريف التهامي على التكبير والتهليل أثناء خروجهم من المنزل وحتى وصولهم إلى مصليات العيد. ويحرص الأطفال على الذهاب للمصلى مع أهاليهم مبكرًا، ليس للصلاة وإنما للّعب فهم يجهزون مفرقعاتهم من قبل العيد وما إن ينتهي الناس من الصلاة والاستماع للخطبة حتى يبدأ الأطفال في مهرجان الألعاب النارية الخاصة بهم في مشهد فرائحي بهيج وسعيد يتكرر ذلك المشهد في كل عيد.

وبعد إداء صلاة العيد تتم زيارة الأحبة والأهل والأقارب ومنها زيارة المقابر للآباء والأجداد وضرائح الأولياء إلى وقت الظهيرة تكون حاضرة الغداء جاهزة ولمة الأسرة على المائدة وذكرياتها بالدعاء أن يعيدها بلخير واليمن والبركات ثم يأتي المقيل في بيوت العلم والعلماء والمشائخ والوجهاء والأعيان ما يسمى (مجالس القات _ المبارز).

وتهتم الأسر بالتحضير بشراء الملابس والأقمشة الفاخرة من البخور وعمل الحلويات والبسكويتات الشعبية التقليدية منها والمصنعة وبأشكالها المختلفة والمتنوعة وتبادل الأطعمة والتهاني والتبريكات 

ويرى سكان ريف تهامة رمز الفرح في تجمع الفتيات في بيت (المنقشة) ليلة العيد التي تقوم بنقش الحناء على أيديهن وأرجلهن برسوم جميلة تضفي الزينة، وتنبعث رائحة الفل التهامي الجميلة، الشهير في الأزقة والحارات في ريف تهامة خلال ساعات المساء التي تتزين بها المرأة التهامية كأحد أبرز العادات والتقاليد الدالة على البهجة والسرور.

والحناء والفل تبدأ تلك الطقوس المتوارثة بين أبناء تهامة للاحتفال بيوم العيد، لذا نجد المرأة التهامية في ليلة العيد تبدأ في عمل النقش على كفوفها ووضع الحناء على أرجلها في أشكال جميلة تسر الناظرين لها.

والقفز على الجمال.. رياضة شعبية مثيرة في الحديدة وتشتهر قبيلة الزرانيق بممارسة هذه اللعبة الرياضية في أيام العيد.

وأبرز طقوس العيد لدى أبناء تهامة الرقصات التهامية المتفردة بألوانها وطابعها الفريد، التي تكون حاضرة في جميع المناسبات كالعيد وغيرها، وتشتهر ريف تهامة بمحافظة الحديدة بإيقاعات ورقصات شعبية مثل "الزحفة، والحقفة، والكندو".

ويتميز الريف التهامي بالعديد من الأكلات الشعبية الموسمية التي تحرص المرأة التهامية بإعدادها في البيوت وأهمها أكلة (المحشوش) الذي يُعدُّ من أهم الأطباق الرئيسة على موائد الأسر الريفية بتهامة في أيام العيد. حيث يتكون المحشوش من قطع صغيرة من اللحم والشحم توضع في قِدر كبير على الجمر ويتم تحريك الشحم حتى يتحول إلى زيت، وتوضع قطع اللحم الصغيرة في ذلك الزيت حتى تستوي وتضاف إليه البهارات والهيل، ويمتاز المحشوش بتجمده وبقائه لفترات طويلة تصل إلى عدة أيام. ويتم تسخينه لدقائق حتى يتحول إلى زيت، ويُحفظ بنكهته ومذاقه الذي لا يتغير وتحرص المرأة التهامية على تعليم الفتيات وبناتها طريقة طهي المحشوش بأفضل الطرق التي تعلمتها من والدتها، وتقوم قبل العيد بحوالي أسبوع بتجهيز الحطب والفحم الجيد، واختيار أجود أنواع البهارات التي تضفي نكهة مميزة للحنيذ والمحشوش.

وتقام تجمعات في بعض الحارات، فتضرب الطبول وتعزف المزامير وتلعب الخيول ابتهاجًا بالعيد ويلعب الرجال الألعاب الشعبية التقليدية على تلك الطبول والمرافع والمزامير، وللصغار كرنفالهم في حارات الحديدة خلال أيام العيد ولياليه تجمعهم المحبة وتملأ قلوبهم شوقًا ولهفةً لركوبهم على عربات الجمال أو الحمير مرددين أحلى الأهازيج الفلكلورية بالأبيات التي تملأ الكون بالنور والسرور ونحن نسمعهم يغنون وتكسوا وجوههم البهجة والسرور كأبيات:

وحمار أمعيد بلا حناء أو خضاب للبنات 

وأنا وحماري جايعو 

وأمعيد روح ماهبله. هبله جديه تلعب له

مدينة جدة في المملكة العربية السعودية

ما أن يتم الإعلان عن ثبوت هلال العيد رسميًا إلا والفرحة تملأ أرجاء البيت الجداوي، فيصبح البيت كالخلية، فتقوم ربة البيت بتنظيف المطبخ والبيت بشكل كامل، وذلك بعد مرور شهر كامل(رمضان) من طبخ ما لذّ وطاب، وبعدها يتم تجهيز طبق الدبيازة وهو "طبق شعبي معروف عند أهل الحجاز يتم عمله في عيد الفطر فقط"، وهو عبارة عن مكسرات تحمّر مع الزيت، ثم يضاف لها قمر الدين والماء والسكر، وتطبخ لأكثر من ساعة، ويكون مثل المربى، فضلًا عن تجهيز الحلويات المعروفة مثل اللدو واللبنية والهريسة والحلقوم، واللوزية، فضلًا عن كعك العيد، والمعمول، وخبز العيد، والقطايف الحجازية، والجبنية، والمشبك وحلاوة الهريسة، واللقيمات.

