بحوث ودراسات

الطائرات المسيرة (UAVs)..

تطور تقنيات الطائرات المسيرة (UAVs) وتأثيرها على الأمن والسلم الدوليين

تطور تقنيات الطائرات المسيرة (UAVs) وتأثيرها على الأمن والسلم الدوليين - اليوم الثامن

 الملخص 

تناولت الدراسة تطور الطائرات المسيرة (UAVs) وتأثيرها على الأمن والسلم الدوليين، حيث أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الاستراتيجيات العسكرية الحديثة، نظرًا لقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بدقة عالية وبتكلفة منخفضة. وأوضحت أن انتشارها عزز الحروب بالوكالة وساهم في تصعيد النزاعات، خاصة مع استخدامها من قبل المليشيات والجماعات غير الحكومية، مما زاد من عدم الاستقرار الأمني.

كما استعرضت الدراسة التنافس العالمي في تصنيع الطائرات المسيرة، حيث برزت الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا وإيران كأهم الدول المنتجة والمصدرة لهذه التكنولوجيا. وناقشت المخاطر المرتبطة بها، مثل صعوبة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وإمكانية استخدامها في الهجمات الإرهابية، إضافة إلى التحديات القانونية الناتجة عن غياب إطار دولي فعال لتنظيم انتشارها.

وأخيرًا، سلطت الدراسة الضوء على سباق التسلح في الشرق الأوسط، حيث تقود إيران وتركيا وإسرائيل تطوير الطائرات المسيرة، مما جعلها عاملًا رئيسيًا في النزاعات الإقليمية وأسهم في إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية في المنطقة.

الكلمات المفتاحية: الطائرات المسيرة (UAVs) ،الأمن والسلم الدوليين

 

Summary

The study examines the development of unmanned aerial vehicles (UAVs) and their impact on international security and peace. UAVs have become a key element in modern military strategies due to their high precision in reconnaissance and attack missions at a relatively low cost. The study highlights how their proliferation has intensified proxy wars and escalated conflicts, particularly with their use by militias and non-state actors, leading to increased security instability.

Additionally, the study explores global competition in UAV manufacturing, identifying the United States, China, Russia, Turkey, and Iran as the leading producers and exporters of this technology. It also discusses the associated risks, such as the difficulty in distinguishing between military and civilian targets, their potential use in terrorist attacks, and the legal challenges arising from the lack of an effective international framework to regulate their spread.

Finally, the study sheds light on the arms race in the Middle East, where Iran, Turkey, and Israel are at the forefront of UAV development. This has made UAVs a key factor in regional conflicts and contributed to reshaping the military balance of power in the region.

Keywords: UAVs, international security, peace.

المقدمة

في العصر الحديث، أصبحت الطائرات المسيرة (UAVs) من أكثر الأدوات العسكرية تأثيرًا في الحروب والصراعات الإقليمية والدولية، حيث تزايد استخدامها بشكل غير مسبوق في العقود الأخيرة. وقد تحوّلت هذه التقنية إلى عنصر أساسي في الاستراتيجيات العسكرية الحديثة نظرًا لقدرتها على تنفيذ عمليات استطلاعية وهجومية بدقة عالية وبتكلفة أقل مقارنة بالأسلحة التقليدية. ولم يقتصر استخدام الطائرات المسيرة على الجيوش النظامية فقط، بل امتد ليشمل الجماعات المسلحة والمليشيات والتنظيمات غير الحكومية، مما أدّى إلى تغير جذري في طبيعة النزاعات المسلحة وميزان القوى العسكرية في العديد من المناطق حول العالم.

في البداية، كانت الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين هي الرائدة في تطوير الطائرات المسيرة واستخدامها في الحروب والنزاعات الدولية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت دخول عدد من الدول الإقليمية، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، إلى سباق تصنيع وتصدير هذه الطائرات، مما أدّى إلى زيادة تعقيد المشهد الأمني العالمي. لقد أصبح انتشار الطائرات المسيرة عاملاً مؤثرًا في الصراعات بالوكالة، حيث ساهمت في دعم الفاعلين غير الحكوميين، الأمر الذي زاد من حدة التوترات الإقليمية وزعزع الاستقرار في مناطق مثل الشرق الأوسط وإفريقيا.

وتمثل هذه الدراسة محاولة لفهم التأثيرات الجيوسياسية والأمنية للطائرات المسيرة، خاصة عندما تصبح هذه التقنية متاحة للمليشيات والجماعات غير النظامية التي لا تلتزم بالقوانين الدولية ولا تخضع للمواثيق الأممية. إن تصدير الطائرات المسيرة إلى جهات غير حكومية أثار جدلًا واسعًا حول مدى خطورته على الأمن الإقليمي والدولي، حيث أصبحت هذه الطائرات وسيلة لشن هجمات دقيقة على أهداف عسكرية واقتصادية حساسة، كما أنّها تتيح لتلك الجهات شن عمليات بعيدة المدى دون الحاجة إلى قدرات عسكرية تقليدية متقدمة.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية لهذا البحث في دراسة التأثيرات الجيوسياسية والأمنية لانتشار الطائرات المسيرة، خاصة في ظل تزايد استخدامها من قبل مليشيات مسلحة وتنظيمات مشبوهة. يركز البحث على تحليل كيفية تأثير تصدير هذه التقنية على الاستقرار الإقليمي، وعلاقتها بتصعيد النزاعات، ودورها في إعادة تشكيل ميزان القوى العسكرية. كما يتناول البحث انعكاسات انتشار الطائرات المسيرة على العلاقات الدولية، حيث يمكن أن يؤدي استخدامها المتزايد إلى تصاعد التوترات بين الدول، وخلق تحديات جديدة أمام الأمن العالمي.

ومن خلال هذه الدراسة، سيتم البحث في العوامل التي ساهمت في انتشار الطائرات المسيرة، وكيفية تأثيرها على أمن الدول والمجتمعات، بالإضافة إلى استعراض سياسات الدول الكبرى في التعامل مع انتشار هذه التقنية، سواء عبر فرض قيود على تصديرها أو من خلال تطوير أنظمة مضادة للتصدي لها. كما ستتم مناقشة السيناريوهات المستقبلية المتعلقة بانتشار الطائرات المسيرة ومدى إمكانية ضبط استخدامها على المستوى الدولي.

وبناءً عليه، يسعى هذا البحث للإجابة على عدد من الأسئلة المحورية، أبرزها:

  • ماهية الطائرات المسيرة؟ ومراحل تطورها؟
  • كيف يساهم تصدير الطائرات المسيرة في تعزيز نفوذ المليشيات المسلحة والتنظيمات غير الحكومية؟
  • ما هي تداعيات انتشار الطائرات المسيرة على الاستقرار الإقليمي والعلاقات الدولية؟
  • ما هو دور الطائرات المسيرة في تعزيز استراتيجية "الحرب بالوكالة" بين الأطراف المتصارعة في المنطقة؟
  • كيف يمكن أن يؤدي انتشار الطائرات المسيرة إلى تصعيد الصراعات أو تغيير موازين القوى العسكرية؟
  • ما هي المخاطر الأمنية والسياسية التي قد تترتب على امتلاك الجهات غير النظامية لهذه التقنية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي؟

وتكمن أهمية هذا البحث في:

  1. تقديم فهم عميق لدور الطائرات المسيرة في النزاعات المسلحة الحديثة.
  2. تحليل المخاطر التي يترتب عليها انتشار هذه التقنية بيد الفاعلين غير الحكوميين.
  3. استكشاف السبل الممكنة للحد من تداعيات استخدام الطائرات المسيرة على الأمن الدولي.

فرضيات البحث

  1. انتشار الطائرات المسيرة يعزز من قوة ونفوذ الجماعات المسلحة في الدول غير المستقرة.
  2. استخدام الطائرات المسيرة يسهم في تصعيد الصراعات الإقليمية وإطالة أمدها.
  3. تصدير الطائرات المسيرة يؤثر على العلاقات الدولية ويساهم في إعادة تشكيل التحالفات العسكرية.
  4. عدم وجود تنظيم دولي فعال لمراقبة انتشار الطائرات المسيرة يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية.

منهجية البحث

دراسة وتحليل دور الطائرات المسيرة في النزاعات الإقليمية. واستنتاج تداعيات استخدام الطائرات المسيرة على الأمن الدولي، ومن ثم مقارنة تأثير الطائرات المسيرة في مناطق مختلفة مثل الشرق الأوسط وإفريقيا.

المبحث الأوّل:  الطيران المسير، مفهومه ومراحل تطوره: 

  1. مفهوم الطيران المسير
  2. مراحل تطور الطيران المسير([4])

هي طائرات تكون في العادة أصغر حجما من الطائرات العادية وهي تعتمد طرق طيران ودفع مختلفة فمنها ما يطير بأسلوب المنطاد ومنها ما هو نفاث ومنها ما يدفع عن طريق مراوح. اكتشاف الأهداف الجوية، على جميع الارتفاعات، وإنذار القوات. قيادة وتوجيه عمليات المقاتلات الاعتراضية. توفير المعلومات اللازمة لتوجيه الصواريخ أرض / جو([1])

الطيران المسير، أو الطائرات بدون طيار (UAVs)، هو نوع من الطيران الذي يتم بواسطة طائرات غير مأهولة، أي أنها لا تحتوي على طيار بشري على متنها. يتم التحكم في هذه الطائرات عن بُعد بواسطة جهاز تحكم أرضي أو تعمل بواسطة أنظمة آلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي. الطائرات المسيرة يمكن أن تُستخدم في العديد من المجالات مثل الأغراض العسكرية (مثل الاستطلاع، الهجوم، والمراقبة)، وكذلك في التطبيقات المدنية (مثل الزراعة، التصوير الجوي، والنقل). يعتمد الطيران المسير على تقنيات مثل أنظمة تحديد المواقع GPS وأجهزة الاستشعار لتوجيه الطائرات بشكل دقيق، مما يجعله أحد الأدوات الأكثر فعالية في العصر الحديث.

وتعد الطائرات بدون طيار (UAVs) واحدة من أبرز التطورات التكنولوجية في الحروب الحديثة، حيث لعبت دورًا محوريًا في تغيير موازين القوى في العديد من النزاعات العسكرية. تتميز هذه الطائرات بتكلفتها المنخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية، مما يسمح للدول والجماعات المسلحة باستخدامها لتنفيذ ضربات دقيقة وفعالة بأقل تكلفة بشرية ومادية. كما أن قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة عن بُعد، وتجنب المخاطر البشرية، يجعلها أداة استراتيجية حيوية. علاوة على ذلك، فقد غيَّرت الطائرات المسيرة المفهوم التقليدي للقوة العسكرية، إذ لم تعد الحروب تعتمد فقط على الأسلحة الثقيلة والجنود، بل أصبح التفوق التكنولوجي، مثل امتلاك هذه الطائرات، هو العنصر الحاسم في تحديد موازين القوى.

فقد حذرت المفوضية الأوروبية من مغبة استخدام تلك الطائرات المسيرة “درون” Drone  من قبل جماعات إرهابية لشن اعتداءات دموية في ظل التطور التقني السريع لتكنولوجيا الطائرات المسيرة. ويقول مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الأمنية: “الطائرات المسيرة تصير أكثر كفاءة وذكاء، ما يجعلها أكثر جاذبية للاستخدامات المشروعة، وكذلك أيضاً للأفعال العدائية”. يذكر انه منذ عام 2013 والاتحاد الأوروبي في صدد إنشاء مشروع تجريبي لمراقبة البحر الأبيض المتوسط بواسطة الطائرات بدون طيار وبإشراف المركز الألماني لأبحاث الطيران والفضاء.

وثمة الكثير من الأفكار لإدخال هذه الطائرات الآلية في تطبيقات عديدة، في مجالات الشرطة والدفاع المدني والإطفاء والإنقاذ من الكوارث، والمراقبة الأمنية للفعاليات الضخمة كالمظاهرات والحفلات الموسيقية في الهواء الطلق

لقد أصبحت الطائرات المسيّرة عن بعد Drone، خاصة تلك التي تستخدم للأغراض العسكرية، تشكل خطرا داهما بالنسبة لكثير من دول العالم أبرزها نوع “Switchblade، فإلى جانب استغلالها في جمع المعلومات من وراء حدود الدول، فهي قادرة أيضا على شن “هجمات انتحارية”.   ويكمن الخطر أيضا في صعوبة اكتشافها من قبل الرادارات التقليدية، خاصة الطائرات المسيرة الحديثة التي تتمتع بقدرات على التخفي(.([2]

أبرز استخدامات الطائرات المسيرة في المجال العسكري هي:

ـ الاغتيالات

ـ الاستطلاع والتجسس الفني.

ـ المراقبة اللحظية لأرض المعركة حيث تعطى صوراً فردية تمكن القائد من اتخاذ القرار المناسب.

ـ الحرب الإلكترونية

ـ مستودعات الإعاقة السلبية (chaff) أو صواريخ نشر الرقائق.

ـ مستودعات الإعاقة المزودة بالمشاعل الحرارية.

ـ مستودعات الإعاقة الإيجابية للتشويش على محطات الصواريخ والدفاع الجوي.

كشف الأهداف

  • بالنسبة لنيران المدفعية والكشف القصفي المدفعي في عمق الدفاعات وكشف نسبة الإصابة.
  • إعادة البث: بالنسبة لمحطات الإرسال.
  • أرصاد: في كشف درجة الحرارة والرياح والأعاصير.. الخ.
  • كما يمكن استخدامه كصاروخ موجه انتحاري في حالة فشل مهمته أو انتهاؤها أو وجود هدف حيوي لتدميره.
  • إنذار مبكر : تطلق من طائرات إي 2 هاوكي الطراز (E2C) في المناطق التي لا تستطيع طائرات أي 2 هاوكي كشفها وأيضاً يمكن استخدامها من طائرات الإف – 16، والإف – 15 وغيرهم[3]

أولا: البدايات الأوّلى (1940s - 1960s)

ظهرت أول طائرة دون طيار في إنجلترا عام 1917، حيث كانت تُستخدم كأداة تدريب للطائرات المقاتلة، إذ كانت الطائرات المسيرة في ذلك الوقت لا تتسم بالتطور التكنولوجي الكبير وكانت تُستخدم لأغراض محدودة. إلا أن بداية الاستخدام الفعلي للطائرات المسيرة في الحروب الحديثة بدأت خلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1917)، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا من بين أولى الدول التي استخدمتها في جيوشها. كانت هذه الطائرات تُستخدم بشكل أساسي في مهام الاستطلاع، وكانت تحلق لأوقات قصيرة جدًا وتُتحكم فيها بواسطة أجهزة بدائية.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ الاتحاد السوفياتي في استخدام الطائرات المسيرة أيضًا لأغراض عسكرية، وخاصة في التجارب والاختبارات الخاصة بتطوير أسلحة جديدة. على الرغم من أن هذه الطائرات كانت بدائية جدًا مقارنة بتلك التي نراها اليوم، إلا أنها شكلت بداية لاستخدام هذه التكنولوجيا في الحروب المستقبلية.

لقد أسهمت هذه التجارب المبكرة في ظهور المفاهيم الحديثة للطائرات المسيرة، ما أدى إلى تطورها السريع مع تقدم التكنولوجيا، ليصبح الطيران المسير جزءًا أساسيًا من استراتيجيات الحروب الحديثة في العقود التالية.[5]. توسع استخدام المسيَّرات في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) ثم في الحرب الكورية (1950 -1953) وخاصة في الأغراض التدريبية، واستمر تطويرها واستخدامها مطلع الستينيات.