وتحظى الحلويات الشعبية في مختلف المناسبات وخاصة الأعياد، باهتمام أهالي جدة، لارتباطها بهوية المكان خاصة في المنطقة التاريخية، وبوصفها جزءًا من طبيعته الثقافية، حيث كانت هذه الحلويات تتصدر المجالس في البيوت القديمة لتقديمها في ضيافة العيد للمهنئين، والتعبير عن سعادتهم بقدومهم والحفاوة بهم وإكرامهم.

وتحتفظ المنطقة التاريخية في محافظة جدة بالتراث والذكريات العيدية، وذلك من خلال تزيين أماكنها وشوارعها بالأنوار، وتزين المنازل، وارتداء الزي التقليدي القديم للعائلات.

وبعد صلاة وخطبة العيد يعود الكل إلى بيته وتجتمع الأسرة بأكملها لتناول طعام الإفطار الذي يتكون من الأجبان والحلويات، وأهمها في عادات أهل جدة (الطحينة واللبنية واللدو والهريسة) والبليلة فهي متعارف عليها، وهي التقليدية بمنطقة الحجاز في أول أيام عيد الفطر.

وبعد أداء صلاة العيد وتناول الإفطار بجدة يخرج الأطفال بأجمل ملابسهم فرحين بهذه المناسبة السعيدة ويلعبون في براح جدة المتعددة مثل: برحة المظلوم وبرحة العيدروس وبرحة الشام وغيرها من البراح الموجودة في جدة، ويمارسون ألعاب مختلفة مبتهجين بالعيد، مثل لعبة "التدرية" أو "المدريها" وهي لعبة تشبه ألعاب الملاهي الحديثة "المراجيح" إلا أنها تصنع من الخشب ويستمتع الأطفال كثيرًا بهذه اللعبة الشعبية.

ويزورون في العيد أقدم الملاهي بجدة (ملاهي العيدروس) التي تقع في منطقة باب مكة جنوب جدة ولأربعة أيام متتالية من ليالي العيد على الرغم من بساطتها كونها تقع في منطقة مفتوحة، وتنفرد ملاهي العيدروس بالألعاب اليدوية دون تدخل تقني.

ولا زالت البهجة تملأ المكان وغناء الأطفال وأهاجيس يرددها الصغار منها يا حلاوة العيد، وأصوات احتكاك الحديد وصولات الخيول والجياد تجول الأزقة، فتجتمع الناس حول أغاني تراثية وألوان شعبية، وذلك من خلال ترديد الأهازيج المصحوبة مثل الضرب على الدفوف وعلى أنغام المزمار الذي يُعدُّ من أشهر الفنون على مستوى جدة، حيث تُعدُّ هذه العروض نشاطًا ترفيهيًا رائعًا للأهالي والزوار فيكون شعور الفرحة والبهجة تعم الجميع من الرجال والنساء وحتى الأطفال كذلك.

 وتتميز مواسم الأعياد بتكثيف مظاهر العلاقات الاجتماعية الطيبة المتمثلة في التواصل بين الجيران، بالزيارات العائلية، وانتشار البسطات الموسمية التي تشكل عامل جذب لأهالي مدينة جدة وزوارها.

ويخصص اليوم الأول لمعايدة الأهل والجيران، ولا يخلو صباح العيد من جمعة الأهل ويكون في بيت الأسرة الكبير، ثم توزع الأيام الثلاث الأخرى على حارات جدة، فيزور بعضهم بعضا فيما بين حارات جدة المختلفة.

ويغلب على أيام العيد طابع الفرح، حيث يحرصون في جدة على استقبال العيد بالتسامح بين أهل الحي بمبادرة من عمد الحارات والأهالي من خلال ترديد الأهازيج المصحوبة بلعبة المزمار والرقص على الدفوف، ويمثل المزمار أشهر ألوان الفنون ليس على مستوى جدة فحسب، بل على مستوى مدن منطقة مكة المكرمة بأكملها، وتستغل هذه الأيام أحيانًا للقاء الأقارب والإفطار الجماعي بينهم.

وتتميز أحياء جدة وحاراتها العتيقة بنشاط الحركة في الشوارع والميادين في موسم العيد التي لا ينقطع عنها الزوار في مختلف المواسم لاسيما حارات المنطقة التاريخية التي تقام فيها الفعاليات والأنشطة الثقافية الهادفة لإحياء التراث الثقافي لجدة وتعريف أبناء الجيل الحالي والزوار بتراث جدة القديمة وبالعادات والتقاليد المعروفة فيها قديمًا.

من مظاهر العيد القديمة التي تحفل بالكثير من العادات والتقاليد التي ورثت من الآباء والأجداد ولا تزال على حالها هي أن يطوف الأطفال على المنازل معايدين ويرددون عبارات متعارف عليها كقولهم: "أعطونا عيدية.. عاد عليكم" وبالفعل يفوزون بالحلوى والعيدية التي تثلج صدورهم في حين يخرجون الكبار للاستمتاع بممارسة لعبة "المزمار" الشهيرة في منطقة مكة المكرمة.

وكانت هناك في مدينة جدة بعض الأهازيج الشعبية المصاحبة لاحتفالات العيد إلى جانب الألعاب العبية العبارة عن الألواح الخشبية والأعيقلية والشبرية وألعاب الصناديق، فضلًا عن بسطات البليلة والحمص والآيسكريم، التي مازال بعضها متواجد حتى الوقت الحالي على الرغم من ملاحقه التكنولوجيا والتطور الحضاري لكل مناحي الحياة في تلك المدينة.

والاحتفال بالعيد في جدة يحمل سمات دينية وروحانية خالدة لا تكتفي بمظاهر البهجة فحسب بل تتجلى في روح التكافل المجتمعي والتسامح الإنساني والسمو الروحي، وتجدد الأواصر الأخوية ومد جسور التعاون والتقدير بين جميع أفراد الأسرة والمجتمع.

 

محافظة البحر الأحمر في جمهورية مصر العربية

تُعدُّ الغردقة في محافظة البحر الأحمر من أبرز المدن المصرية المطلة على البحر الأحمر، وتشهد الغردقة احتفالات عيدية عدة، مثل: المولد الشعبي، وحفلات الربابة، والطبل، والمزمار البلدي، بمشاركة المصريين من نزلاء الفنادق والسياح الأجانب من مختلف الجنسيات الأجنبية في أجواء فرحة وسعادة وتبادل التهاني والتبريكات مع العاملين بالقطاع السياحي.

ويعمل مجهزو وبائعو وجبة السمك المجفف، على تجهيز هذا السمك إلى العيد؛ لأنه يُعدُّ من أفضل الوجبات لأبناء البحر الأحمر لاسيما أسر الصيادين الذين يحرصون على تناول هذه الوجبة في أول أيام عيد الفطر، بهدف تدريب المعدة على الإفطار عقب انتهاء شهر الصوم.

وطريقة تجهيز طواجن السمك الجاف، تتم من خلال توفير السمك طازجًا فينظف ويشطر نصفين وتخلى أحشاؤه ويرش عليه الملح بكمية ربع كيلو، للكيلو الواحد من السمك، وتصبح السمكة وكأن لها وجهين وتوضع في الهواء والشمس لمدة يومين وتُلف بالقماش حتى لا تتعرض للأتربة والحشرات ويكون لحمها الطري قد بدأ يجف؛ ثم يؤخذ السمك إلى مياه البحر ويُطمس فيها كي يحصل مرة أخرى على الماء المالح، ويتخلل جميع أجزاء السمكة؛ ثم يوضع في الشمس لمدة يوم ثم يترك في الهواء عشرين يومًا، وبذلك يخف وزن السمك. وقبل العيد بـ ٤٨ ساعة، تبدأ عملية تخلية اللحم من جسم السمكة ووضعه في الماء لمدة يوم، ويوضع الجزء الذي لا يخرج من جلد السمكة في الماء حتى يطرى ويخرج اللحم منه ويتم طبخه بالبصل والطماطم وتتناوله الأسرة فور انتهاء صلاة عيد الفطر المبارك، والكيلو الواحد يكفي أربعة أفراد، وترجع عادة أهالي محافظة البحر الأحمر مع هذه الوجبة من السمك الناشف أو المجفف إلى أن المحافظة كلها ساحلية وبها أكثر من ميناء، ويشتغل معظم أبنائها لاسيما القدامى بمهنة الصيد.

وكذلك الحال يكون في كل محافظة البحر الأحمر، فمن تلك العادات العيدية إقامة احتفال المولد الذي يشمل الأراجوز والمرجيحة والأغاني الشعبية والنيشان بالبندقية المختلفة وبائع البطاطا وبائع الفيشار والعرقسوس ومدفع رشَدي أباظة والتنورة وفرق شعبية ورقص شرقي العرائس المتحركة والمرأة المشهورة بالودع، وملعب القرود وبائع الحلوى وغيرها من الألعاب الشهيرة بالمولد المصري.

مدينة بورتسودان في السودان

يبدأ الاحتفال بالعيد في دولة السودان مبكرًا، حيث يستشعر من يزور هذا البلد العظيم قرب حلول أيام العيد من الأجواء الجميلة التي تعم الشوارع، والبيوت والمحال التجارية، ففي عيد الفطر على سبيل المثال _ تبدأ الاستعدادات والتحضيرات له منذ منتصف شهر رمضان المبارك، ومن بين أهم الاستعدادات تحضير أكلات العيد وحلوياته.

وتشتهر دولة السودان بالعديد من أنواع الحلويات المميزة، إلى جانب ما تشترك به الدول والمجتمعات العربية من خبز، وكعك وما إلى ذلك، حيث تصنع كميات كبيرة من هذه الحلويات والأكلات المميزة حتى يُكرم صاحب البيت زواره في هذه المناسبة العظيمة.