ثانيا: التطور التقني (1970s - 1990s)

شهدت هذه الفترة تطورًا كبيرًا في التكنولوجيا المتعلقة بالطائرات المسيرة. بدأ استخدامها في العمليات العسكرية لا سيما في المراقبة الاستراتيجية وجمع المعلومات الاستخباراتية[6] ثم برزت الحاجة إليها بصورة كبيرة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الفيتنامية (1964 - 1972) حيث تم تنفيذ أكثر من 3400 طلعة جوية قتالية بطائرات دون طيار فوق شمال فيتنام والصين ومواقع أخرى في جنوب شرق آسيا([7]).

في الصراع العربي الإسرائيلي بين عامي 1978 و1982، كانت الطائرات المسيرة جزءًا مهمًا من العمليات العسكرية. استخدمت إسرائيل طائرة مسيرة من طراز     Tadiran Mastiff التي كانت تزن حوالي 90 كيلوغرامًا، وذلك لأغراض الاستطلاع والمراقبة. وكانت هذه الطائرات تُستخدم بشكل رئيسي في رصد وتحليل تحركات العدو، فضلاً عن تقديم دعم للمقاتلات الإسرائيلية لتحديد أهدافها بدقة.

من جهة أخرى، استخدم اللبنانيون صواريخ أرض-جو من طراز  SA-6 للتصدي للطائرات المسيرة الإسرائيلية، مما دفع إسرائيل إلى تصميم تكتيك استنزاف لتمويه أنظمة الدفاع الجوي اللبنانية. فقد كانت الطائرات المسيرة تُطلق بشكل متكرر في محاولة لإيهام الدفاعات الجوية اللبنانية بوجود هجوم واسع، مما دفعهم إلى إطلاق صواريخ على الطائرات المسيرة. هذا التكتيك أدَّى إلى استنزاف الذخيرة والموارد الدفاعية، بينما كانت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية تتمكن من الوصول إلى أهدافها بسهولة وأريحية.

ويُعد هذا الحدث بمثابة تحول كبير في دور الطائرات المسيرة، حيث أصبحت لا تقتصر على جمع المعلومات فقط، بل شملت أيضًا دورًا مهمًا في الخداع العملياتي والاستراتيجية. وأثبتت الطائرات المسيرة قدرتها على تغيير موازين القوة في المعارك من خلال استخدامها في استنزاف الدفاعات المعادية وفتح الطريق أمام الهجمات الفعالة.

في الثمانينات والتسعينات، تم إدخال أنظمة التحكم المتقدمة مثل الأقمار الصناعية ونظام GPS، مما سمح للطائرات المسيرة بالتحليق لمسافات أطول وأكثر دقة. كما شهدت هذه الفترة استخدام الطائرات المسيرة في مهام هجومية محدودة.

في التسعينات، بدأ التوسع في استخدام الطائرات المسيرة في مهام عسكرية حساسة، مثل الهجمات الدقيقة على أهداف استراتيجية.

ظهر استخدام الطائرات المسيرة بشكل جلي خلال حرب الخليج الثانية في عمليتَيْ "عاصفة الصحراء" و"درع الصحراء" (1990 - 1991)، حيث تم استخدام الطائرات المسيرة لأول مرة بشكل موسع في العمليات العسكرية كأداة رئيسية للمراقبة والاستطلاع في ساحة المعركة. كانت الطائرات المسيرة جزءًا من التكتيك العسكري الأمريكي المتطور، وتم استخدامها بشكل رئيسي من قبل قيادة القوات البحرية ومشاة البحرية الأمريكية (المارينز).

استخدمت القوات الأمريكية الطائرة المسيرة من طراز RQ-2A Pioneer، وهي طائرة مسيرة متوسطة الحجم كانت مجهزة بأنظمة للمراقبة والاستطلاع. كانت مهمة هذه الطائرات هي جمع المعلومات الاستخباراتية عن تحركات العدو، رصد الأهداف، وتقديم الدعم اللوجستي والميداني خلال العمليات العسكرية. كما كانت تُستخدم في عمليات التوجيه البحري من خلال توفير بيانات حية للمقاتلات والطائرات الهجومية في المعركة، مما عزز من دقة الهجمات.

وكان نظام RQ-2A Pioneer واحدًا من أولى الطائرات المسيرة التي أثبتت فعاليته في العمليات الحربية الحديثة. وقد ساعد هذا النظام في تحسين قدرة القوات الأمريكية على مراقبة ساحة المعركة بشكل مستمر، مما جعلها أكثر قدرة على الاستجابة السريعة للتطورات الميدانية. كما سمح بزيادة دقة الهجمات البحرية والميدانية في مناطق صعبة الوصول أو ذات الدفاعات الجوية القوية.

يُعد هذا الاستخدام للطائرات المسيرة نقطة تحول في العمليات العسكرية، حيث تم الاعتماد على هذه الطائرات في مجالات الاستطلاع والمراقبة بشكل أساسي، مما أرسى الأسس لاستخدام هذه الطائرات بشكل أكبر في الحروب المستقبلية[8]

فيما يلي بعض المراحل البارزة في استخدام الطائرات المسيرة على مدار الـ20 عاما الماضية: إليك النص مصححًا ومختصرًا:

في عام 1991 بدأت الطائرات المسيرة في الاستخدام العسكري أثناء حرب الخليج الأولى، حيث استخدم الجيش الأمريكي طائرات "بايونير" للمراقبة، بما في ذلك التحليق في دوريات جوية على الحدود السعودية الكويتية.

وفي عام 1993 فاشترت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خمس طائرات مسيرة من طراز "Gnat" لاستخدامها في مراقبة تحركات القوات الصربية خلال حروب البلقان. وكان "Gnat" هو النموذج الأولي للطائرات المسيرة التي ستصبح لاحقًا طائرات "بريديتور".

وفي عام2001 شهدت طائرة "بريديتور" تطورًا ملحوظًا عندما تم تزويدها بصواريخ. استخدمت الطائرة في محاولة فاشلة لاغتيال القائد الأعلى لطالبان، الملا محمد عمر.

وفي عام 2002 استخدمت الولايات المتحدة طائرة "بريديتور" لاستهداف مجموعة في أفغانستان، وكان يعتقد أن أحدهم هو أسامة بن لادن، لكن الهدف كان خاطئًا.

وفي الفترة من 2008-2016: في فترة رئاسة أوباما، شنت الولايات المتحدة 563 هجومًا بالطائرات المسيرة في باكستان والصومال واليمن. أسفرت الهجمات عن مقتل ما بين 384 و807 مدنيين.

 وفي عام  2017: في عهد ترامب، تم تخفيف القيود على استخدام الطائرات المسيرة، مما سمح بتنفيذ هجمات خارج ساحات القتال المعتادة. شنت الولايات المتحدة ما بين 114 و124 هجومًا في اليمن و18-30 هجومًا في الصومال.

وفي عام 2018: أعلن الرئيس الروسي بوتين عن تطوير طائرة مسيرة نووية عابرة للقارات، أطلق عليها اسم "بوسيدون"، لتوجيه ضربات نووية

وفي يناير 2020: استهدفت الولايات المتحدة الجنرال الإيراني قاسم سليماني بطائرة مسيرة في بغداد، مما أدى إلى مقتله مع تسعة آخرين، بينهم أبو مهدي المهندس.[9].

ثالثا: التوسع في الاستخدامات (2000 – 2010)

أصبحت الطائرات المسيرة أداة رئيسية في الحروب الحديثة، حيث تم استخدامها بشكل متزايد في العمليات العسكرية التي تتطلب دقة عالية في التنفيذ. استخدمتها القوات العسكرية بشكل رئيسي في الاستطلاع، المراقبة، والضربات الجوية الدقيقة. ساعدت الطائرات المسيرة في تقليل المخاطر البشرية أثناء العمليات العسكرية من خلال تنفيذ مهام خطرة كالمراقبة المباشرة لمواقع العدو أو تنفيذ هجمات دقيقة على أهداف محددة. أحد أبرز الأمثلة على ذلك كان في الحروب في أفغانستان والعراق، حيث تم استخدام الطائرات المسيرة مثل MQ-1 PredatorوMQ-9 Reaperفي عمليات الاستطلاع والهجمات.

في هذه الفترة، شهدت الطائرات المسيرة التجارية أيضًا تطورًا كبيرًا. دخلت الطائرات المسيرة مجال التصوير الجوي بشكل واسع، حيث أصبح استخدامها شائعًا في صناعة الأفلام، تصوير الأحداث الرياضية، والمسح الجوي. كما تم استخدامها في التوصيل، حيث بدأت شركات مثل أمازون في اختبار الطائرات المسيرة كوسيلة لنقل الطرود، مما ساعد على تحسين سرعة وكفاءة خدمات التوصيل.

بالإضافة إلى ذلك، توسعت التطبيقات البيئية للطائرات المسيرة، حيث أصبحت تُستخدم في المراقبة البيئية، مثل مراقبة الغابات، الأنهار، والمحيطات لمتابعة التغيرات البيئية والأنشطة غير القانونية مثل الصيد الجائر أو قطع الأشجار. كما كانت تُستخدم في رصد التلوث والظواهر الطبيعية مثل الأعاصير والزلازل.

هذه الاستخدامات التجارية والبيئية للطائرات المسيرة مهدت الطريق لمزيد من الابتكارات في السنوات التالية، مما جعلها أداة ذات إمكانات كبيرة في مختلف المجالات

ثالثا: التوجهات الخطيرة لما بعد(2014)

يشهد الطيران المسير في السنوات الأخيرة تطورًا سريعًا في العديد من المجالات التقنية، مما يعزز من استخداماته المتنوعة في المستقبل. هذه بعض أبرز التوجهات المستقبلية للطائرات المسيرة:

  • الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية:

في الوقت الحالي، يتطور الطيران المسير بشكل ملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الطائرات المسيرة قادرة على العمل بشكل شبه مستقل بفضل تقنيات القيادة الذاتية. هذه الطائرات تستخدم الذكاء الاصطناعي لمعالجة المعلومات الميدانية واتخاذ القرارات بشكل فوري دون الحاجة إلى تدخل بشري. يمكن لهذه الطائرات التعرف على الأهداف، تجنب العقبات، وتحسين أداء المهام بناءً على البيانات التي تجمعها في الوقت الفعلي. هذا التقدم يعزز قدرة الطائرات المسيرة على العمل في بيئات معقدة ومتنوعة بشكل فعال وآمن.

التوسع في استخدامات النقل:

من المتوقع أن تشهد الطائرات المسيرة زيادة كبيرة في استخدامات النقل. قد تصبح الطائرات المسيرة وسيلة فعالة في نقل البضائع عبر المسافات الطويلة أو في المناطق التي يصعب الوصول إليها باستخدام وسائل النقل التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، هناك توقعات بتطوير الطائرات المسيرة لنقل الأشخاص في المستقبل القريب، خاصة في المدن الذكية أو المناطق ذات الكثافة السكانية العالية حيث يمكن أن توفر حلولًا مبتكرة للنقل السريع والآمن.

  • تحسين تقنيات البطاريات:

مع زيادة الطلب على الطائرات المسيرة في المجالات المختلفة، سيتم التركيز بشكل أكبر على تحسين تقنيات البطاريات لزيادة مدى الطيران وقدرتها على تنفيذ المهام الطويلة. سيؤدي تحسين كفاءة البطاريات إلى تقليل وقت الشحن وزيادة القدرة على العمل لفترات أطول، مما يعزز من استخدام الطائرات المسيرة في مهام متعددة مثل مراقبة الحدود، النقل، والتصوير.

  • دمج الطائرات المسيرة مع التقنيات الحديثة:

من المتوقع أن تتكامل الطائرات المسيرة مع تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي في المستقبل، مما سيفتح آفاقًا جديدة في العديد من المجالات. في الطب، يمكن أن تُستخدم الطائرات المسيرة في نقل الإمدادات الطبية، مثل الأدوية والمعدات الطبية إلى المناطق النائية أو أثناء الكوارث الطبيعية. أما في المجالات العلمية، يمكن استخدامها في مراقبة البيئات القاسية، مثل المحيطات أو الفضاء، أو في الأبحاث البيئية المتعلقة بالتغير المناخي.

هذه الاتجاهات المستقبلية تشير إلى أن الطائرات المسيرة ستلعب دورًا حاسمًا في تشكيل مستقبل النقل، البحث، والاستجابة الطارئة في مختلف المجالات، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية العالمية في السنوات القادمة.

  1. أنواع الطائرات المسيرة (UAVs)

تتنوع الطائرات المسيرة حسب الحجم، الاستخدام، والوظائف التي تؤديها. وفيما يلي أبرز الأنواع المستخدمة في مختلف المجالات:

  1. الطائرات المسيرة الصغيرة (Mini UAVs / Micro UAVs)

 الطائرات المسيرة الصغيرة تكون بحجم صغير للغاية، عادة ما تكون بحجم اليد أو أصغر. بعض الطائرات المسيرة المصممة خصيصًا للاستخدام الشخصي أو المدني قد تزن أقل من 500 جرام، مما يجعلها سهلة الحمل ويمكن نقلها بسهولة في حقيبة صغيرة أو حتى في الجيب.

وتُستخدم هذه الطائرات بشكل أساسي في مهام الاستطلاع والمراقبة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها أو حيث يكون هناك حاجة لتغطية سريعة ومساحات ضيقة. على سبيل المثال، يمكن استخدامها في مراقبة الأماكن المزدحمة مثل المدن أو في البيئات الطبيعية التي يصعب الوصول إليها من خلال وسائل النقل التقليدية، وتُستخدم الطائرات المسيرة الصغيرة بشكل شائع في التصوير الجوي، سواء للمشاريع التجارية مثل تصوير الأفلام والمناسبات، أو للأغراض الشخصية. وتوفر هذه الطائرات القدرة على الحصول على لقطات جوية مذهلة من زوايا يصعب الحصول عليها باستخدام الطائرات التقليدية أو من دون طيار.

وتعدّ الطائرات المسيرة الصغيرة مثالية في رصد الأهداف في المناطق الحضرية أو المساحات الضيقة حيث يصعب للطائرات الأكبر حجمًا التحليق. ويمكن استخدامها لمراقبة الأحداث الحية، مثل المظاهرات أو التجمعات، أو لمهام التوثيق في الأماكن ذات التضاريس المعقدة، مثل المدن القديمة أو المعمارية.

وفي السياقات العسكرية، قد تُستخدم الطائرات الصغيرة للمراقبة في ساحة المعركة، حيث تساعد القوات في جمع المعلومات الاستخبارية من المسافات القريبة. كما يمكن استخدامها لاستكشاف المناطق المعقدة في الحروب أو النزاعات.

وتتميز الطائرات المسيرة الصغيرة بكونها خفيفة الوزن، مما يسهل نقلها وتشغيلها. يمكن للطيار استخدامها بسهولة عبر جهاز تحكم عن بُعد أو حتى عبر تطبيقات الهواتف الذكية. كما يمكن للطائرات الصغيرة أن تحلق بسرعة وبدقة، ما يجعلها أداة قوية لتغطية المناطق الضيقة والبعيدة.