ويمتاز الشعب السوداني بطيبته، ونقائه، لهذا فمناسبة العيد تُعدُّ من المناسبات التي تغسل أية أضغان امتلأت بها القلوب خلال العام، فبعد أن تؤدى صلاة العيد في الجوامع، والساحات المخصصة لذلك من قبل الجميع رجالًا ونساءً، وكبارًا وصغارًا، يشرع السودانيون من فورهم بتبادل التهاني، فيصفحون عن بعضهم البعض، ويرجعون أخوة متحابين.

ومن العادات الجميلة في فترة العيد في السودان، توافد كافة رجال الحي الواحد في نسبة كبيرة من القرى عند أكبر رجل من رجالات الحي، أو في أي مكان متعارف عليه مسبقًا، فيحمل كل واحد منهم ما رزقه الله إياه من طعام الإفطار، ثم بعد ذلك يذهبون لتقديم التهاني للمرضى الذين أقعدهم المرض عن الاستمتاع بمباهج العيد، ولكبار السن الذين لا يستطيعون التنقل، ومن هنا يقضي السودانيون يوم العيد الأول في تبادل التهاني بين الجيران، والأصحاب. وبعد أن يصلوا العصر، تبدأ زيارات الأهل والأصدقاء الذين يقطنون في أحياء بعيدة. من شدة سعادة الشعب السوداني بمجيء العيد، فإن هذه الزيارات والرحلات العائلية، والأوقات الجميلة تستمر لأيام من شهر شوال كما ويحب السودانيون في هذه المناسبة قضاء بعض الأوقات على ضفاف نهر النيل. ومن العادات المميزة والمحببة لدى هذا الشعب كما في باقي الشعوب العربية عادة العيدية، وهي الهدية النقدية التي يعطيها الكبار للصغار، وللأرحام من النساء.

ومن عادات العيد في السودان قيام سكان المدن بترتيب أمورهم لقضاء فترة العيد في ولاياتهم ومسقط رأسهم، وذلك للاجتماع مع أهلهم وعشيرتهم وأيضًا تعريف أطفالهم بأهلهم ومكان ميلاد الوالدين أو أحدهم، وتعريفهم بالأجداد والعادات والتقاليد المتوارثة لتلك المناطق، وتشكل تلك الزيارات موروث ثقافي ثر للأطفال ومصدر تفاخر مع أقرانهم.

يُعدُّ عيد الفطر من المناسبات ذات القيمة التاريخية الكبرى لدى كافة الشعوب والبلدان الإسلامية قاطبة، فهو يتلو أيام شهر رمضان بكل ما فيه من عادات دينية واجتماعية تختلف من بلد لآخر، ليبدو وكأنه امتداد ديني واجتماعي يلف الأجواء بروحانية ذات لون خاص، وكما تختلف عادات الاحتفال والاحتفاء برمضان، كذلك تختلف عادات الاحتفاء بقدوم عيد الفطر من دولة إسلامية إلى أخرى. وفي السودان، مثلها كمعظم أنحاء العالم العربي، إن لم يكن شأن العالم أجمع عربيًا كان أو أعجميًا، فيرى السودانيون أن عيون أطفالهم هي الجديرة حقًا باستقبال العيد لتفرح به، فأول مراسم الإعداد لاستقبال العيد في السودان يكون بشراء وتجهيز الملابس الجديدة للأطفال ركيزة فرحة العيد وبهجته، كما أن وقائع احتفالية العيد تبدأ قبل عدة أيام بانهماك ربات البيوت وبناتهن في تنظيف المنزل وإعداد المفروشات في أسلوب يغلب عليه الطابع الاحتفالي، على الرغم من كونه نشاط روتيني قد يكون هو النشاط اليومي لكل الأسر، غير أن ذلك النشاط يكون له طعم وعبق آخر، وكأنما هو استعداد من قبل كل أسرة بجعل المنزل في أبهى صوره ليرتدي حلته الجديدة لاستقبال هذا الزائر العزيز الذي لا يتردد على المنزل إلا مرة واحدة في العام هو وعيد الفطر المبارك.

ويمثل إعداد المنزل وترتيب جنباته أحد مصادر بهجة العيد، ويحرص الأطفال أيضًا على مساعدة أمهاتهم وأخواتهم في هذه العملية في جو عام يسوده المرح والسعادة التي تخيم على الأسرة في ذلك اليوم الكريم الذي تظل فيه الأسر السودانية ساهرة حتى الصباح في عمل دؤوب ومستمر لإخراج المنزل في أبهى مظاهره، وبعد انتهاء العمل واكتمال الترتيب والتنظيم تقوم ربة الأسرة بنثر البخور وإطلاقها في أركان المنزل، مستخدمة نوعًا خاصًا من البخور يدعى "التيمان"، وهو عبارة عن خليط من اللبان والعود وبعض الأعشاب الأخرى في تقليد تراثي بديع توارثته الأجيال الواحد تلو الآخر، حيث تُعدُّ تلك العادة جزءًا من الثقافة السودانية القديمة.

وينتظر السودان وشعبه العيد بكل سرور وبهجة وفرح لأنه مدة نقاهة وأيضًا لأنه شعيرة دينية، وأيضًا صلة رحم وتسامح وتصافي وتراحم وتكافل، وتستشعر في ذلك تسامح الدين الإسلامي العظيم.

العيد في الساحل الأريتيري

العيد في أريتيريا لاسيما في الساحل على البحر الأحمر، يبدو من خلال العادات والتقاليد الشعبية في العيد هناك وكأنه يقام في بيئة بدوية، إذ يعبر الأهالي عن حفاوة وتكريم وتعظيم لهذه المناسبة العظيمة الأثيرة، تبدأ بتجهيز مصلى العيد حيث يقوم الناس بتجهيز موقع صلاة العيد قبل العيد بيوم أو يومين ويختارون لصلاة العيد مكانًا واسعًا نظيفًا جميلًا في ساحة تحصنها جبال وأشجار من كل ناحية ويخططون معالم أطراف المصلى بالحجارة في شكل مسجد توضع في مقدمته ثلاثة أحجار طويلة وأطولهن تتوسط الحجرين الآخرين وهي المحراب الذي تحدد اتجاه القبلة وتترك في مؤخرته بوابة يدخل الناس منها ويمنع منعًا باتًا تخطى الحجارة للدخول فيه من مكان آخر غير المكان المحدد بوصفه بوابةً للولوج إلى مصلى العيد، أدخلوا البيوت من أبوابها.

ويسبق العيد اختيار الأضحية للمستطيع، وتجهيز ملابس العيد وليس بالضرورة أن تكون جديدة لغير المستطيع، فالمهم أن تكون نظيفة وتغسل الملابس بالصابون إن وجدت وإلا غسلت (بالغنشي) وهو نبات رخو له رغوة مثل الصابون يستخدم لغسل وتنظيف الملابس عوضًا عن الصابون، أما المكواة، إذا قام بها بعضهم سقطت عن الباقين(حسب الظروف)كما يقوم بعضهم بتسخين آنية الحديد والأواني المعدنية لكي الملابس.

أما الزي المفضل للرجال في يوم العيد هو الجلابية والصديري، والسماديت، والسيف والخيزران المنقوش والملبس بالجلد والخرز.

ويزين الرجل لحيته في يوم العيد بالتخفيف من الأطراف تجملًا ويسمون تنظيف اللحية (زينة) فإذا أراد الواحد منهم أن يخفف لحيته يقول: (شكمي إقل إزين تو) وتعني أريد أن أزين لحيتي أي أخففها، وكأنهم كانوا يكرهون لفظ حلق اللحية.

واستعدادات النساء لاستقبال العيد تبدأ بالمشاط، وتجديد الخيط لحبات الخرز ودهن الشعر بالسمن المخلوط بالشوكري والمحلب والقرنفل، ويسمى(حسات طلام) أي الدهن الأسود، ووضع الحناء، والدخان، والطيب.

وكانت العطور المشهورة آنذاك والمفضلة لدى الكثيرين من الأنواع المتواضعة كعطر (بنت السودان)، و(سيدي علي) ولناس الحال الميسورة (فليل دمور).

وتلبس النساء في يوم العيد كل ما لديهن من حلي وزينة ويتشاءمون من الحلي الذي لا يلبس أو التي لا تلبس حليها أو زينتها.

وكان عطر الرجال المفضل(كولونيا 555)، طبعًا هذا رقم الماركة، والذي يمتلك هذه الأشياء البسيطة كان يرى نفسه كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، والذي لا يمتلك شيئًا منها فهو قنوع راضي بما لديه.

وفرحة العيد تكمن في عيون الأطفال ببراءتهم يرضون بالقليل من الأشياء سواء كانت قطعة جديدة أو حذاء أو حلوى أو أي شيء يعبر عن فرحة العيد، وبشكل عام كان الناس لا يهتمون بفرحة الأطفال في العيد سواء كان من جانب الأسر العادية أو ميسورة الحال، وربما كان ذلك لاعتقادهم أنه طفل صغير لا يعرف معنى العيد أو أنها عبادة تخص المكلفين، ولذا كانت فرحة الأطفال مع أقرانهم في الحي أكثر من فرحتهم مع أهلهم وذويهم، إذ يلعبون ويرقصون معًا فرحًا وسرورًا بالعيد، ومن ألعابهم المشهورة (عيمبو دلامبو) وهي أن يدور الشخص حول نفسه إلى أن يسقط على الأرض من شدة الدوخة، و(بيب) وهي لعبة تؤدي بأن يجري كل واحد خلف الثاني ويحاول منعه من الوصول إلى الهدف برجل واحدة مطلقة والأخرى معلقة (يلعبها فريقان متضادان).

ويحلقون الأطفال بنين وبنات في يوم العيد التماسًا لبركتها، وأداة الحلاقة كانت مدية صغيرة تسمى (ملاطي عرب) وتعني مدية العرب يتم تسنينها (وشحذها)على الحجر، أو(مطواة) يستعمل خصيصًا للحلاقة، وتزدحم أيام العيد التالية لليوم الأول بمناسبات الزواج التماسًا لبركتها.