ومن مميزاتها سهولة الوصول للمناطق الصعبة بما أن حجم هذه الطائرات صغير، فإنها تستطيع الوصول إلى الأماكن التي يصعب للطائرات الكبيرة أو الطائرات المأهولة الوصول إليها. ويمكنها الطيران بين المباني أو داخل الأماكن المغلقة، مما يفتح مجالات جديدة لاستخدامها في استكشاف المناطق الحضرية أو المراقبة الدقيقة في البيئات التي يصعب الوصول إليها.

وكذلك تكلفتها منخفضة مقارنة بالطائرات الأكبر حجماً، فإن الطائرات المسيرة الصغيرة تعتبر أكثر اقتصاديةويمكن شراؤها بسهولة من قبل الأفراد أو المؤسسات الصغيرة التي تحتاج إلى قدرات مسيرة دون الحاجة إلى ميزانية ضخمة. كما أن تكاليف الصيانة والتشغيل أقلّ بكثير.

  1. الطائرات المسيرة التكتيكية (Tactical UAVs)
    1.  الولايات المتحدة الأمريكية 

الطائرات المسيرة التكتيكية أكبر حجمًا من الأنواع الصغيرة مثل Mini UAVs  أو Micro UAVs، لكنها لا تزال تعتبر خفيفة الوزن نسبيًا مقارنة بالطائرات المسيرة الأكبر مثل HALE UAVs  أو MALE UAVs.  وهذا الحجم يتيح لها القدرة على المناورة في البيئات المعقدة مع الحفاظ على قوة التحمل والقدرة على حمل المعدات التقنية المتقدمة.

وتُستخدم الطائرات المسيرة التكتيكية بشكل رئيسي في مهام الاستطلاع التكتيكي داخل العمليات العسكرية أو الأمنية. فهي تُستخدم لتوفير معلومات استخباراتية حيّة عن تحركات العدو، ودعم القوات العسكرية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

  • المراقبة في مناطق القتال
  • الدعم التكتيكي للقوات:
  • الاستخبارات والمراقبة والموافقة (ISR):

ومن المزايا التي تتصف بها:

  • مرونة في التحليق على ارتفاعات متوسطة:
  • التصميم القابل للنقل:
  • التكلفة الاقتصادية:
  • القدرة على تنفيذ المهام المعقدة 

أمثلة:

  • RQ-7 Shadow: طائرة مسيرة من شركة AAI Corporation، تعتبر واحدة من الطائرات التكتيكية الشهيرة المستخدمة في الاستطلاع التكتيكي.  تتميز بقدرتها على التحليق لفترات طويلة (تصل إلى 6 ساعات) وتزويد القوات العسكرية بمعلومات استخباراتية دقيقة في الوقت الفعلي. يتم إطلاق هذه الطائرة من منصة محمولة، مما يجعلها مثالية للاستخدام في ساحة المعركة المتغيرة بسرعة.
  • Wasp III: طائرة مسيرة صغيرة ولكنها فعالة، تم تصميمها لأداء مهام الاستطلاع والمراقبة في ساحة المعركة. تتمتع بقدرة على التحليق على ارتفاعات متوسطة وتحمل أنظمة تصوير متطورة، مما يجعلها مثالية لجمع المعلومات الاستخبارية عن العدو في العمليات العسكرية التكتيكية. يتم استخدامها بشكل رئيسي من قبل القوات الخاصة أو في العمليات الأمنية المحدودة.

ج) الطائرات المسيرة متوسطة الارتفاع (Medium Altitude Long Endurance - MALE UAVs)

الطائرات المسيرة من نوع  MALE UAVs أكبر من الطائرات التكتيكية Tactical UAVs، ولكنها لا تزال أصغر من الطائرات المسيرة عالية الارتفاع HALE UAVs. تم تصميم هذه الطائرات لتكون قادرة على الطيران على ارتفاعات متوسطة (من 3,000 إلى 10,000 متر) مما يمنحها القدرة على تغطية مساحات واسعة من الأرض دون أن تكون معرضة لخطر الدفاعات الجوية في معظم الحالات.

ومن أبرز الاستخدامات التي تقوم بها هذا النوع من الطائرات:

  • الاستطلاع والمراقبة على ارتفاعات متوسطة:
  • العمليات العسكرية والاستخباراتية:
  • المراقبة الاستراتيجية طويلة المدى:

المزايا:

  • توازن جيد بين المدى والمدى الطويل.
  • القدرة على الطيران لفترات طويلة.
  • القدرة على حمل معدات متنوعة.
  • أداء جيد في العمليات الاستخباراتية العسكرية.

أمثلة:

  •  MQ-1 Predator: تُعد   MQ-1 Predator من أشهر الطائرات المسيرة في فئة  MALE UAVs. تم تطويرها من قبل جنرال أتوميكس لصالح القوات الجوية الأمريكية. استخدمت هذه الطائرة بشكل واسع في العمليات العسكرية، بما في ذلك الحروب في أفغانستان والعراق. تتميز بقدرتها على حمل صواريخ هيلفاير، مما يجعلها قادرة على تنفيذ هجمات دقيقة ضد أهداف أرضية بينما تقوم في الوقت نفسه بمراقبة واسعة النطاق. كانت  MQ-1 Predator أيضًا من أولى الطائرات التي استخدمتها القوات الأمريكية في عمليات القتل المستهدف.
  • MQ-9 Reaper: MQ-9 Reaper  هي تطوير للطائرة MQ-1 Predator، وتعد من الطائرات الأكثر شهرة في فئة MALE UAVs.  تمتاز بقدرتها على حمل حمولة أكبر من الصواريخ والقنابل، مما يجعلها مناسبة ليس فقط للمهام الاستطلاعية، بل أيضًا الهجومية. تعمل هذه الطائرة على ارتفاعات متوسطة ولها القدرة على الطيران لساعات طويلة تصل إلى 27 ساعة. تستخدمها القوات الجوية الأمريكية والقوات المسلحة الأخرى بشكل أساسي في عمليات مكافحة الإرهاب والمراقبة على الحدود.

تعد الطائرات المسيرة  MALE UAVs من الأدوات الأساسية في الاستطلاع والمراقبة العسكرية الحديثة بفضل قدرتها على التحليق على ارتفاعات متوسطة لفترات طويلة وتغطية مساحات شاسعة. بفضل هذه المزايا، تظل الطائرات مثل MQ-1 Predator  و  MQ-9 Reaper من الخيارات الرئيسية في العمليات العسكرية والاستخباراتية الدقيقة.

د) الطائرات المسيرة عالية الارتفاع (High Altitude Long Endurance - HALE UAVs)

الطائرات المسيرة من نوع HALE UAVs هي الأكبر حجمًا بين أنواع الطائرات المسيرة الأخرى. يتم تصميم هذه الطائرات لتكون قادرة على التحليق على ارتفاعات عالية جدًا، تتجاوز 15,000 متر، مع نطاق طويل للغاية يسمح لها بالبقاء في الجو لفترات تمتد إلى عدة أيام. هذا الحجم الكبير يوفر لها القدرة على حمل معدات استشعار وأجهزة إلكترونية متطورة، مما يزيد من فعاليتها في جمع البيانات.

الاستخدامات:

  • الاستطلاع والمراقبة عالية الارتفاع
  • الاستطلاع طويل المدى
  • استخبارات استراتيجية

المزايا:

  • القدرة على تغطية مساحات واسعة
  • التحليق على ارتفاعات عالية
  • البقاء في الجو لفترات طويلة:
  • الاستخدام في مهام الاستخبارات والمراقبة الاستراتيجية

أمثلة:

  •  Global Hawk هي واحدة من أشهر الطائرات المسيرة عالية الارتفاع في فئة  HALE UAVs. تم تصميمها من قبل شركة نورثروب جرومان، وهي قادرة على التحليق على ارتفاعات تصل إلى 20,000 متر، مما يسمح لها بمراقبة مساحات واسعة جدًا. تم استخدامها من قبل القوات الجوية الأمريكية في مهام الاستطلاع والمراقبة الاستراتيجية في مناطق النزاع مثل أفغانستان والعراق.

Global Predator B (MQ-9 Reaper):
على الرغم من أن  Predator B (أو MQ-9 Reaper)  يُستخدم أيضًا في فئة الطائرات المسيرة المتوسطة الارتفاع (MALE UAVs)، فإنه يتم تصنيفه ضمن الطائرات المسيرة عالية الارتفاع في بعض الأحيان بسبب قدرته على التحليق على ارتفاعات عالية نسبياً. ويُستخدم بشكل أساسي في المهام القتالية وال استهداف الدقة عبر إطلاق الصواريخ، بالإضافة إلى دوره في جمع البيانات الاستخباراتية.

ه) الطائرات المسيرة الهجومية (Combat UAVs)

الطائرات المسيرة الهجومية هي الأكبر حجمًا بين الأنواع المختلفة للطائرات المسيرة. تصميم هذه الطائرات يجعلها قادرة على حمل أنظمة تسليح متقدمة تشمل الصواريخ والذخائر الموجهة، بالإضافة إلى أنظمة الاستشعار الدقيقة التي تساعد في توجيه الضربات بدقة عالية. وتعتبر هذه الطائرات من الأدوات الأساسية في العمليات العسكرية الحديثة، حيث تدمج بين المهام الاستطلاعية والهجومية.

الاستخدامات:

  • الضربات الجوية الدقيقة
  • الهجوم المباشر
  • توجيه الضربات دون تعريض الطيارين للخطر

المزايا:

  • القدرة على إتمام مهام القصف الدقيق:
  • تقليل المخاطر البشرية
  • التكلفة التشغيلية المنخفضة:
  • القدرة على التحليق لفترات طويلة

أمثلة:

  • MQ-9 Reaper: هو أحد أبرز الطائرات المسيرة الهجومية التي استخدمتها القوات الجوية الأمريكية. تم تطويره من قبل جنرال أتوميكس، وهو يتميز بقدرة عالية على التحليق على ارتفاعات متوسطة وطويلة، ويُعتبر من أكثر الطائرات المسيرة استخدامًا في الضربات الجوية الدقيقة. مزود بأسلحة متطورة مثل صواريخ هيلفاير وقنابل موجهة، تم استخدامه في الحروب الحديثة مثل أفغانستان والعراق، حيث استطاع تنفيذ هجمات دقيقة ضد الأهداف البرية للعدو.
  • Heron TP: هو طراز الطائرة المسيرة الهجومية التي تم تطويرها من قبل شركة إيروفلوت الإسرائيلية. تستخدمها إسرائيل في المهام الاستخباراتية والهجومية. يمكن للطائرة أن تحمل مجموعة واسعة من الأنظمة الاستشعارية وأسلحة دقيقة مثل الصواريخ الموجهة، مما يسمح لها بتنفيذ ضربات هجومية موجهة ضد أهداف محددة بدقة عالية

و) الطائرات المسيرة البحرية (Naval UAVs)

تتفاوت أحجام الطائرات المسيرة البحرية من الصغيرة إلى المتوسطة، مما يسمح لها بالتحليق على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة وتغطية مناطق شاسعة بحرًا. تتميز هذه الطائرات بأنها خفيفة الوزن بما يكفي لتعمل من منصات بحرية مثل السفن الحربية، ولكنها أيضًا قوية بما يكفي للقيام بمهمات بحرية معقدة.

الاستخدامات:

  • المراقبة البحرية
  • الكشف عن الغواصات:
  • دعم العمليات العسكرية البحرية
  • مراقبة الأمن البحري

المزايا:

  • تحسين قدرة السفن الحربية والطائرات البحرية:
  • مرونة عالية
  • تقليل المخاطر البشري
  • إمكانية العمل في ظروف قاسية: 

أمثلة:

  • ScanEagle: هي واحدة من أشهر الطائرات المسيرة البحرية، وتستخدمها القوات البحرية الأمريكية بالإضافة إلى العديد من القوات البحرية الأخرى حول العالم. تتميز  ScanEagle بحجمها الصغير جدًا الذي يجعلها قابلة للإطلاق من منصات بحرية صغيرة دون الحاجة إلى مهبط طائرات كبير. وهي مزودة بأنظمة استشعار متقدمة مثل الكاميرات عالية الدقة والرادارات، مما يتيح لها أداء مهام الاستطلاع والمراقبة في البحر بدقة كبيرة.
  • RQ-8 Fire Scout  هي طائرة مسيرة بحرية أخرى تم تطويرها من قبل شركة Northrop Grumman، وتستخدم من قبل البحرية الأمريكية. يتم إطلاق Fire Scout من منصات بحرية مثل السفن الحربية، ويمكن استخدامها في مهام الاستطلاع والمراقبة على البحر وكذلك في إطلاق الضربات الهجومية بدقة. كما يمكنها أيضًا دعم عمليات البحث والإنقاذ البحرية وتقديم المساعدة في مهام دعم العمليات العسكرية.

ز) الطائرات المسيرة المدنية (Commercial UAVs)

الحجم: الطائرات المسيرة المدنية تتفاوت أحجامها من الصغيرة إلى المتوسطة، ما يجعلها قابلة للاستخدام في مجموعة واسعة من التطبيقات. تكون هذه الطائرات عادة خفيفة الوزن وسهلة التشغيل، مما يسمح باستخدامها في بيئات متنوعة دون الحاجة إلى طاقم متخصص أو بنية تحتية معقدة.

الاستخدامات:

  • التصوير الجوي
  • في مجال الزراعة، تساعد الطائرات المسيرة في مراقبة المحاصيل، واستخدام الكاميرات متعددة الطيف لمراقبة صحة النباتات وتحديد المناطق التي تحتاج إلى رعاية خاصة. يمكن أيضًا استخدامها لرش المبيدات والأسمدة بشكل دقيق، مما يساعد في زيادة كفاءة الإنتاج الزراعي وتقليل الهدر.
  • تلعب الطائرات المسيرة دورًا هامًا في مراقبة البيئة، مثل مراقبة الغابات، وقياس التلوث، ومراقبة الحياة البرية. يمكن للطائرات المسيرة التقاط بيانات بيئية حيوية دون الحاجة إلى إرسال فرق ميدانية، مما يساعد في فهم التغيرات البيئية بسرعة ودقة.

المزايا:

  • مرونة وكفاءة:
  • تكلفة منخفضة
  • دقة وموثوقية
  • القدرة على الوصول إلى الأماكن الصعبة:

أمثلة:

  •  DJI Phantom:هي واحدة من أشهر الطائرات المسيرة في السوق المدنية. تتميز هذه الطائرات بقدرتها على التصوير الجوي عالي الدقة والفيديوهات الممتازة. تتميز بوجود تقنيات مدمجة مثل التثبيت البصري للكاميرا، مما يسمح بتسجيل صور ثابتة وواضحة من الجو. DJI Phantom يستخدم على نطاق واسع في التصوير الفوتوغرافي، والأفلام، والمراقبة البيئية.
  • Parrot Anafi: هي طائرة مسيرة مدنية أخرى توفر تصويرًا جويًا عالي الجودة، مع قدرات تصوير( 4 (K وتثبيت الصورة. تتميز بقدرتها على التحليق في أماكن ضيقة بفضل حجمها الصغير، مما يجعلها مثالية للتصوير داخل المدن أو المواقع الصغيرة. يتم استخدامها في التحقيقات الأمنية، ومراقبة الحياة البرية، وفي التحليل البيئي.