ويستمتع الأطفال كثيرا بـ(التاكو) ويسمى فري عيد وهو بليلة من حبوب(الماشيلا) أو (الأدنكل) و(العدوقرا) أو أي شيء متوفر من الغلال، وتطهى البليلة في الساحة أمام المنازل ويجهز كل طفل معلقة من لحاء الشجر اليابس ليغرف بها من البليلة وهي تغلي في النار، ويهدى منها للجيران كعرف متبع في مناسبات العيد.

 وكان القاسم المشترك بين النساء والرجال والأطفال هو وضع الكحل الحجري على العين تجملًا للعيد وتقوية للنظر.

ومع مغيب شمس ليلة العيد تتعالى الأصوات بالذكر وتشد الطبول وتوقد النار لحلقات الذكر والتكبير والتهليل يتمايلون حولها ذكرًا وهيامًا ولكل ذكر أو مدح عزف خاص على الطبل فالسامع من بعيد يعرف الذكر من عزفه والأطفال يشاركون هذه الليلة مع الكبار بنشاط وهمة عالية.

وفي صباح يوم العيد يتقاطر الناس من كل حدب وصوب إلى موقع الصلاة ما عدا النساء فليس لهن نصيب في شهود الصلاة حتى لا يختلطن بالرجال من باب العرف السائد، وتعلو تكبيرات العيد من كل ناحية ويلبس كل زينته، ويتكحل بالكحل الحجري الذي يتم طحنه محليا بالمنزل ثم يوضع في(مكحلة)أو(مكحولة) وتسمى أيضا(عكيتت) وهو اسم مشتق من العكات(شجر الدوم) الذي تصنع منه وتعبأ بالكحل وتغطى بشراك جلد ناعم حتي لا يضر بصحة العيون، وما تكحل به العين يسمى (ميلل) أو (مرود) ويسمى "ميل" بالعربية وهو من الفضة.

وبعد أداء صلاة العيد يتبادلون التهاني وتقبل النساء يد الرجال والأطفال من الأهل والعشيرة مباركات لهم العيد ومتمنيات لهم عيدًا سعيدًا يعود عليهم بالخير أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، وتستمر في الدعاء له واضعة يدها على يده لا تنزعها حتى تنتهي من الدعاء.

وتبدأ التهاني بكلمة (معايدين، مسالمين، أبري ودحر) المقطع الأول هو مرادف لكلمة (كل عام وانتم بخير)، والمقطع الثاني يعني اعفُ عني وادعُ لي بالخير.

ويذبح المستطيع ذبيحته ويطهي اللحم مشكلًا بين العظم واللحم ومحتويات البطن وتهدى للناس مطبوخة مع المرق وهذا الخليط بين اللحم والعظم ومحتويات البطن القصد منه إيصال الجيران هدية تحتوي على كل أجزاء الأضحية، وتشوى الكبدة والرئة على الجمر وتقدم كمقبلات قبل تجهيز الوجبة الرئيسة وتقرأ سورة قريش وينفث بها على الرئة ثلاث مرات قبل تناولها.

وتوزع الهدايا من اللحم حسب مقامات الناس فالعمد والمشايخ والوجهاء وكبير الأسرة والحمو يهدى لهم (اليد) أو (لحم الكتف) مما يلي الرقبة ويسمى(لبت) أو لحم الصدر بداية من الترقوة بما فيها غضروف الصدر إلى نهاية البطن ويسمى (التدع) وأما النساء فيهدى لهن الفخذ مع شيء من اللحم.

يتناول الناس وجبة الإفطار، تليها القهوة، وتوزع بعض الصدقات على الفقراء والمساكين والنساء لا يفارقن المطبخ في اليوم الأول لكثرة الزوار من قريب وبعيد وتصنع القهوة تلو الأخرى، وفي الغالب يقمن النساء بالمعايدة على الأهل والجيران في اليوم الثاني للعيد.

وهذه بعض أدعية العيد:

عرفة مكة وجدة

عمر طوول

ورزق بدح

ونوس سنيت

ولاد تبعن وإقل أنسات

منا دولا إتا حولا

سمو إتا

وتأتو ديبا

هبو ديبا ونسؤو إتا

قموو إتا وأقمو ديبا

 شاكت كلو جقفا

ودعروتت كلو قنطشا

طيناكم عبات

ولباسكم دبات

مطعنكم ود إنسا

 وأفوكم درسسا

من وحيد ديب معدي

ومن دلام ديب مطهي

 ومن بين ديب محبر

أدنياكم معر وسعر تقبأ

 عرفة بكيتت تتعارفكم

 

 

العيد في جيبوتي

تعدُّ جيبوتي إحدى الدول المطلة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، ونجد أن لها خصوصياتها في الأعياد الإسلامية فضلًا عن الأعياد المسيحية، إذ يحتفل شعبها بهذه الأعياد، وإن كانت الأغلبية من سكانها مسلمين إلا أن هناك نسبة من المسيحيين، ويحتفلون بأعيادهم الخاصة في هذا البلد كما يحتفل المسلمون بأعيادهم أيضًا، وما يهمنا في هذا المقام هو العادات والتقاليد الشعبية التي يمارسها المسلمون في عيدي الفطر والأضحى، فعلى صعيد سلطة الدولة في هذا البلد نجد أن العطلة الرسمية فيها تكون لمدة يومين بمناسبة عيد الفطر، في حين تكون عطلة عيد الأضحى يومًا واحدًا فقط، وفي هذه الأعياد تتجلى التقاليد الدينية جنبًا إلى جنب مع العادات الثقافية المحلية، في مظاهر احتفال تجمع بين الطقوس الرسمية (كالصلوات والخطب الدينية) والشعبية (كالزيارات العائلية والاحتفالات الاجتماعية)، وفيما يلي يمكن عرض خصوصية كل عيد من أعياد المسلمين في هذا البلد، على النحو الآتي:

عيد الفطر

يُعرَف محليًا بأنه عيد الإفطار، إذ يأتي بعد شهر رمضان المبارك، ويحتفل فيه المسلمون بانتهاء فترة الصيام، ويبدأ صباح العيد بالصلاة التي تُقام في المساجد والمصليات الجماعية ويرتدي فيها الناس أفضل ما لديهم من الثياب الجديدة، وبعد الصلاة، ينطلق الجميع للاحتفال ضمن أجواء عائلية ومجتمعية مبهجة. مظاهر الاحتفال بعيد الفطر تشمل:

_ صلاة العيد: يجتمع المسلمون صباح يوم العيد لأداء صلاة العيد جماعةً في الساحات أو المساجد الكبيرة، وعادةً ما يرتدون ثيابًا جديدة أو أنيقة لهذه المناسبة تعبيرًا عن الفرحة والاحترام للشعيرة.

_ الولائم والتجمعات: بعد الانتهاء من الصلاة وتبادل التهاني في المسجد، يعود الكثيرون إلى بيوتهم أو بيوت ذويهم لتناول وجبة إفطار العيد الكبيرة. وتُعَدُّ أطباق تقليدية خاصة بالمناسبة وحلويات محلية، ويتم تناولها في تجمع عائلي أو بين الأصدقاء والأقارب، مما يعزز جو المشاركة والاحتفال الجماعي، ويتميز المطبخ الجيبوتي في العيد بأطباق قد تشمل اللحوم المشوية والأرز المتبّل والمشروبات التقليدية بعد شهر من الصيام.

_ التزاور والهدايا: يُعدُّ التزاور بين الأقارب والجيران من أبرز عادات العيد في جيبوتي، حيث يتنقل الناس لزيارة أهلهم وتقديم التهاني، ويترافق ذلك مع تبادل الهدايا الرمزية وحلوى العيد، ويحظى الأطفال باهتمام خاص إذ يحصلون عادةً على العيدية (وهي مبلغ من المال أو هدايا صغيرة) لإدخال السرور إلى نفوسهم، رؤية الأطفال بثياب جديدة ويتنقلون بين بيوت العائلة للحصول على العيدية مشهد مألوف يضفي بهجة إضافية على الأجواء.

_ الاحتفالات الشعبية: بالإضافة إلى المظاهر الأسرية، تشهد بعض الأحياء والمجتمعات المحلية فعاليات احتفالية خلال أيام العيد، فقد تُقام، على سبيل المثال، عروض فنية وموسيقية ورقصات فلكلورية تعكس التراث الثقافي المحلي في جيبوتي، وهذه العروض والمهرجانات الصغيرة تضفي طابعًا مميزًا على الاحتفال، حيث يشارك الشباب والأطفال في أنشطة ترفيهية كالألعاب والمسابقات، وتُسمع تكبيرات العيد وأناشيده في هذه الأجواء الفرائحية.

_ القيم الاجتماعية: يحمل عيد الفطر في جوهره معاني التسامح وصلة الرحم والتضامن الاجتماعي، ويستغل الكثير من الجيبوتيين هذه المناسبة لإصلاح ذات البين وإنهاء الخصومات العائلية أو خلافات الجيران، حيث يسود الشعور بالمصالحة والتآخي بين الناس، كما يُنظر للعيد على أنه فرصة لشكر الله على إتمام عبادة الصيام، وتتجلى فيه مظاهر الشكر والتراحم من خلال تبادل التهنئة والدعاء بين أفراد المجتمع. وبذلك لا يكون عيد الفطر مجرد احتفال بنهاية الصوم، بل مناسبة اجتماعية ودينية لشحذ روح المجتمع بالتآلف والمحبة.

عيد الأضحى

عيد الأضحى يُسمى أيضًا عيد التضحية أو العيد الكبير، ويُعدُّ مناسبة دينية عظيمة للمسلمين في جيبوتي كما في سائر العالم الإسلامي، ويتم الاحتفال به رسميًا (عطلة وطنية) وشعبيًا بطقوس مميزة وروحانية عالية، أبرز مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى في جيبوتي تشمل:

_ يرتدي المسلمون في جيبوتي ملابسهم الجديدة أو أجمل ما لديهم.