ح)  الطائرات المسيرة المتعددة الوظائف (Hybrid UAVs)

الطائرات المسيرة المتعددة الوظائف عادة ما تكون متوسطة إلى كبيرة الحجم. هذا الحجم يتيح لها القدرة على التحليق لمسافات طويلة وتحمل أحمال ثقيلة مقارنة ببقية أنواع الطائرات المسيرة الأخرى.

الاستخدامات:

  • الطائرات المسيرة المتعددة الوظائف يمكن استخدامها في المهام الاستخباراتية والاستطلاع العسكري، حيث تجمع بين القدرة على التحليق العمودي والقدرة على الطيران لمسافات طويلة بأداء أفقي. هذه الطائرات تمكن القوات من إجراء مراقبة في أماكن صعبة الوصول، خاصة في المناطق الحضرية أو التضاريس الوعرة.
  • النقل والإمداد:  بفضل القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي، يمكن للطائرات المسيرة المتعددة الوظائف استخدامها في نقل البضائع والأفراد إلى مناطق يصعب الوصول إليها باستخدام وسائل النقل التقليدية. هذا يشمل المناطق الوعرة أو المناطق المحاصرة في الحروب أو الكوارث الطبيعية.
  • الدعم اللوجستي:  بفضل خصائصها التي تجمع بين الطيران العمودي والأفقي، يمكن لهذه الطائرات أن توفر الدعم اللوجستي في البيئات العسكرية أو في مهام الإغاثة، من خلال إيصال الإمدادات إلى مواقع نائية أو حيوية.
  • التطبيقات المدنية: في مجالات مثل الإنشاءات أو الاستكشاف البيئي، يمكن استخدام الطائرات المسيرة المتعددة الوظائف لأغراض مثل نقل المعدات الثقيلة أو مراقبة العمليات في مواقع العمل. هذه الطائرات تقدم مزايا كبيرة في مراقبة وحفظ البيانات في الأماكن التي يصعب الوصول إليها.

المزايا:

  • القدرة على العمل في بيئات متنوعة
  • مرونة في المهام
  • توفير الوقت والموارد
  • قدرة على التحليق لمسافات طويلة:

أمثلة:

  • V-22 Osprey: هو مثال رائع على الطائرات المسيرة المتعددة الوظائف. يتميز بقدرته على الإقلاع والهبوط عموديًا بفضل مراوحه القابلة للتحول، ثم يمكنه التحليق أفقيًا مثل الطائرات التقليدية. يتم استخدام Osprey في العمليات العسكرية لنقل القوات والإمدادات إلى مناطق صعبة الوصول أو المناطق النائية. كما يتميز بقدرته على نقل المعدات الثقيلة عبر المسافات الطويلة.
  • Bell V-280 Valor: هو طائرة مسيرة هجينة أخرى تم تطويرها من قبل شركة Bell Helicopter في إطار مشروع الجيش الأمريكي لتطوير طائرات هجينة جديدة. مثل Osprey، يمكن لـ V-280 Valor  الإقلاع والهبوط عموديًا، ثم التحليق بسرعة أفقيًا لمسافات طويلة. الطائرة تم تصميمها لدعم العمليات العسكرية المعقدة حيث يمكنها نقل الجنود والمعدات بسرعة وبدون الحاجة للبنية التحتية التقليدية مثل المطارات.

تختلف أنواع الطائرات المسيرة باختلاف المهام والاحتياجات، من الطائرات الصغيرة المستخدمة في الأغراض المدنية إلى الطائرات العسكرية الكبيرة المستخدمة في الهجوم والمراقبة. ومع تطور التكنولوجيا، فإن التنوع في أنواع الطائرات المسيرة يتزايد لتلبية احتياجات مجالات متعددة، سواء في الحروب أو الصناعات المدنية.

المبحث الثاني: أهم الدول المصنِّعة للمسيَّرات

لا يكفي توفُّر المواد الأولية في عملية صناعة المسيرات، حيث هناك حاجة إلى امتلاك التكنولوجيا والتطوير العلمي، لذلك تفوَّقت بصناعتها وتطويرها وإنتاجها دول عظمى، أهمها الولايات المتحدة والصين وروسيا المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وتبعتها مجموعة واسعة من الدول أهمها إسرائيل وتركيا والهند وإيران.. 

من أشهر الطائرات المسيَّرة الأمريكية  MQ-9 Reaper وهي طائرة مسيَّرة هجومية قاذفة للصواريخ، تُستخدم في سلاح الجو الأمريكي والبريطاني، شاركت في معارك أفغانستان وفي اليمن، ويُعتقَد أنها التي نفذت في 2020 غارات على مطار بغداد الدولي أدت لمقتل قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، وطائرة  MQ-4 Global Hawk  وهي مسيَّرة هجومية ذاتية القيادة، تتميز بأجهزة الرادار وأجهزة الاستشعار المحسَّنة، وطائرة  MQ-20 Avenger  وهي مسيَّرة قتالية، تتميز بمحرِّكاتها النفّاثة، والقدرة العالية على التحمُّل والمناورة الجوية، وحمل أوزان من القنابل تصل إلى نصف طن، وطائرة  Switchblade وهي مسيَّرة انتحارية خفيفة، قابلة للحمل على الظهر، تحمل رأساً متفجراً وقادرة على استشعار أهدافها. 

أكد الجيش الأمريكي علنا وللمرة الأولى وجود الطائرات الموجهة عن بعد ـ المصطلح العسكري للطائرات بدون طيار – في معسكر ” ليمونيير” Lemonier  في جيبوتي USAFROCOM وقالوا إنها تدعم “مجموعة واسعة من المهام الأمنية الإقليمية.”  وفقا لتقديرات الواشنطن بوست فان عمليات طائرة بدون طيار سوف تستمر. وما يؤكد ذلك هو ما اوردته  بان طائرات بدون طيار سيصل عدها الى 30.000 طائرة في سماء اميركا عام 2020 مع تطوير اجرائات اجازة طائرة بدون طيار لأغراض تجارية عام 2015 . وهذا يعني انها في تزايد مستمر، رغم الانتقادات كونها البديل الى نشر القوات الاميركية على الارض.[10

  1.  الصين 

تهتم الصين بمنافسة الشركات الأمريكية والإسرائيلية في مجال تصنيع الطائرات المسيَّرة، وقد تمكنت من إنتاج أكثر من 25 نوعًا من الطائرات دون طيار، مع انتشار مبيعاتها في منطقة الشرق الأوسط. دخلت الصين سوق مبيعات المسيَّرات بمليارات الدولارات، مستفيدة من امتناع الولايات المتحدة والدول الغربية عن بيع بعض الدول هذه الطائرات.

من أبرز الطائرات المسيَّرة التي تصنعها الصين:

  •  Wing Loong: طائرة قتالية تتميز بقدرات اشتباك ومناورة عالية، وتحمل أكثر من 10 أنواع من الصواريخ والقنابل. تستخدمها الصين وتُصدِّرها إلى السعودية ومصر والإمارات.
  •  CASC Rainbow: مجموعة من الطائرات القتالية متعددة الأحجام، تم تطويرها تكنولوجيًا. تُصدِّرها الصين إلى الجزائر ومصر وإثيوبيا وباكستان والسعودية والإمارات.
  •  KVD002: مسيَّرة استطلاع حديثة وسهلة الصيانة، قادرة على تنفيذ مهام استطلاعية لمساحات شاسعة، وتدمير أنظمة الدفاع الجوي والمدرعات والتحصينات. يُعتقد أنها تطوير لطائرة "Caihono-4" التي تُعدّ الأكثر مبيعًا بين المسيرات الصينية وتُصدِّرها بكين لأكثر من 10 دول.

نجحت بكين في سد الفجوات في السوق من خلال سياستها التصديرية الأكثر مرونة وسرعة. ففي عام 2015، نفذت باكستان والعراق ونيجيريا ضربات باستخدام مسيَّرات صينية الصنع أو مطوَّرة في الصين. يلمس عملاء الصين الفرق في الكلفة وسهولة الحصول على المنتجات وقلة الشروط مقارنة بالاستيراد من الولايات المتحدة.

تمكنت من صنع 25 نوعا من الطائرات دون طيار، وقد كشفت عن بعضها في عرض تجاري عام 2010. وأعلنت عام 2018 بدء تصنيع الطائرة دون طيار"سي أتش-7″ بمواصفات تجعلها قادرة على التحليق إلى ارتفاع 13000 متر، وسرعة 571 ميلا في الساعة، ويمكنها بواسطة مخزون صاروخي وقنابل بعيدة المدى التعامل مع الأهداف الأرضية والبحرية[11].

  1.   روسيا 

انخرطت موسكو بشكل أكبر في تصنيع الطائرات المسيَّرة بسبب التطورات الحاصلة في حربها مع أوكرانيا، حيث ركَّزت على إنتاج طائرات تلبي احتياجاتها في الرصد والاستطلاع، وأنتجت مسيَّرات قادرة على الوصول إلى ارتفاعات شاهقة وبسرعة تقترب من سرعة الصوت.

قال الرئيس فلاديمير بوتين في تصريحات له إن روسيا تعمل على زيادة إنتاج الطائرات المسيَّرة بنحو عشرة أضعاف، ليصل إلى حوالي 1.4 مليون طائرة خلال العام الحالي، في محاولة لضمان انتصار القوات المسلحة الروسية في أوكرانيا.

منذ إرسال روسيا عشرات الآلاف من الجنود إلى أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، ركزت في الحرب بشكل كبير على القصف المدفعي، والهجمات باستخدام الطائرات المسيَّرة على امتداد جبهة شديدة التحصين تمتد لمسافة ألف كيلومتر، وتضم مئات الآلاف من الجنود.

وأوضح بوتين أن القوات المسلحة الروسية تسلَّمت نحو 140 ألف طائرة مسيَّرة من مختلف الأنواع في 2023، ومن المقرر أن يتم زيادة الإنتاج بشكل كبير هذا العام، أي بما يصل إلى عشرة أضعاف.

وأضاف بوتين، خلال اجتماع في سان بطرسبرغ حول إنتاج الطائرات المسيَّرة، قائلاً: "من يتحرك أسرع لتحقيق تلك المطالب في ساحة المعركة، هو من سيفوز". كما أوضح أن روسيا تحقق تقدماً أسبوعياً تقريباً في تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة، وتحتاج أيضاً إلى تطوير دفاعاتها لمواجهتها، خصوصاً فيما يتعلق بتكنولوجيا رصد الطائرات المسيَّرة المهاجمة، وتشويشها، ثم إسقاطها.[12]

 أصبحت صناعة الطائرات المسيَّرة رهانًا رئيسيًا لروسيا في إعادة رسم مستقبل الحرب في أوكرانيا. في هذا السياق، أنتجت شركة IEMZ Kupol التابعة لصناعة الأسلحة الروسية أكثر من 2500 طائرة مسيَّرة من طراز " Garpiya-A1" في الفترة الممتدة بين تموز/ يوليو 2023 وتموز/ يوليو 2024. هذه الطائرات هي مسيَّرات هجومية بعيدة المدى، تشبه إلى حد بعيد مسيَّرة "شاهد" الإيرانية، وتصنعها روسيا باستخدام محركات وقطع مستوردة من الصين.  إضافة إلى ذلك، تطور روسيا مسيَّرة "Okhotnik"، وهي مسيَّرة هجومية مزودة بصواريخ وقنابل مخفية لتجنب اكتشافها من قبل الرادارات. يتم قيادة هذه الطائرة من طائرة مقاتلة مأهولة من طراز "SU-57".في الحرب الأوكرانية، استخدم الجيش الروسي مسيَّرات إيرانية من طراز "شاهد" لتنفيذ أكثر من 4000 هجوم جوي، بينما قامت أوكرانيا باستخدام المسيَّرات التركية لإبطاء تقدم القوات الروسية نحو مدينة كييف.

 

 

المبحث الثالث: القوانين الدولية المنظمة لاستخدام وتصدير الطائرات المسيرة

 

ويُثير استخدام الطائرات المسيرة بعض التحديات القانونية، أهمها:

  1. صعوبة التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية: قد يكون من الصعب على مشغلي الطائرات المسيرة تحديد هوية الأشخاص والأشياء على الأرض، مما قد يؤدي إلى إصابات في صفوف المدنيين.
  2. عدم وجود شفافية في استخدام الطائرات المسيرة: غالباً ما تُستخدم الطائرات المسيرة في عمليات سرية، مما يجعل من الصعب مراقبة التزامها بالقانون الدولي الإنساني.
  3. غياب المساءلة: قد يكون من الصعب محاسبة الدول أو الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات للقانون الدولي الإنساني باستخدام الطائرات المسيرة.[13]

يُعتبر القانون الدولي الإنساني أحد الفروع الأساسية للقانون الدولي العام، وهو مجموعة من القواعد التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة وحماية الأفراد الذين لا يشاركون في القتال أو لم يعودوا قادرين على المشاركة فيه، إضافة إلى تنظيم وسائل وأساليب الحرب.

الركيزتان الأساسيتان للقانون الدولي الإنساني

يقوم القانون الدولي الإنساني على ركيزتين رئيسيتين، وهما:

  1. الحق في شن الحرب (Jus ad bellum)
  2. القانون أثناء الحرب (Jus in bello)

يشير هذا المبدأ إلى الظروف التي يكون فيها استخدام القوة العسكرية مشروعًا وفق القانون الدولي. فالقانون الدولي العام، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة، يحظر اللجوء إلى القوة إلا في حالات معينة، مثل الدفاع عن النفس أو بناءً على تفويض من مجلس الأمن الدولي. ومن أهم المبادئ التي تحكم هذا الحق:

  • مبدأ السيادة وعدم التدخل: حيث لا يجوز لأي دولة شن حرب على دولة أخرى إلا في ظروف محددة.
  • مبدأ الضرورة العسكرية: أي أن اللجوء إلى الحرب يجب أن يكون الخيار الأخير بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية لحل النزاع.
  • مبدأ التناسب: حيث يجب أن يكون استخدام القوة متناسبًا مع التهديد القائم، دون تجاوز الحدود الضرورية للدفاع عن النفس أو تحقيق الأهداف المشروعة.

هذا المبدأ يهدف إلى تنظيم سلوك الأطراف المتحاربة وحماية المدنيين والمقاتلين الذين لم يعودوا قادرين على القتال، مثل الأسرى والجرحى. ويعتمد على عدة مبادئ أساسية، أبرزها:

  • مبدأ الإنسانية: حيث يجب تقليل المعاناة البشرية إلى أقصى حد ممكن خلال النزاعات المسلحة.
  • مبدأ التمييز: يجب التفرقة بين المقاتلين والمدنيين، حيث يحظر استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية مثل المستشفيات والمدارس.
  • مبدأ التناسب: يجب أن تكون الهجمات العسكرية متناسبة مع الهدف العسكري المراد تحقيقه، دون إحداث ضرر غير مبرر أو غير متناسب بالمدنيين.

مبدأ التناسب كحلقة وصل بين المبدأين

بين هذين الركيزتين، يظهر مبدأ التناسب كعامل توازن بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الإنسانية. وهو مبدأ محوري في القانون الدولي الإنساني، حيث يتطلب تحقيق التوازن بين تحقيق الأهداف العسكرية المشروعة وتقليل الأضرار الجانبية التي تصيب المدنيين والبنية التحتية المدنية. فحتى عندما يكون استخدام القوة مشروعًا بموجب Jus ad bellum، فإنه يجب أن يُمارس ضمن حدود القانون الإنساني Jus in bello، مع مراعاة ألا يكون الضرر الناجم عن العمليات العسكرية غير متناسب مع الهدف العسكري المرجو تحقيقه.

إشكالية استخدام الطائرات بدون طيار في النزاعات المسلحة

مع التطور التكنولوجي المتسارع، باتت الطائرات بدون طيار (Drones) أداة رئيسية في النزاعات المسلحة الحديثة، مما أثار العديد من الإشكاليات القانونية والإنسانية، ومنها:

  1. تجريد النزاعات من البعد الإنساني: إذ تُدار العمليات العسكرية عن بُعد، مما قد يؤدي إلى تغييب الحس الإنساني لدى المشغلين وتقليل التفاعل مع الواقع الميداني.
  2. زيادة مخاطر استهداف المدنيين: نظرًا لأن الهجمات تُنفَّذ عن بعد، قد تحدث أخطاء في التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما يؤدي إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة.
  3. إشكالية التناسب: أحيانًا تُستخدم الطائرات بدون طيار لتنفيذ عمليات اغتيال أو ضربات استباقية قد لا تتناسب مع مستوى التهديد الحقيقي، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ التناسب.
    1. تجريد النزاعات من البعد الإنساني

إشكالية إخضاع الطائرات بدون طيار لمبدأ الإنسانية

يُلاحظ أن التطور المتسارع في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار (Drones) قد أحدث تحولًا جوهريًا في طبيعة النزاعات المسلحة المعاصرة. إذ أصبحت الحروب الحديثة تعتمد بشكل متزايد على هذه الوسائل التكنولوجية التي تسمح بتنفيذ العمليات العسكرية عن بُعد، دون الحاجة إلى وجود مباشر للجنود في ساحات القتال. ومع هذا التطور، تبرز إشكالية أساسية تتعلق بإخضاع هذه التقنية لمبدأ الإنسانية في القانون الدولي الإنساني.

إن استخدام الطائرات بدون طيار يقلل من التدخل البشري المباشر في العمليات العسكرية، مما قد يؤدي إلى تغييب البعد الإنساني للحرب. ففي السابق، كان للجنود في ساحة المعركة تفاعل مباشر مع الأوضاع الإنسانية المحيطة، مما قد يدفعهم أحيانًا إلى اتخاذ قرارات تراعي الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. أما اليوم، فإن العمليات تُدار من غرف تحكم على بُعد آلاف الكيلومترات، حيث يتم اتخاذ القرارات بالاعتماد على البيانات والصور الرقمية فقط، مما يقلل من التأثير النفسي المباشر للمشغلين على نتائج أفعالهم.

  1.  غياب التفاعل المباشر مع المدنيين

إحدى أهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني هو مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين. غير أن تشغيل الطائرات بدون طيار يعتمد على معلومات استخباراتية وصور الأقمار الصناعية، والتي قد تكون غير دقيقة أو غير محدثة، مما يزيد من خطر استهداف المدنيين عن طريق الخطأ. فعدم وجود جنود على الأرض يعني عدم القدرة على التحقق المباشر من طبيعة الهدف، وهو ما قد يؤدي إلى انتهاكات خطيرة لمبدأ الإنسانية.

  1.  ارتفاع نسبة "الأضرار الجانبية"

على الرغم من أن الطائرات بدون طيار توفر دقة نسبية في استهداف الأهداف العسكرية، إلا أن العمليات التي تعتمد عليها كثيرًا ما تؤدي إلى خسائر جانبية مرتفعة. فالضربات الجوية التي تنفذها هذه الطائرات قد تؤدي إلى قتل مدنيين أبرياء كانوا في محيط الهدف المستهدف، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ التناسب في العمليات العسكرية.

  1. المسؤولية القانونية والمساءلة

إحدى الإشكاليات الكبرى لاستخدام الطائرات بدون طيار هي مسألة المساءلة القانونية. ففي العمليات العسكرية التقليدية، يكون القادة العسكريون والجنود مسؤولين عن أفعالهم، ويمكن محاسبتهم في حالة ارتكاب جرائم حرب. أما في حالة الطائرات بدون طيار، فإن القرارات تُتخذ من قبل مشغلين بعيدين عن ميدان المعركة، وغالبًا ما تكون العمليات سرية، مما يجعل تحديد المسؤولية أمرًا معقدًا. فهل يتحمل المسؤولية المشغل المباشر للطائرة؟ أم القائد الذي أعطى الأوامر؟ أم الجهة الاستخباراتية التي زودت بالمعلومات؟ هذا الغموض القانوني يعزز من المخاوف بشأن عدم احترام مبدأ الإنسانية.

تراجع مبدأ الرحمة والشفقة في ظل استخدام الطائرات بدون طيار

يُعد مبدأ الرحمة والشفقة أحد المبادئ الجوهرية في القانون الدولي الإنساني، وهو يعكس البعد الإنساني الذي يجب أن يرافق العمليات العسكرية حتى في ظل الحروب والنزاعات المسلحة. غير أن التوظيف المتزايد لتقنية الطائرات بدون طيار أدى إلى تراجع هذا المبدأ بشكل ملحوظ، حيث أسهم في اختفاء العلاقات الإنسانية تدريجيًا من ساحة المعركة، مما يطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية خطيرة.

العوامل المؤدية إلى تراجع مبدأ الرحمة والشفقة

  1. بُعد مشغلي الطائرات بدون طيار عن ساحة المعركة

تعمل الطائرات بدون طيار على فصل القاتل عن الضحية، حيث يقوم المشغلون بتنفيذ الضربات الجوية من أماكن بعيدة جدًا عن ساحة القتال، وهو ما يؤدي إلى غياب التفاعل الإنساني المباشر مع الواقع الحربي. فعلى سبيل المثال:

  • في الوقت الذي تدور فيه الحروب في أفغانستان أو العراق، نجد أن مشغلي الطائرات بدون طيار يعملون من غرف تحكم آمنة تقع على بعد آلاف الكيلومترات، مثل:
    • قاعدة كريتش الجوية في ولاية نيفادا (الولايات المتحدة الأمريكية)
    • مراكز القيادة في كاليفورنيا أو أريزونا

هذا الانفصال المكاني يؤدي إلى تجريد العمليات القتالية من العنصر الأخلاقي التقليدي الذي كان يفرضه القتال المباشر. ففي الحروب التقليدية، كان الجنود يتفاعلون مع أعدائهم بشكل مباشر، مما يسمح بظهور بعض القيم الإنسانية مثل الرحمة والتردد قبل تنفيذ القتل. أما مع الطائرات بدون طيار، فإن القتل يصبح مجرد ضغط على زر من داخل غرفة عمليات بعيدة، مما يجعل المشغلين أقل عرضة للشعور بالندم أو التردد.

  1. استقلالية الطائرات بدون طيار وغياب القرار البشري المباشر

مع تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف البيومتري، أصبحت بعض الطائرات بدون طيار قادرة على تنفيذ عمليات الاستهداف بشكل شبه ذاتي، دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في كل لحظة. وهذا يزيد من تراجع العنصر الإنساني في الحروب، حيث يتم استبدال القرارات البشرية بالخوارزميات والبرمجيات العسكرية، مما يجعل مفهوم الإنسانية غائبًا تمامًا في بعض الأحيان.

يرى بعض الفقهاء القانونيين أن هذا التطور قد يؤدي إلى تغيير جذري في طبيعة الحروب، حيث تصبح الآلات هي التي تقرر من يعيش ومن يموت، مما يثير تساؤلات خطيرة حول الشرعية الأخلاقية والقانونية لهذه العمليات.

النتائج المترتبة على اختفاء مبدأ الرحمة والشفقة

  • زيادة معدلات القتل دون تردد:  مشغلو الطائرات بدون طيار يعملون في بيئة آمنة، بعيدًا عن المخاطر النفسية والجسدية التي يواجهها الجنود في ساحة المعركة، مما يجعلهم أكثر استعدادًا لتنفيذ الضربات القاتلة دون تردد.
  • ارتفاع نسبة الضحايا المدنيين: نظرًا للاعتماد على تقنيات الاستهداف عن بُعد، فإن الأخطاء الاستخباراتية قد تؤدي إلى استهداف مدنيين عن طريق الخطأ، مما يقوض مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
  • تزايد الاعتماد على الحرب عن بُعد: مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود، تصبح الحكومات أكثر ميلًا لاستخدام القوة العسكرية دون حسابات سياسية أو أخلاقية دقيقة، مما يزيد من احتمالية اندلاع النزاعات المسلحة.

يُركز هذا التقرير، الصادر تحت الوثيقة A/HRC/14/24/Add.6، على استخدام الطائرات بدون طيار (Drones) في تنفيذ عمليات القتل المستهدف، وما يترتب على ذلك من تداعيات قانونية وأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بمبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

أبرز ما تناوله التقرير

  1. إشكالية الإعدام خارج نطاق القضاء:
    • أكد التقرير أن استخدام الطائرات بدون طيار في تنفيذ عمليات القتل المستهدف قد يؤدي إلى انتهاك الحق في الحياة المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
    • شدد على أن غياب الإجراءات القانونية العادلة والمساءلة في هذه العمليات يجعلها أقرب إلى الإعدام خارج نطاق القضاء.
  2. الافتقار إلى الشفافية والمساءلة:

أشار ألستون إلى أن الحكومات، وخاصة الولايات المتحدة، لا تقدم معلومات كافية حول الأسس القانونية لاستخدام الطائرات بدون طيار، مما يثير تساؤلات حول شرعية هذه العمليات وفق القانون الدولي، فغياب التحقيقات المستقلة والمحايدة في الضربات الجوية التي تنفذها الطائرات بدون طيار يزيد من صعوبة تحديد ما إذا كانت عمليات القتل تتماشى مع القانون الدولي الإنساني.

  1. انتهاك مبادئ القانون الدولي الإنساني:
    • استخدام الطائرات بدون طيار يطرح تحديات لمبادئ التمييز والتناسب، إذ أن بعض الضربات تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين دون مبرر عسكري واضح.
    • كما أن بعض الهجمات تستند إلى معلومات استخباراتية قد لا تكون دقيقة، مما يزيد من احتمال استهداف أشخاص أبرياء عن طريق الخطأ.
  2. الأثر الأخلاقي والتكنولوجي لاستخدام الطائرات بدون طيار:
    • شدد التقرير على أن هذه التكنولوجيا تساهم في إزالة البعد الإنساني عن الحرب، حيث إن مشغلي الطائرات يعملون من أماكن بعيدة دون أن يكونوا عرضة للخطر، مما قد يؤدي إلى التقليل من أهمية التردد الأخلاقي قبل تنفيذ عمليات القتل.
    • أشار التقرير أيضًا إلى أن الاستخدام غير المقيد لهذه التكنولوجيا قد يشجع دولًا أخرى على تبني استراتيجيات مماثلة، مما يؤدي إلى سباق تسلح في مجال الطائرات بدون طيار[14]

عقد مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 22 سبتمبر 2014 حلقة نقاش تفاعلية تناولت مسائل تتعلق باستخدام الطائرات الموجهة عن بُعد (الدرونز) والطائرات المسلحة بدون طيار في العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب، مع التركيز على مدى توافق هذا الاستخدام مع القانون الدولي، بما في ذلك:

  • القانون الدولي الإنساني
  • القانون الدولي لحقوق الإنسان

أهم القضايا التي نوقشت في الحلقة

  1.  مشروعية استخدام الطائرات الموجهة عن بُعد
  2.  تأثير استخدام الطائرات بدون طيار على حقوق الإنسان
  3.  غياب المساءلة والمحاسبة

تناول الخبراء مسألة الشرعية القانونية لاستخدام الطائرات بدون طيار في النزاعات المسلحة، وخاصة في سياق مكافحة الإرهاب، حيث تم طرح الأسئلة التالية:

  • هل يمكن اعتبار الضربات التي تنفذها الطائرات الموجهة عن بُعد قانونية وفقًا للقانون الدولي؟
  • ما مدى احترام هذه العمليات لمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين؟
  • هل يمكن أن تؤدي هذه التقنية إلى إعدامات خارج نطاق القضاء؟

ناقشت الحلقة المخاوف المتعلقة بتأثير استخدام الطائرات بدون طيار على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وخاصة:

  • الحق في الحياة: هل يتم تنفيذ الضربات الجوية وفقًا لمعايير الضرورة والتناسب؟
  • مساءلة الدول عن انتهاكات حقوق الإنسان: كيف يمكن محاسبة الدول التي تنفذ عمليات بطائرات مسيرة في دول أخرى؟

أحد أكبر التحديات التي أثيرت هو أن العمليات التي تنفذها الطائرات بدون طيار غالبًا ما تكون سرية، مما يجعل من الصعب محاسبة الأطراف المسؤولة عن أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي.

يُشكّل إخضاع الطائرات بدون طيار لمبدأ التناسب تحديًا كبيرًا في النزاعات المسلحة، حيث أدى التطور التكنولوجي إلى تقويض هذا المبدأ عبر تقليل القدرة على التمييز الدقيق بين الأهداف العسكرية والمدنيين. وتعتمد هذه الطائرات على أنظمة استشعار إلكترونية قد لا تأخذ في الاعتبار السياق الإنساني المحيط بالهدف، مما يزيد من احتمالات وقوع خسائر جانبية جسيمة. كما أن استخدامها في عمليات الاستطلاع والتوجيه الهجومي يُضعف الرقابة البشرية على ساحة المعركة، مما قد يؤدي إلى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. لذا، من الضروري تطوير أطر قانونية وآليات رقابية لضمان أن استخدام هذه الطائرات يظل متوافقًا مع مبادئ الضرورة العسكرية والتناسب والإنسانية.[15]

هناك بعض الجهود المبذولة لمعالجة التحديات القانونية التي يطرحها استخدام الطائرات المسيرة، أهمها:

  1. وضع معايير دولية لتنظيم استخدام الطائرات المسيرة: تعمل بعض الدول والمنظمات الدولية على وضع معايير دولية لتنظيم استخدام الطائرات المسيرة، بما في ذلك قواعد التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.
  2. زيادة الشفافية في استخدام الطائرات المسيرة: حيث تدعو بعض المنظمات الدولية إلى زيادة الشفافية في استخدام الطائرات المسيرة، بما في ذلك نشر معلومات حول العمليات التي يتم تنفيذها باستخدام هذه الطائرات.
  3. تعزيز المساءلة: تُطالب بعض المنظمات الدولية بوضع آليات لضمان مساءلة الدول أو الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات للقانون الدولي الإنساني باستخدام الطائرات المسيرة.

ومن ناحية المسؤولية الدولية فأولاً، يتم فرض أحكام الإعدام التعسفية من قبل الدولة التي تستخدم هذه الطائرات في العالم دون تحديد مسؤولية المستهدفين، أو في أحسن الأحوال المدنيين الذين هم مجرد أضرار جانبية. وثانياً، تفتقر العديد من الانتهاكات التي ترتكبها الطائرات المسلحة بدون طيار إلى الشفافية والاستهداف الدقيق، ومع ذلك لم نشهد حالة واحدة تم التحقيق فيها مع المنتهكين بالشفافية اللازمة، وتحديد المسؤولية والتعويض، ومعاقبة المنتهكين.