_ الولائم والاجتماعات الأسرية: كما هو الحال في عيد الفطر، ويكون الاجتماع العائلي محوريًا في عيد الأضحى، بعد الانتهاء من ذبح الأضاحي وتوزيعها، يجتمع أفراد العائلة الممتدة عادةً في بيت كبير الأسرة أو مكان محدد لتناول وجبة العيد الجماعية، ويتم إعداد أطباق تقليدية خاصة بعيد الأضحى، وغالبًا ما تكون وفيرة باللحوم التي تم ذبحها. من الأطباق الشائعة في جيبوتي خلال العيد أطباق اللحم المشوي والمتبل مع الأرز أو الثريد (الخبز بالمرق)، إلى جانب تقديم القهوة والشاي بطقوسها المحلية، ويستغل أفراد الأسرة هذا التجمع لتبادل التهاني والتحديث في شؤونهم وتقوية الروابط الأسرية في جو من البهجة.

_ التصدّق والتكافل: الصدقة ركن أساسي في عيد الأضحى إلى جانب الأضحية. فإضافة إلى توزيع لحم الأضاحي على الفقراء، يحرص العديد من المسلمين على إخراج تبرعات مالية أو عينية خلال أيام العيد لمساعدة الأسر المحتاجة. وتنظم بعض الجمعيات الخيرية المحلية حملات خاصة في العيد لجمع التبرعات وتوزيع المواد الغذائية والملابس على الفقراء، مما يعزز قيم التضامن الاجتماعي في هذه المناسبة. كما تقوم المساجد بدور تنسيقي أحيانًا في إيصال تبرعات المقتدرين إلى مستحقيها بشكل منظم.

_ ارتداء الملابس الجديدة: كسائر المناسبات السعيدة، يُعدُّ ارتداء الجديد من الثياب من العادات الراسخة في عيد الأضحى. حيث يحرص الكثيرون على الظهور بملابس تقليدية جميلة أو ملابس عصرية جديدة في أثناء زيارة الأقارب وخلال الخروج للتنزه بعد الظهر والمساء، الملابس التقليدية في جيبوتي قد تشمل الجلباب والثوب للرجال، والفساتين المزخرفة والشالات المزينة للنساء، مما يضفي على العيد ألوانًا زاهية ومظاهر احتفالية مرئية في الشوارع.

_ الأجواء الاجتماعية والمعنى الروحي: يتميز عيد الأضحى في جيبوتي بأجوائه الروحانية العميقة التي تعزز الروابط الاجتماعية. فهو مناسبة لترسيخ مفهوم التضحية والعطاء؛ حيث يتشارك الناس في أداء الشعائر جماعيًا ويتقاسمون خيرات الأضاحي فيما بينهم، كذلك يُعدُّ العيد فرصة للتأكيد على وحدة المجتمع بغض النظر عن الفوارق الاقتصادية، إذ يجتمع الغني والفقير في مصلى واحد ويأكلون من الذبيحة نفسها. وتُقام لقاءات اجتماعية بعد الظهر والمساء بين الأصدقاء والجيران لتبادل التهاني، وربما تناول الشاي والقهوة مع الحلويات، مما يقوي أواصر المحبة والتآخي. باختصار، يعكس عيد الأضحى روح التكافل والتضامن في المجتمع الجيبوتي من خلال شعائره الجماعية وممارساته الخيرية.

تجدر الإشارة إلى أن جيبوتي بوصفها دولة ذات أغلبية مسلمة تحتفل أيضًا رسميًا بمناسبات إسلامية أخرى كذكرى المولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج ورأس السنة الهجرية، وجميعها عطلات رسمية بحسب التقويم الهجري، لكن يبقى عيدا الفطر والأضحى أهم عيدين من ناحية الحجم والمظاهر الاحتفالية.

الخاتمة:

من خلال عرض العادات والتقاليد العيدية في بعض مدن ساحل البحر الأحمر في ضفتيه الشرقية والغربية، يلاحظ أن هناك عادات تتشابه في معظم المدن، كالاهتمام بإدخال الفرحة في نفوس الأطفال من خلال شراء ملابس جديدة لهم، وإعطائهم العيدية، وصلة الأرحام، وزيارة كبير العائلة في كثير من هذه المدن، وأن تكون الحلويات ضمن متطلبات الأكلات العيدية، وزيارة مسقط الرأس في الأرياف والقرى، والحرص على اغتنام هذه الفرص لتجديد الألفة والمحبة بين المجتمعات؛ ولاشك أن عملية المواصلات وتيسرها بين هذه المدن والحركة الدائمة غير المستقرة بين هذه المدن وغيره من المدن المطلة على مياه البحار والمحيطات قد لعب دورًا في تناقل بعض العادات من بعضها بعض، ومع ذلك نجد بعض الخصوصيات لكل مدينة التي تتميز بها من تميز الشعب الذي تكون هذه المدينة أو تلك جزءًا منه، أو تميّز طبيعة التركيبة السكانية أو ما تشتمل عليه من جاليات وديانات عدَّة.

المراجع:

مجموعة مواقع في النت، متاحة على الشبكة العنكبوتية.

التنافس السعودي - الإيراني في السودان.. التداعيات الاستراتيجية على البحر الأحمر (2023-2025)


تحت راية ترامب.. الولايات المتحدة توازن بين العقوبات والتحالفات في الشرق الأوسط


البرهان في السعودية: محاولة لتسوية تناقضات السياسة الخارجية بعد انتصار الخرطوم


من الرهائن إلى الإرهاب: كيف تسيطر إيران على السياسة الأوروبية