المبحث الرابع: الصراع في الشرق الأوسط والطيران المسير

أصبح التنافس بين إيران وتركيا وإسرائيل في صناعة الطائرات المسيَّرة (UAVs) أحد الجوانب البارزة في التطور العسكري والتكنولوجي في منطقة الشرق الأوسط. كل من هذه الدول تعمل على تطوير وتقوية قدراتها في هذا المجال بهدف تعزيز قوتها العسكرية، وتنفيذ عمليات استخباراتية، ومواجهة تهديدات إقليمية ودولية.   

لم تعد الطائرات المسيرة حكرًا على الدول العظمى كما كان الوضع في العصر الأول للمسيرات؛ بل باتت في متناول العديد من الدول والقوى العسكرية المتوسطة وخاصةً إيران وتركيا، كما أنها وصلت إلى أيدي بعض الجماعات والتنظيمات غير الحكومية، ووفقا لإحصائية أُجريت في مارس 2020، فإن أكثر من 102 دولة باتت تمتلك طائرات مسيرة عسكرية، بالإضافة إلى ما يُقدر بـ 63 تنظيمًا أو جهة غير حكومية.

وتتطلع كثير من الدول إلى تطوير هذه الطائرات لإحلالها محل الطائرات الحربية والقاذفات بما في ذلك القاذفات النووية، وخير دليل على اهتمام الدول بهذا السلاح؛ هو أن السوق العالمية للطائرات العسكرية بدون طيار عام 2019، بلغت 8.65 مليار يورو، وهناك توقعات بأن يصل السوق في عام 2027، إلى 19.53 مليار يورو، فيما تشير دراسة أجرتها “Drone Industry Insights”، إلى أنها قد تصل بالفعل إلى 35.16 مليار يورو في عام 2025، أما على صعيد دول الشرق الأوسط؛ وباستثناء إسرائيل، فقد أنفقت ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار على الطائرات المسيرة العسكرية خلال السنوات الخمس الماضية.

وقد كانت إسرائيل حتى عام 2013، هي أكبر مصدر للطائرات من دون طيار في العالم، وتُعد طائرات “هيرون تي بي”، و”هرمس 450″، و”هرمس 900″، أشهر نماذج الطائرات الدرون التي تُصنع معظمها بمعرفة شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، أما تركيا؛ فقد اعتمدت في بداية الأمر على إسرائيل في استيراد ونقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة، وحاليًا تنتج أنقرة العديد من نماذج الطائرات المسيرة محليًا، أبرزها “أنكا-أس “و”بيرقدار تي بي” و”كارايل”، بينما اعتمدت إيران على تكنولوجيا صينية من إنتاج عدة نماذج من الطائرات المسيرة تستخدمها في عملياتها الاستخبارية بمنطقة الخليج العربي، وتمد بها أذرعها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط؛ وخاصةً حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، وأهمها طائرة “شاهد 129″، و”فُطرس”، و”أبابيل”، و”مهاجر”، و”رعد – 85″، وخليجيًا؛ تعمل كل من السعودية والإمارات على حيازة وتطوير وتوطين قدرات الطائرات المسيرة، بالاستيراد من الصين.

وباستثناء إسرائيل؛ تبدو طائرات بيرقدار TB2 التركية، والطائرات الصينية مثل ونج لونج وتساي هونج هي الأكثر شعبية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن المنظور التجارى، فإن الصين تعد المحرك الأول لسوق الطائرات المسيرة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالنظر إلى كونها غير متقيدة بأى اعتبارات قانونية تتعلق بنظام مراقبة تكنولوجيا القذائف (MTCR) أو غيرها من الأطر القانونية المقيدة لتدفقات الأسلحة في التجارة الدولية.

وقد انعكس اهتمام الدول بحيازة الطائرات المسيرة على ساحة القتال العسكري؛ حيث ظهرت الدرون بشكل لافت في ساحات صراع كبرى خلال السنوات القليلة الماضية؛ أهمها؛ ليبيا حيث حققت حكومة الوفاق الوطني سلسلة انتصارات في معارك عام 2020، بفضل الطائرات المسيرة التركية وخاصةً من نوع “بيرقدار تى بي2” محلية الصنع، كما تعد سوريا ساحة أخرى رئيسية من ساحات أنشطة الطائرات المسيرة، حيث تبرز كل من تركيا وإسرائيل في توظيفهما لتقنية الطائرات المسيرة لتحقيق أهداف كل منهما هناك، فيما قام أسطول الطائرات المسيرة الروسية بمهمات تجسس واستطلاع ومراقبة حاسمة.

كما لعبت الدرون دورًا رئيسيًا في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا على منطقة ناغورنو كراباخ في العام 2020، وعلى الرغم من أن الصراع كان قصيرًا، فقد أثبتت الطائرات بلا طيار دورها المحوري، حيث كانت ترسانة أذربيجان الكبيرة والأكثر تقدُّمًا من الطائرات المسلحة بلا طيار حجرَ الزاوية لنجاحها في الصراع، وقد أكدت التقارير العسكرية أن المسيرات التي زوَّدت بها تركيا، أذربيجان، دمّرَت 120 دبابة، و53 عربة قتال مصفَّحة، و143 قطعة مدفعية، وعديدًا من الأهداف الأخرى لأرمينيا.

وعلى المستوى الأفريقي؛ فقد باعت إيران طائرات مسيرة لإثيوبيا في عام 2021 لاستخدامها ضد متمردي “تيغراي”، وفي وقت مبكر من عام 2008، نشر السودان طائرة “أبابيل-3” الإيرانية ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان والمتمردين في دارفور، كما حصلت النيجر وتوغو على بيرقدار التركية لكبح جماح الجماعات المتنقلة من المسلحين الإسلاميين والمقاتلين الجهاديين الذين ينتقلون جنوبًا من بوركينا فاسو.

وأخيرًا؛ حضرت المسيرات في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث استخدم كلا الجانبين هذا النوع من الطائرات، خصوصًا من جانب أوكرانيا، التي استخدمت طراز “بيرقدار تي بي2” التركية الصنع، ولاحقًا الأمريكية والألمانية والمحلية الصنع، وجرى استخدام هذه الطائرات في مجموعة متنوعة من الأدوار، مثل تنفيذ الضربات ضد أهداف أرضية روسية، وتوجيه القصف المدفعي، ومهامّ استطلاع ومراقبة واستهداف وقصف المواقع، بينما حصلت روسيا على طائرات “شاهد-136” الانتحارية بعيدة المدى وطائرات “مهاجر 6” الهجومية قصيرة المدى من إيران بدءا من أغسطس 2022، لاستخدامها في أوكرانيا.

وفي هذا السياق، نشر “معهد الدراسات السياسية الدولية” (ISPI) تقريرًا بعنوان “لعبة الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط: السباق إلى الطائرات بدون طيار الفتاكة وانعكاساتها على المشهد الأمني ​​في المنطقة” أو “The Middle East’s Game of Drones: The Race to Lethal UAVs and Its Implications for the Region’s Security Landscape”. 

وقد سلط الكاتب “فيديريكو بورساري” Federico Borsari في تقريره الضوء على التوسع في استخدام الطائرات بدون طيار منذ كونها أداة عسكرية حصرية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2001، وصولًا لتحولها إلى سلاح تمتلكه عدد من الدول والجماعات. ووفقًا للتقرير فمن المتوقع أن تصل الاستثمارات في سوق الطائرات بدون طيار إلى 100 مليار دولار خلال العقد المقبل، وهنا يمكن ملاحظة الاتجاه العام في الشرق الأوسط لتوظيف هذه الأداة، حيث شكلت الطائرات بدون طيار حوالي 82% من إجمالي سوق الطائرات الإقليمي عام 2019، إذ أنفقت دول المنطقة -باستثناء إسرائيل- ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار في شرائها. 

تركيا وإيران وإسرائيل في مجال الطائرات المسيرة

حتى عام 2013، كانت إسرائيل هي أكبر مصدر للطائرات من دون طيار في العالم، حيث صنعت العديد من الطائرات المسيرة مثل "هيرون تي بي" و"هرمس 450". أما تركيا فقد اعتمدت في البداية على إسرائيل في استيراد تكنولوجيا الطائرات المسيرة، لكنها أصبحت الآن قادرة على إنتاج العديد من النماذج محليًا مثل "أنكا-أس" و"بيرقدار تي بي". وفي إيران، اعتمدت على التكنولوجيا الصينية لتصنيع طائرات مسيرة مثل "شاهد 129" و"مهاجر" واستخدمتها في عمليات استخبارية ودعماً لأذرعها العسكرية في منطقة الخليج العربي

تركيا والطيران المسير: 

تركيا تعد من القوى الصاعدة في صناعة الطائرات المسيَّرة، ولديها استراتيجية واضحة لتطوير هذه الطائرات وتحقيق الاستقلالية في هذا المجال. تتمثل قوة تركيا في الطائرات المسيَّرة الهجومية التي أثبتت فعاليتها في العديد من النزاعات، مثل العمليات العسكرية في سوريا وليبيا وأذربيجان.

سعت تركيا إلى التميز في صناعة المسيَّرات وإنتاجها وتصديرها ضمن مسار تعزيز صناعاتها الدفاعية خلال العقدين الأخيرين، وتصدرت الأسواق على المستوى العالمي رغم دخولها المتأخر، وقد أبرمت شركة Baykar، وهي أشهر المصنِّعين، عقودًا لتصدير المسيَّرات في عام 2022 مع 27 دولة، أهمها أوكرانيا، بولندا، أذربيجان، رومانيا، ألبانيا، المغرب، الكويت، الإمارات، إثيوبيا، تركمانستان وقرغيزستان.

هناك مجموعة واسعة من المسيَّرات التركية، أشهرها:

  • Bayraktar TB2:  مسيَّرة قتالية حديثة ومتطورة، تتميز بالقدرة على الإقلاع والهبوط في مختلف الأماكن والظروف، وهي نسبياً منخفضة التكلفة.
  • Aksungur:  مسيَّرة قتالية تحلق على ارتفاع متوسط ولها قدرة على التحليق لفترات طويلة، وتنفيذ مهام المراقبة والاستطلاع بالإضافة إلى التدخل القتالي بأنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر.

تأتي تركيا في المرتبة الثانية، والتي في رأي سليمان بدأت في صناعة المسيرات معتمدة على تصميمات ورخص غربية وبخاصة من الولايات المتحدة، وكان الإنتاج في معظمه من الخامات المحلية التركية.

ويضيف سليمان أن المسيرات كانت السلاح الأبرز لدى تركيا في سوريا بداية من 2016، كما في ليبيا في 2019، حينما أرسلت تركيا طائرات "بيرقدار" المسيرة لتقلب الموازين ضد الجنرال خليفة حفتر الذي كان على أبواب طرابلس في الطريق للاستيلاء عليها.

ووفقا لبيانات رسمية تركية، فقد وقَّعت شركة "بايكار" المنتجة للمسيرات في عام 2022 عقود تصدير مع 27 دولة، بإجمالي عائدات بلغت 1.18 مليار دولار، وأبرز المُشترين أوكرانيا وبولندا وأذربيجان والمغرب والكويت والإمارات وإثيوبيا وتركمانستان وقرغيزستان ورومانيا وألبانيا. 

اكتسبت المسيَّرات التركية شهرة واسعة بعد استخدامها ضِمن عمليات أمنية وعسكرية في أذربيجان وأرمينيا وسوريا وليبيا، وكذلك ضِمن الحرب الروسية الأوكرانية، وهي مسيرات مستواها ليس ببعيد عن الأمريكية والإسرائيلية، وسعرها ليس مرتفعاً، بذلك تعيد تشكيل ساحات القتال والجغرافيا السياسية.

ينظر “بورساري” إلى تركيا كفاعل بارز من أوائل الدول التي توظف الطائرات بدون طيار على نطاق واسع، ليس فقط في العمليات والساحات القتالية، بل في مساعيها لأن تصبح رقمًا في السوق العالمية في المستقبل القريب. وناقش التقرير أن قطر وتونس وحكومة الوفاق الليبية تمثل محورًا للشراكة التركية في المنطقة؛ إذ استلمت الدوحة الدفعة الأولى من ست طائرات تركية من طراز “بيرقدار TB2″، بالإضافة إلى محطات التحكم والأدوات الخاصة بها، بينما وقّعت تونس (مارس 2020) عقدًا بقيمة 240 مليون دولار مع الشركة التركية لصناعات الفضاء لتزويدها بمقاتلات من طراز” Anka-s” و3 محطات تحكم أرضية، بالإضافة إلى تدريب العناصر الأمنية على استخدامها. وعلى المنوال ذاته، كانت أذربيجان ضمن الدول التي أبرمت عقدًا لشراء الطائرات التركية من طراز “بيرقدار TB2” في ظل اتفاقية التعاون العسكري بين الجانبين، كما زودت تركيا حكومة الوفاق غرب ليبيا بالعديد من المسيرات.

وتعمل تركيا مؤخرًا على تطوير الطائرات بدون طيار محليًا، علاوة على تحقيق الاكتفاء الذاتي لصناعة الدفاع؛ إذ سيتم تشغيل الطائرات من طراز “Bayraktar Akıncı” بواسطة محركات وأنظمة اتصال ورادار محلية الصنع، كما تسعى أن تكون المسيرات من طراز “بيرقدار TB2” أول طائرة تركية بدون طيار محلية الصنع بصورة كاملة، ويتماشى هذا النهج مع استراتيجيتها الرامية لتحقيق الاستقلالية في مجالات الدفاع، وأن تصبح مصدرًا رئيسيًا للأسلحة خلال العقد المقبل.

إيران والطيران المسير.

إيران تعد من الدول الرائدة في تطوير الطائرات المسيَّرة في المنطقة. بدأ الاهتمام الإيراني بهذه الطائرات في أوائل الألفية الجديدة، حيث عملت طهران على تطوير تقنيات محلية لزيادة قدرتها في هذا المجال. تم تطوير الطائرات المسيَّرة الإيرانية بشكل أساسي لأغراض المراقبة والاستطلاع، ولكن مع مرور الوقت، بدأت إيران في تطوير طائرات مسيَّرة هجومية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة.

تُعَدّ إيران من الدول المتقدمة في تصنيع المسيَّرات وتصديرها، وقد بدأت دخول هذا المجال منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما أسَّست منظمة القدس للصناعات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني عام 1985.

أنتجت إيران مجموعة من المسيَّرات، من أبرزها:

  • طائرات مهاجر Mohajer: مجموعة من المسيَّرات طورتها طهران بنماذج متنوعة دفاعية، هجومية، استطلاعية، وانتحارية، منذ استخدامها لأول مرة في الحرب مع العراق (1980-1988).
  • طائرات شاهد Shahed: مجموعة من المسيَّرات أيضًا طورتها طهران بنماذج متعددة تشمل الطائرات الدفاعية والهجومية والاستطلاعية والانتحارية مثل "أبابيل" و"هدهد" و"كرار" و"كمان" و"الصاعقة" و"فطرس" و"معراج" و"بيلكان" و"غزة" وغيرها من الطائرات التي تعمل على ارتفاعات مختلفة لمهام متعددة.

وقد زوَّدت إيران كلًا من الحوثيين، وحزب الله، والميليشيات العراقية بأنواع مختلفة من هذه الطائرات. كما استخدمت طهران الطيران المسيَّر في حروبها، وفي عملياتها العسكرية مثل الضربات التي وجَّهتها في نيسان/ أبريل 2024 ضد إسرائيل.

إيران تُزوِّد حلفاءها والمجموعات العسكرية التابعة لها أو الموالية في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين، وتصدر مسيَّراتها إلى دول مثل روسيا وفنزويلا وإثيوبيا والسودان.

اعتمدت إيران على موارد محلية في تصنيع الطائرات المسيَّرة نظرًا لتكلفتها المنخفضة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد. وقد بدأ تطوير برامج الطائرات المسيَّرة في إيران خلال الحرب ضد العراق (1980-1988).

أثار برنامج طهران الطموح لإنتاج الطائرات المسيَّرة وتصدير بعضها إلى روسيا استياء الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على شبكة من عشرة كيانات وأربعة أفراد متمركزين في إيران وماليزيا والصين وإندونيسيا، وفقًا لبيان وزارة الخارجية الأمريكية، وذلك لتسهيلهم بيع مكونات إلكترونية أمريكية المنشأ لطائرات مسيرة أحادية الاتجاه تنتجها منظمة تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني. كما اتهمت الولايات المتحدة إيران بالضلوع في تزويد الحوثيين بمسيَّرات استهدفت بها سفنًا في البحر الأحمر..[16]

إسرائيل والطيران المسير.

إسرائيل كانت من أوائل الدول التي طورت الطائرات المسيَّرة لاستخدامات عسكرية. تعتبر إسرائيل من الدول الرائدة عالميًا في تطوير الطائرات المسيَّرة وقدرتها على دمج تقنيات متقدمة، مما جعلها واحدة من أكبر المصدرين لهذه الطائرات في العالم.

تُعَدّ إسرائيل من الدول المتقدِّمة في تصنيع المسيَّرات، وهي تُصدِّر الطائرات دون طيار لأكثر من 56 دولة في العالم، وقد استحوذت على أكثر من 60% من الصادرات الدولية للطائرات دون طيار على مدار العقود الثلاثة الماضية. وتتفوق إسرائيل بشكل كبير في المجال التكنولوجي بشكل عام، وخصوصًا في تكنولوجيا تصنيع الطائرات المسيَّرة، بفضل شراكتها مع الولايات المتحدة ودعمها المستمر.

إسرائيل هي الأولى في هذا المجال، حيث كانت أول دولة تستخدم الطائرات المسيَّرة في حرب لبنان في الثمانينيات من القرن الماضي. ورغم اعتمادها التكنولوجي الكبير على الولايات المتحدة، إلا أنها طورت وأنتجت أجيالًا متعددة من الطائرات المسيَّرة.

تُعتبر إسرائيل من أكبر منتجي ومصدِّري الطائرات المسيَّرة، حيث مثَّلت المسيَّرات 25% من إجمالي صادرات إسرائيل من السلاح في عام 2022، وفقًا لبيان وزارة الدفاع الإسرائيلية.

من أشهر الطائرات المسيَّرة الإسرائيلية "إيتان"، التي تستطيع البقاء في الجو لمدة 36 ساعة متواصلة، وحمل 1000 كيلوغرام من الصواريخ المتفجرة. كما استخدمت إسرائيل الطائرات المسيَّرة من نوع "هيرمِس 450" و"هيرمِس 900" في عمليات اغتيال وهجمات نوعية، بالإضافة إلى استخدامها في الحروب ضد غزة، بحسب تقارير صحفية..[17]

طبيعة التنافس بين الدول الثلاث:

  1. الابتكار التكنولوجي: كل دولة تسعى لتفوق تكنولوجي في هذا المجال. إسرائيل قد تكون متفوقة تقنيًا على الدول الأخرى من حيث الأنظمة الدفاعية التكتيكية التي تدمج الطائرات المسيَّرة في شبكة أنظمة الدفاع الجوية.
  2. التصدير والتأثير الإقليمي: إيران وتركيا أصبحتا لاعبين رئيسيين في تصدير الطائرات المسيَّرة إلى حلفائهما في المنطقة. على سبيل المثال، إيران تصدر مسيَّراتها إلى ميليشيات في العراق وسوريا واليمن، بينما تركيا تصدر إلى أذربيجان وليبيا وأوكرانيا. أما إسرائيل فتصدّر الطائرات المسيَّرة إلى العديد من الدول في العالم، بما في ذلك دول الشرق الأوسط.
  3. الأهداف العسكرية: كل دولة تستخدم الطائرات المسيَّرة لتأمين أهدافها العسكرية على الصعيدين الإقليمي والدولي. تستخدم إيران المسيَّرات بشكل أساسي لتحقيق أهداف استراتيجية في الخليج وسوريا والعراق، بينما تستخدم تركيا المسيَّرات في الحروب الإقليمية مثل سوريا وليبيا، وإسرائيل تستخدمها بشكل فعال في الدفاع عن نفسها في النزاعات مع جيرانها.
    1. الحوثيون في اليمن

مما سبق تبين أن التنافس بين إيران وتركيا وإسرائيل في صناعة الطائرات المسيَّرة يعكس تطورًا مستمرًا في التكنولوجيا العسكرية في المنطقة، حيث تسعى كل دولة لتحقيق التفوق العسكري من خلال استخدام هذه الطائرات في الاستطلاع والهجوم. كما أن هذا التنافس يسلط الضوء على الدور المتزايد لهذه التكنولوجيا في النزاعات الإقليمية والدولية.

 السعي لتعزيز صناعة الدرونز في الخليج

أكد التقرير سعي السعودية والإمارات لتعزيز قدراتهما فيما يرتبط بالطائرات بدون طيار، فمنذ 2015 يتجه كلا البلدين لنشر العديد من المنصات الصينية للطائرات المسيرة، كـWing loong وCai-Hong (CH) 4B، كما تعمل أبو ظبي والرياض على تعزيز صناعاتهما المحلية في هذا المجال، حيث استثمرتا في نماذج محلية من سلسلة Yabhon الإماراتية، التي تنتجها شركة ADCOM Systems، وعائلة الصقر السعودي.

وقد أحرزت إيران تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، بعد أن طورت العديد من المسيرات القادرة على الضربات لأغراض القتال والهجوم المباشر، كـAbabil-3T، وMohajer، وShaed-129، وقد خضعت الأخيرة لتحسينات مكنتها من العمل قُرابة 24 ساعة، واستطاعت رفع قدرتها التسليحية إلى ثمانية صواريخ جو-أرض. كما شهد الجيل الثاني من المسيرات الإيرانية تقدمًا ملحوظًا، لقدرته على استيعاب تقنيات متقدمة كالتحكم عبر الأقمار الصناعية، ما عزز قدراتها على المراقبة والاستطلاع والهجوم، وتمكينها من تجاوز الصعوبات التقليدية مثل محدودية النطاق العملياتي على مدى خط البصر، كما يوظف النظام الإيراني مثل هذه البرامج في أنشطة التعبئة والحشد داخليًا.

شمال إفريقيا وموازنة القوة:

أوضح الكاتب أن المنافسة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر في شمال إفريقيا، تفسر لجوء المغرب للحصول على نحو (3) طائرات بدون طيار إسرائيلية الصنع من طراز “هيرون”، وبالرغم من تأكيد الرباط أنها ستستخدم في مهام المراقبة والاستطلاع ضد الجماعات الإرهابية والمتمردين في الصحراء الغربية؛ إلا أن الهدف الأساسي يرتبط بالعمل على موازنة قدرات الطائرات بدون طيار الجزائرية؛ كونها الأكثر تطورًا في منطقة شمال إفريقيا، كما يمكن قراءة شراء المغرب لمنظومة (Bukovel) الأوكرانية المضادة للطائرات المسيرة (سبتمبر 2019) كمحاولة لتحقيق قدر من التكافؤ في ظل امتلاك الجزائر لبرنامج نشط من المسيرات.[18]

 

المبحث الخامس: الطيران المسير والتنظيمات الإرهابية

لم تقتصر استخدامات الطائرات المسيرة على الدول الكبرى فقط، بل أصبحت أيضًا أداة استراتيجية للجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة غير الحكومية في مختلف أنحاء العالم. الطائرات المسيرة توفر للجماعات المتشددة القدرة على تنفيذ عمليات هجومية وتحقيق أهداف عسكرية دون الحاجة إلى إرسال أفراد إلى الخطوط الأمامية، مما يقلل من المخاطر والضحايا داخل صفوفها. وقد أدى هذا إلى تحول في أساليب القتال، حيث أصبحت الطائرات المسيرة جزءًا أساسيًا من الترسانة العسكرية للتنظيمات الإرهابية في مناطق متعددة حول العالم، لا سيما في اليمن والصومال وإفريقيا.

الطائرات المسيرة الحوثية أصبحت سلاحًا رئيسيًا في صراعهم ضد التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. وقد أطلق الحوثيون العديد من الهجمات بالطائرات المسيرة على السعودية، بما في ذلك ضربات على المنشآت النفطية في بقيق في 2019، وهو الهجوم الذي أدى إلى تعطيل إنتاج النفط السعودي بشكل مؤقت. استخدم الحوثيون طائرات مسيرة من طرازات مختلفة، بما في ذلك "صماد" و"قاصف"، في تنفيذ هذه الهجمات.

تعتبر الطائرات المسيرة أداة مثالية بالنسبة للحوثيين بسبب قدرتها على إصابة أهداف دقيقة خلف خطوط العدو دون الحاجة إلى الطائرات المأهولة، مما يقلل من التكلفة البشرية والمادية. الحوثيون، بدعم من إيران، تمكنوا من تطوير طائرات مسيرة محلية الصنع، مما يبرز قدراتهم في استخدام هذه التكنولوجيا في الصراع.

ولم يقتصر استخدام الطائرات المسيرة على الدول، بل اُستخدمت أيضًا من قبل الجماعات الإرهابية؛ فقد أطلق الحوثيون في حربهم الأخيرة منذ 2015- 2025 أكثر 8000 طائرة مسيرة كما هو موضح في الجدول ادناه

 

جدول رقم (1)

يوضع معدل الهجمات الحوثية بالقوة الصاروخية والطيران المسير

للأعوام 2014 2024 -

م

العام  

العمليات    

النسبة 

1

2014

11

0.13%

2

2015

55

0.63%

3

2016

123

1.41%

4

2017

567

6.51%

5

2018

845

9.7%

6

2019

989

11.4%

7

2020

999

11.5%

8

2021

 1890

21.7%

9

2022

130

1.5%

10

2023

890

10.2%

11

2024

2200

25.3%

المجموع 

8699

100%

التحليل العام للبيانات:

  1. الزيادة الملحوظة في العمليات على مر السنوات:

هناك اتجاه واضح نحو زيادة كبيرة في عدد العمليات مع مرور الوقت، حيث تبدأ العمليات من 11 عملية في 2014 ثم تصل إلى 2200 عملية في 2024. ويمكن ملاحظة أن السنوات 2021 و2024 شهدت قفزات كبيرة في عدد العمليات، حيث يمثل عام 2024 (25.3%) النسبة الأكبر من العمليات مقارنة بالمجموع الكلي (8699 عملية).

  1. الزيادة المطردة في السنوات الأخيرة:

عام 2021 كان عامًا حاسمًا في زيادة العمليات، حيث شهدت زيادة كبيرة إلى 1890 عملية (21.7%). كما أن 2024 حققت أكبر عدد من العمليات (2200 عملية)، ما يشير إلى حدوث تغيرات أو تصعيد في النشاط خلال هذه السنة. ومن المحتمل أن هذه الزيادة تشير إلى تصعيد أو تركيز في الأنشطة أو العمليات في سنوات معينة بسبب عوامل معينة (تغيرات سياسية، عسكرية، أو تكنولوجية).

  1. التقلبات بين الأعوام:

على الرغم من الزيادة العامة، هناك بعض الأعوام التي شهدت تراجعًا في العمليات: كانت العمليات في عام 2022م، منخفضة للغاية (130 عملية)، وشكلت حوالي 1.5%  من المجموع الكلي. هذه السنة قد تكون تراجعت بسبب ظروف معينة، مثل الهدوء في العمليات أو ربما تغييرات في السياسة أو العمليات العسكرية ويعزو الباحث ذلك التراجع بدرجة أولى إلى التفاهمات بين (السعودية وإيران) الذي أدى الى أيقاف الحرب بين التحالف والمليشيات الحوثية وكذلك هدن سارية بين الطرفين وكانت العلميات في هذه الفترة موجهة نحو القوات المسلحة الجنوبية.

وفي عام 2014 و2015، حيث كانت العمليات في البداية محدودة جدًا (11 عملية و55 عملية على التوالي)، مما قد يشير إلى أن هذه كانت سنوات بناء أو تأسيس النشاط العسكري للحوثيين.

  1. الفترات الأكثر نشاطًا:

من الواضح أن الأعوام 2021 و2024 هما الأكثر نشاطًا. وهذه الزيادة قد تكون مرتبطة بتطورات نوعية أو تكنولوجية، أو قد تكون تعكس تصعيدًا معينًا في الأحداث المتعلقة بالعمليات (سواء كانت عسكرية، سياسية، أو في سياقات أخرى).

  1. التركيز على السنوات الأخيرة (2020-2024):

السنوات الأخيرة (من 2020 حتى 2024) شهدت أكبر عدد من العمليات، مع تزايد ملحوظ في 2024 مقارنة ببقية السنوات. هذا يشير إلى أن هناك تحولًا أو تصعيدًا مستمرًا في العمليات في هذه السنوات.

الاستنتاج:

  • التطور والنمو في العمليات:  هناك تطور واضح في النشاط على مر السنين، مع زيادة في العمليات بدءًا من 2014 إلى 2024. هذا يشير إلى أن هناك عوامل تدفع باتجاه تزايد الأنشطة بمرور الوقت.
  • الأعوام الحاسمة:  يمكن اعتبار 2021 و2024 سنوات حاسمة بزيادة واضحة في العمليات، مما يستدعي تحليلًا أعمق لفهم الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع.

حركة الشباب في الصومال

في الصومال، تعد حركة الشباب إحدى أبرز الجماعات المتشددة التي استخدمت الطائرات المسيرة. على الرغم من أن الحركة لا تمتلك القدرات الكبيرة مثل الدول أو التنظيمات الأخرى المدعومة من دول، إلا أنها استطاعت الحصول على طائرات مسيرة من خلال مصادر غير حكومية.

حركة الشباب استخدمت الطائرات المسيرة بشكل رئيسي لأغراض المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية حول المواقع العسكرية الحكومية والأهداف المدنية. في بعض الحالات، قد تستخدم هذه الطائرات في تنفيذ الهجمات ضد المنشآت العسكرية أو أهداف أخرى ذات قيمة استراتيجية. وعليه، يمكن للطائرات المسيرة أن توفر للحركة قدرات استطلاعية و هجومية في الوقت نفسه، مما يعزز من قدرة الجماعات الإرهابية على تنفيذ عمليات دقيقة.

تنظيم داعش في إفريقيا

انتشر استخدام الطائرات المسيرة من قبل تنظيم داعش في العديد من البلدان الإفريقية، لا سيما في موزمبيق. في موزمبيق، حيث تشهد مقاطعة كابو ديلغادو حربًا عنيفة بين الجيش الموزمبيقي والجماعات المتشددة، استخدم تنظيم داعش الطائرات المسيرة كجزء من استراتيجيته العسكرية ضد الجيش الحكومي.

وقد شهدت هذه المنطقة هجمات استخدمت فيها الطائرات المسيرة لتوجيه القصف المدفعي ضد المواقع العسكرية الحكومية، وكذلك لاستخدامها في رصد التحركات العسكرية واستطلاع مناطق بعيدة يصعب الوصول إليها. وقد كانت هذه الطائرات بمثابة سلاح رخيص وفعال في حرب العصابات التي يخوضها داعش في المنطقة.

الصراع في النيجر ومالي

في النيجر ومالي، استخدم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات التابعة له الطائرات المسيرة في سياق عملياتهم ضد الجيش الفرنسي وقوات G5 الساحل، بالإضافة إلى استهداف المدنيين في بعض الحالات. ورغم أن هذه الجماعات لا تملك القدرات الكبيرة مثل تلك التي تمتلكها الدول، إلا أن تمويلهم من خلال مبيعات الأسلحة غير القانونية قد أتاح لهم القدرة على شراء طائرات مسيرة صغيرة لاستخدامها في الاستطلاع والهجمات الانتحارية.

تأثير الطائرات المسيرة على الصراعات في هذه المناطق

يمكن اعتبار الطائرات المسيرة من أهم الأدوات التي غيرت موازين القوى في الحروب المعاصرة، خاصة بالنسبة للجماعات الإرهابية التي تسعى لاستخدام الأسلحة المتطورة في ظل غياب القدرة على المواجهة التقليدية مع الجيوش النظامية. بالنسبة لهذه الجماعات، توفر الطائرات المسيرة عدة مزايا، مثل:

  • السرعة والمرونة: يمكن للطائرات المسيرة أن تقوم بمهام متعددة (استطلاع، هجوم، رصد) بسرعة وكفاءة عالية.
  • القدرة على التهرب من الرادار: الطائرات المسيرة الصغيرة قد تتهرب من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة.
  • التكلفة المنخفضة: بالمقارنة مع الطائرات المأهولة أو الأسلحة الثقيلة الأخرى، تعد الطائرات المسيرة أرخص وأكثر فعالية من حيث التكلفة.

أصبحت الطائرات المسيرة أداة أساسية في استراتيجيات الجماعات الإرهابية في مناطق متعددة من العالم، بما في ذلك اليمن والصومال وإفريقيا.  من خلال قدرتها على تنفيذ الهجمات الدقيقة والمراقبة المستمرة، تمنح هذه الطائرات الجماعات المسلحة أداة تمكنها من تحقيق أهدافها العسكرية دون الحاجة إلى الالتزام بالقوة البشرية أو المعدات المعقدة. وبالتالي، يشكل استخدام الطائرات المسيرة من قبل التنظيمات الإرهابية تحديًا كبيرًا للأمن الدولي، ويتطلب تكثيف الجهود لوضع إطار قانوني دولي لمراقبة ومنع استخدام هذه التكنولوجيا في الحروب غير التقليدية.

نتائج الدراسة 

  1. أصبحت الطائرات المسيرة (UAVs) عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة، نظرًا لقدرتها على تنفيذ مهام استطلاعية وهجومية بدقة عالية وبتكلفة منخفضة. وقد أدى انتشارها إلى تغيير طبيعة الحروب، حيث لم يعد استخدامها مقتصرًا على الجيوش النظامية فقط، بل امتد ليشمل المليشيات والجماعات المسلحة، مما زاد من تعقيد النزاعات وتأثير الفاعلين غير الحكوميين.
  2. ساهمت الطائرات المسيرة في تعزيز "الحروب بالوكالة"، حيث تستخدمها دول عديدة لدعم حلفائها دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر. وقد أدى انتشارها بين الفاعلين غير الحكوميين إلى زيادة عدم الاستقرار الأمني في مناطق مثل الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث يتم استخدامها في تنفيذ هجمات ضد أهداف عسكرية ومدنية، مما يفاقم الأوضاع الأمنية.
  3. يواجه العالم تحديات خطيرة جراء انتشار الطائرات المسيرة، من أبرزها صعوبة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ما يؤدي إلى خسائر بشرية مرتفعة. كما حذرت المفوضية الأوروبية من إمكانية استخدامها في الهجمات الإرهابية، مما يشكل تهديدًا أمنيًا عالميًا. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المتزايد عليها في الحروب يقلل من التفاعل الإنساني في النزاعات، مما قد يؤدي إلى تراجع مبدأ الإنسانية في العمليات العسكرية.
  4. من المتوقع أن يشهد المستقبل تطورات كبيرة في مجال الطائرات المسيرة، حيث سيتم دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لجعلها تعمل بشكل شبه مستقل. كما يتوقع أن يتوسع استخدامها في النقل المدني والخدمات اللوجستية، مع تحسين تقنيات البطاريات لزيادة مدة الطيران والكفاءة التشغيلية، مما يجعلها أكثر فاعلية في مختلف المجالات العسكرية والتجارية.
  5. تعد الولايات المتحدة من أبرز الدول المصنعة للطائرات المسيرة، حيث تمتلك تقنيات متقدمة مثل MQ-9 Reaper، بينما تنافسها الصين عبر تصدير طائراتها إلى دول الشرق الأوسط. أما روسيا، فقد زادت من إنتاجها للطائرات المسيرة خلال حرب أوكرانيا، معتمدة على طائرات إيرانية مطورة، في حين برزت تركيا كقوة صاعدة في هذا المجال، ونجحت في تصدير طائراتها إلى عدة دول مثل أوكرانيا وأذربيجان.
  6. لا تزال القوانين الدولية غير قادرة على ضبط انتشار واستخدام الطائرات المسيرة، مما يسمح بتنفيذ عمليات سرية دون رقابة دولية كافية. كما تستغل بعض الدول هذه الفجوات القانونية لتصدير الطائرات المسيرة إلى جهات غير حكومية، مما يزيد من المخاطر الأمنية ويؤدي إلى تفاقم النزاعات المسلحة.
  7. يشهد الشرق الأوسط سباق تسلح متسارع في مجال الطائرات المسيرة، تقوده إيران وتركيا وإسرائيل. وقد لعبت هذه الطائرات دورًا حاسمًا في النزاعات الأخيرة، مثل الحرب في ليبيا وسوريا وأوكرانيا، حيث ساعدت في تغيير موازين القوى العسكرية وأثرت بشكل كبير على سير العمليات القتالية.

سبل الوقاية

في ظل التداعيات والمخاطر سالفة الذكر والتي يمثلها الانتشار الواسع وغير المنظم قانونًا للطائرات المسيرة، وإدراكًا لأهمية وحساسية هذا السلاح والتي ظهرت بصورة واضحة في الحرب الروسية الأوكرانية، كان لا بد على الدول، التحرك في مسار التصدي لخطر طائرات الدرون، ولذلك بدأ المجتمع الدولي يبذل جهود حثيثة في هذا الشأن، معتمدًا في ذلك على أساليب عدة؛ أهمها:

أولا: تطوير التكنولوجيات المضادة للطائرات بدون طيار؛ مثل الرادارات، الترددات اللاسلكية، الكاميرات الكهربائية البصرية، أجهزة الاستشعار التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، أجهزة الاستشعار الصوتية التي تكشف الصوت الذي تصدره الأنواع الشائعة من هذه الطائرات، وأشعة الميكروويف والليزر الكثيفة العالية الطاقة، التي ستحقق نتائج شديدة الإيجابية في هزيمة الطائرات بدون طيار.

ثانيا: التشويش؛ وذلك من خلال التدخل في أنظمة اتصالات الطائرات بدون طيار وإحداث تشويش عليها، ويُعد كل من RF وGNSS نوعين أساسيين من أجهزة التشويش المُستخدَمة، وتعمل تلك الأجهزة على تعطيل ارتباط اتصالات التردد اللاسلكي بين المركبة الجوية ووحدة التحكم الأرضية إلكترونيًّا، واختطافها. وقد لجأت أوكرانيا إلى هذا الأسلوب من خلال إجراء تجارب على أرض المعركة مستعينة بآلة دفاع صممتها ليتوانيا تسمى “سكاي وايبر”، التي عرقلت المسيرات وقت طيرانها عن طريق التشويش على اتصالاتها، حيث أرسلت وزارة الدفاع الليتوانية 50 قطعة من “سكاي وايبر” إلى كييف.

ثالثا: تطوير منظومات دفاع للتصدي للطائرات المسيرة؛ حيث وضعت الولايات المتحدة جهازًا جديدًا مضادًا للطائرات المسيرة على مركباتها العسكرية، وهو مزود برادار وكاميرات لرصد هذا النوع من الطائرات، وفي حال اكتشاف طائرة معادية، يرسل الجهاز ترددات راديو للتشويش عليها وإسقاطها، كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالنظام المحمول والمتنقل، مثل “سكاي وول”، إذ يقوم هذا الجهاز برصد الطائرات، وإطلاق شبكة عليها لتعطيل حركتها.

رابعا: التدمـير فـي الجـو؛ حيث تُستخدم أنظمة الدفاع الجوي مثل نظام الدفاع الجوي الصاروخي المدفعي المحدث “بانتسير-إس1إم”، والذي أثبت قدرة عالية على ضرب مختلف أنواع الطائرات بدون طيار في سوريا، كما يمكن استخدام الصواريخ التي تُطلَق من مروحيات حربية ومن طائرات مقاتلة، بالإضافة إلى صواريخ أرض-جو لتدمير الطائرات بدون طيار، كذلك تُستخدم بعض الأسلحة التي لم تكن مصممة أساسًا لتدمير الطائرات بدون طيار في تدمير الأنواع الصغيرة والتي تطير بسرعة منخفضة.

خامسا: إنشاء نظام لـتـنـظـيم اســـتـخـدام الطائرات بدون طيـــار؛ يتضمن معايير قوية تتعلق بتصميم وتصدير وضبط استخدام الطائرات المسيرة ونقل التكنولوجيا العسكرية ذات الصلة، وإبرام اتفاق حسن نية تتفق الدول بموجبه حول كيفية استخدام الطائرات المسيرة بما في ذلك الأمور المتعلقة بعبور الحدود والامتثال للقانون الدولي ووضع أفضل الممارسات بشأن الطائرات المسيرة ونقل التكنولوجيا لأطراف ثالثة، ويُقترح أيضًا أن تشمل اتفاقيات بيع هذه الطائرات، حماية المدنيين والالتزام بحقوق الانسان الدولية والقانون الإنساني.

هوامش ومصادر:

  1. إبراهيم درويش، نيويورك تايمز: إيران وسّعت من قدراتها في صناعة الطائرات المسيّرة وصدّرتها للسودان وفنزويلا، صحيفة القدس العربي،29/07/2024.  الرابط. https://www.alquds.co.uk/
  2. بوتين: زيادة إمدادات الجيش الروسي من المُسيّرات بـ10 أضعاف في 2024 https://aawsat.com/
  3. الطائرات بدون طيار.. ركيزة حيوية في جيوش المستقبل، جلة درع الوطن العسكرية، 01/05/2012. الرابط. https://www.nationshield.ae/index.ph
  4.    الطائرات المسيرة. سلاح الحروب في المستقبل، الجزيرة نت - الموسوعة، 14/04/2024. الرابطhttps://www.aljazeera.net/encyclopedia/2019/
  5. تعرف على أولى عمليات استخدام المسيرات بالتاريخ، طه عبد الناصر رمضان، العربية نت، 26/04/2024. الرابط. https://www.alarabiya.net/last-page/2024/
  6.    الطائرات المسيَّرة.. من عاصفة الصحراء إلى مقتل سليماني، هيلين واريل،  منصة الاقتصادية، 15/01/2020. الرابط . 
  7. https://www.aleqt.com/2020/01/15/article_1745866.hm
  8.   الطائرات المسيرة: مَن اللاعبون الأساسيون في صناعة واستخدام المسيّرات بالشرق الأوسط؟ https://a5r5br.net/international/inte%
  9. تاريخ قصير لمشروع المسيّرات الإيراني https://www.aljazeera.net/politics/2024
  10. الطائرات الإيرانية المسيّرة.. تاريخها وتطورها وسياسة تسييرها https://iranwire.com/ar/reports/100875
  11. الطائرات الإيرانية المسيرةhttps://ar.wikipedia.org/wiki/%D8
  12. https://ar.wikipedia.org/wik
  13. https://www.google.com/s
  14. https://dimensionscenter.net/a
  15. Facts. Analysis. Influence https://www.iiss.org/sv/online-analysis/mi

[1] https://ar.wikipedia.org/wik

[2] الطائرات “المُسَيرة”ـ الغرض من استخدامها وأهميتها https://www.europarabct.com/

[3] الطائرات “المُسَيرة”ـ الغرض من إستخدامها وأهميتها https://www.europarabct.com/

[4] https://www.google.com/search?

[5]  الطائرات بدون طيار.. ركيزة حيوية في جيوش المستقبل، جلة درع الوطن العسكرية، 01/05/2012. الرابط.  https://www.nationshield.ae/index.ph وينظر" الطائرات المسيرة. سلاح الحروب في المستقبل، الجزيرة نت - الموسوعة، 14/04/2024. الرابط https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2019/

[6] https://dimensionscenter.net/ar

[7] ينظر: تعرف على أولى عمليات استخدام المسيرات بالتاريخ، طه عبد الناصر رمضان، العربية نت، 26/04/2024. الرابط. https://www.alarabiya.net/last-page/2024/ 

[8] الطائرات المسيَّرة.. من عاصفة الصحراء إلى مقتل سليماني، هيلين واريل، منصة الاقتصادية، 15/01/2020. الرابط . 

https://www.aleqt.com/2020/01/15/article_1745866.html

[9] الطائرات المسيرة .. من عاصفة الصحراء إلى مقتل سليماني

 https://www.aleqt.com/2020/01/15/article_1745866.html

[10] الطائرات “المُسَيرة”ـ الغرض من استخدامها وأهميتها https://www.europarabct.com/%D8  

[11] الطائرات المسيرة.. سلاح الحروب في المستقبل https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2019/

[12] بوتين: زيادة إمدادات الجيش الروسي من المُسيّرات بـ10 أضعاف في 2024 https://aawsat.com/

[13] https://scihl-sa.com/%

[14] فيليب ألستون، تقرير المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفية، الجمعية العامة للأمم المتحدة، الوثيقة رقم A/HRC/14/24/Add.6، الصفحة 3.

[15]

Légalité et légitimité des drones armés, politique
Vilmer, Jean-Baptiste, Jean-
Revue Politique Étrangère, Automne 2013, IFRI, p. 120-121

[16] الطائرات المسيرة: مَن اللاعبون الأساسيون في صناعة واستخدام المسيّرات بالشرق الأوسط؟ https://a5r5br.net/international/inte%

[17] من اللاعبون الأساسيون في صناعة واستخدام المسيرات بالشرق الأوسط؟

https://www.bbc.com/arabic/articles/

[18] التقنية الفتّاكة.. الانعكاسات الأمنية للدرونز في الشرق الأوسط

https://ecss.com.eg/1354~

تقرير: من الوهط إلى موائد اليمنيين.. المشبّك اللحجي أيقونة التراث الحلو


اتهامات خطيرة تهز إسرائيل: رئيس "الشاباك" المقال يتهم نتنياهو بـ "خطر على الأمن وسيادة القانون"


أوباما يحذر من ازدواجية المعايير السياسية وينتقد صمت الجمهوريين على تجاوزات ترمب


الرئيس الأمريكي يروج لـ "البطاقة الذهبية" الجديدة ضمن إصلاحات برنامج EB-5